أخبار عاجلة
الحياة / الذهب يتراجع مع صعود الدولار - صحف.نت -

«رام الله العثمانية» وتاريخ البعيدين عن مراكز السلطة - صحف نت

«رام الله العثمانية» وتاريخ البعيدين عن مراكز السلطة - صحف نت
«رام الله العثمانية» وتاريخ البعيدين عن مراكز السلطة - صحف نت

الأربعاء 15 نوفمبر 2017 01:08 صباحاً

- لندن ـ «القدس العربي» ـ شادي لويس بطرس: «فكان هؤلاء العمال التلحميين يتحدثون عن بلاد نائية تدعى أمريكا يسافر إليها أهل بيت لحم يتاجرون فيها ويرسلون نقودا لذويهم ويرجعون بأموال طائلة إلى مدينتهم، وقد تحمس يوسف عودة الدبيني وسافر سنة 1895 قاصدا أمريكا، لكنه عندما وصل إلى إنكلترا ووجد أهلها يتحدثون اللغة نفسها التي يتحدثها الأمريكيون، مكث فيها وأثرى… ويتفق يوسف قدورة وعزيز شاهين وخليل أبو ريا، على أن عيسى إسحاق عيدة وحنا عازر حشمة أول من سافر إلى البرازيل، ومكثا فيها عاما واحدا. ومنها أرسل عيسى إلى والده حوالة مالية بقيمة مئة ليرة فرنسية ذهبية، وكانت هذه أول حوالة من الخارج يراها أهل رام الله. وعلى إثرها حضرت وفود من البلدة والبيرة لتهنئة والده».
في كتابه، «رام الله العثمانية: دراسة في تاريخها الاجتماعي»، (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2017)، لا يكتفى سميح حمودة، بتدوين الوقائع الكبرى والتواريخ وإحصاءات البشر والأراضي، وحركات الهجرة وأخبار الحروب وغيرها من محددات روايات التاريخ الإجمالية، بل يغوص في تفاصيل، البشر أنفسهم، بأسمائهم وأنسابهم، ومصائر بعضهم المأساوية، وخلافات عائلاتهم وعشائرهم، ووثائق زواجهم، وطلاقهم، ومواريثهم، وتوكيلات التقاضي بينهم، وكذا ارتحالهم وهجراتهم، وما حملوه معهم إليها، وما تركوه خلفهم.
يقدم كتاب حمودة عن رام الله بين عامي 1517 – 1918، تاريخا دقيقا، لا بمعنى الدقة والحذق فقط، بل في اهتمامه بالتفاصيل متناهية الصغر. فمن وسط قصص، تبدو هامشية، عن جدار بيت سقط على واحدة من ساكنيه فقتلها، أو قضية حمار متنازع على ملكيته، أو خلاف مالي بين تاجر من القدس وواحد من رام الله، أو حوالة مالية تصل من البرازيل، تنكشف صورة مفعمة بالحياة عن علاقات السلطات العثمانية وقوانينها ومؤسساتها مع سكان الريف الفلسطيني، وصلات مسيحييه مع مسلميه، وتحولات الاجتماعية لرام الله ومعمارها، في خضم أحداث التاريخ الكبرى.
لم تحظ رام الله العثمانية، سوى باهتمام تاريخي وبحثي شديد التواضع، فالقرية الزراعية الصغيرة، الواقعة في قضاء القدس، التي شكل المسيحيون من الروم الأرثوذكس معظم سكانها، خلال الحقبة العثمانية، لم يتوفر لها ما توفر لغيرها من حواضر فلسطين ومدنه من أوزان تاريخية وروحية، مما لم يغرِ الكثيرين بدراستها، فإن ندرة الوثائق التاريخية الممكن الاعتماد عليها في دراستها، وصعوبة الوصول إلى بعضها، كان سببا إضافيا لإهمالها. وربما بفضل تلك العوامل، يكتسب كتاب حمودة، فرادته، لا في سده فراغا معرفيا فقط، بل لتركيز قسط وافر من اهتمامه إلى التفصيلي والدقيق، عبر مناهج الأثنوغرافيا التاريخية.
يعالج الكتاب تاريخ رام الله في العصر العثماني، بالاستعانة بسجلات المحكمة الشرعية في القدس، التي كانت تتبعها رام الله، ودفاتر التحرير العثمانية المتعلقة بالأراضي والضرائب والسكان، وسجلات مجلس البلدية، ووثائق الأوقاف الإسلامية، ووثائق الأرشيف العثماني في إسطنبول. وعلى الرغم من أن تلك المصادر الرسمية، «لا تشفي الغليل»، كما تقول مقدمة الكتاب، وتظل محدودة، في قدرتها على معالجة» وتيرة الحياة اليومية الطبيعية»، فإن حمودة تعامل مع تلك الصعوبة بالاستناد إلى عدد من الكتب والمذكرات واليوميات وروايات التاريخ الشفهي التي نشرها عدد من أبناء رام الله أنفسهم، وغيرهم من الرحالة والمبشرين الغربيين، كما وظف مناهج التاريخ الجزئي، لربط التاريخ المحلي لرام الله بتحولات الريف الفلسطيني بشكل أعم، والأحداث التاريخية الأوسع في العالم العثماني.
وفيما نجح الكتاب في استنطاق تاريخ يتعلق «بحياة الأغلبية العظمى من سكان الدولة العثمانية، المهمشين والمبعدين عن التاريخ، وهم الفلاحون من سكان القرى الريفية الزراعية، البعيدة عن مركز السلطة العثمانية»، وتقييم جوانب من السياسة العثمانية في فلسطين، وتنظيماتها الإدارية والضرائبية والأمنية والقانونية، وكذا دراسة التطور المديني في فلسطين عامة، ورام الله على وجه الخصوص، فإن معالجته لمسألة الوجود المسيحي في فلسطين، وتعاملات السلطات العثمانية مع الطوائف المسيحية، والعلاقة الطائفية بين مسيحي رام الله ومسلمي المناطق المجاورة، ربما هي الأكثر إثارة للاهتمام.
فعبر مقارنة الأسطورة الشفهية عن ارتحال عائلتي الحدادين والكسابرة، المسيحيتين، من شرق الأردن إلى رام الله، بوثائق المحكمة الشرعية في القدس، التي تسجل تقسيم أراضي المدينة بين سكانها المسلمين والمهاجرين الجدد من المسيحيين، في عام 1561، ولاحقا خروج المسلمين من البلدة وتنازلهم عن حقوقهم في أراضيها في عام 1656، لتصبح قرية مسيحية بالكامل، وغيرها من الوثائق المتعلقة بعلاقات وخلافات مسيحي القرية ومسلميها، يكشف الكتاب عن صلات من التعايش والتضامن بين طوائفها، وكذا يقدم صورة أكثر تعقيدا لعمليات الارتحال والإزاحة والإحلال الديموغرافية، تنقض سرديات النقاء الإثني والطائفي المختزلة.
لكن حمودة لا يكتفى برسم صورة زاهية للعلاقات الطائفية في فلسطين، والعالم العثماني عامة، بل يعالج أيضا الفتن الطائفية التي اندلعت بعد الغزو الفرنسي، وخلال حملة إبراهيم باشا، ولاحقا قيام الحرب العالمية الأولى. وهنا أيضا، لا يكتفي الكتاب بعرض الجوانب السلبية للتدخل الغربي، ففي تناوله لتأثير الإرساليات التبشيرية المسيحية والانشقاقات الدينية التي نجمت عن نشاطها، يكشف أيضا عن الجوانب الإيجابية لتلك البعثات، والفوائد التي جناها المسيحيون والمسلمون أيضا في مجالي التعليم والصحة بالأخص، بل كذلك دورها في التمهيد لتحول رام الله إلى مركز مديني لاحقا.
وفيما تنجح دراسة حمودة، في تقديم عرض متوازن وثري في تفاصيله لرام الله العثمانية، ولجزء من تاريخ المسيحيين العرب، فإن مشروعه الطموح للإلمام بتاريخ أربعة قرون، تزخر بالكثير من الأحداث التاريخية الكبرى، يظل غير مكتمل، بشكل لا ينتقص منه أو يقلل من قيمته، بقدر ما يفتـــــح الباب أمام دراسات تاريخية لاحقة، ومجهود بحثي مستقبلي، معنيا باستــطاق تاريخ للمهمشين والمبعدين عن مراكز السلطة، وإعادة قراءة لســــرديات التاريخ الكبرى على ضوئها.

«رام الله العثمانية» وتاريخ البعيدين عن مراكز السلطة

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر («رام الله العثمانية» وتاريخ البعيدين عن مراكز السلطة) من موقع (القدس العربي)

السابق الحزب الديمقراطي الحر الألماني يعلن فشل مفاوضات "جامايكا" - صحف.نت
التالى روسيا اليوم / روسيا تصمم طائرة للنقل للعسكري - صحف نت