أخبار عاجلة
الحياة / الذهب يتراجع مع صعود الدولار - صحف.نت -

السيناريو بقناع روائي في «بيت الكراهية» للسوري محمد برهان - صحف نت

السيناريو بقناع روائي في «بيت الكراهية» للسوري محمد برهان - صحف نت
السيناريو بقناع روائي في «بيت الكراهية» للسوري محمد برهان - صحف نت

الأربعاء 15 نوفمبر 2017 01:08 صباحاً

- ما يلفت الانتباه، ويسترعي النظر، في رواية «بيت الكراهية» للسوري محمد برهان (فضاءات، 2017) بناؤها القريب من السيناريو. فالكاتب يتنقل من فصل لآخر بتغيير المشهد المنظور لدى القارئ بآخر يُفترض أنه مشهد تمثيلي يعود بالمتلقي إلى الماضي القديم، وإلى القرن الخامس عشر الميلادي تحديدًا، وهو الذي سقط فيه آخر معاقل المسلمين في الأندلس – مدينة غرناطة 897هـ – فتتبدل الشخصيات، وتتبدل الملابس، وتتبدل الأمكنة، وما فيها من الأثاث، وتتبدل اللغات. فالقصة تبدأ باستدعاء بعض المسؤولين عن إدارة المخطوطات في الحكومة الإسبانية لثلاثة من المؤرخين، أو لنقل المتخصصين في تاريخ تلك الحقبة، إحداهم إيلينا لغتها العبرية، والثاني زكريا لغته العربية، والثالث إنريكي لغته اللاتينية، أو القشتالية القديمة. والهدف من هذه الدعوة هو التدقيق في مدى الاختلاف، أو الإئتلاف، في المخطوطات الثلاث التي كتبت بهاتيك اللغات لتروي ما وقع وجرى في غرناطة بعيد الاجتياح، الذي قامت به جيوش الملكين فردناندو وإيزابيلا في العام المذكور آنفا 897هـ. وما تبع ذلك من حوادث اتسمت بالعنف، والإكراه على التنصير، يستوى في ذلك المسلمون من أهل غرناطة، والموسويون، وتقصي الدقة، والمطابقة، في محاضر الجلسات التي دُونت فيها أخبار تلك المجريات عن كثب، وفي الزمن الذي كانت تجري فيه.
وتقضي هذه الغاية أن يلتقي الثلاثة تحت إشراف المؤرخ الإسباني باسيليو، وملاحظة الوزيرين فيرت، وخوسيه دي لا سيل، وأن تتواصل الاجتماعات لبضعة أسابيع.
والتقنية السردية التي يتبعها محمد برهان تقوم على الإيحاء بوجود الأشخاص الذين كتبوا تلك المحاضر، في زمن الأحداث. وهؤلاء الأشخاص يظهرون للقارئ مثلما تظهر مشاهد تاريخية قديمة في إطار مسلسل غير تاريخي، فخليل (ساباس) مسلم غرناطي تنصَّر على يدي القسّ طليبرة، هو الذي يقوم بكتابة النص العربي، وعدلاي وهو أيضا غرناطي يهودي متنصر، هو الذي يقوم بكتابة المحاضر باللغة العبرية، فيما يقوم الشخص الثالث إنريكي وهو نصراني أبا عن جد بكتابة المحاضر باللغة القشتالية السائدة عصرئذ. وما يجري تدوينه هو ما يقوله الكاردينال فرانثيسكو خيمينيز ثيسنروس (1436- 1517) ومساجلاته مع القس طليبرة، وما يتفقان فيه، أو يختلفان. فالأول متشدد جدا، ولا يفتأ يبتكر الوسائل التي يهدد بها المورسكيين، وهم مسلمو غرناطة، ويدعو لزجهم جميعا في المعتقلات، ويقترح بيع الفتيات في مزاد، ويتمنى أن يحرقوا جميعا في محرقةٍ واحدة ويرتاح منهم إلى الأبد، مثلما يقول في واحدة من الوثائق التي أضحت مثار خلاف. أما طليبرة، فعلى الرغم من أنه لا يختلف كثيرا عنه، إلا أنه يصغي أحيانا لصوت العقل، والحكمة، وقد يصل بينهما الخلاف حد المشادة، بل المشاجرة.
ويكرر الكاتب محمد برهان رواية ما يجري في الجلسات، وما يدور من مناقشات بين المؤرخين الثلاثة؛ زكريا وإيلينا وماثيو. ولا سيما عندما يجدون فروقاً في الصياغة بين المحاضر الثلاثة: العبري والعربي واللاتيني. فيحتد الحوار ويعلو، ويلاحظ القارئ أن ماثيو، وهو الإسباني الوحيد بينهم، يتَّخذ على العموم، وفي الغالب، مواقف متشددة، فكأنه صورة أخرى من شخصية الكاردينال ثيسنروس.
وأيا ما يكن الأمر، فإن الأجواء المحيطة بالفيلا التي تحفظ فيها المخطوطات، ويقيم الوافدون الثلاثة في الطابق العلوي منها، والتجوال من حين لآخر في غرناطة، يضفي على الحكاية ألوانا من السرد تعدل بها من التاريخ إلى اللاتاريخ، فيجد زكريا- الفلسطيني القادم من القدس – وإيلينا اليهودية القادمة هي الأخرى من ـ أورشليم- ما يقرّب كلا منهما من الآخر. وبدأ كل منهما يميل لنظيره، وانتهت جولاتهما ذات يوم ماطر بالوقوع في الحب. ربما كانت نزوة عابرة، بيد أن هذه النزوة تجعل من موقفيهما من المحاضر، والمخطوطات، موقفا متجانسا أو موحدًا. فقد لاحظا مثلا أن هذه المخطوطات، والاهتمام بها يذكي الكراهية الدينية، لا أكثر، وبدلا من أن تجسِّر الهوة بين الأديان، تزيدها عمقا واتساعا، حتى إنهما يتفقان على تسمية المكان الذي يحتفظ فيه بالمخطوطات ببيت الكراهية. وعندما تحدثا بهذا الحديث أمام ماثيو أصرَّ على أن لهذه المخطوطات قيمة تاريخية لا تقدَّر بثمن. وأما باسيليو، فقد تفهم رأيهما في المحاضر، بيد أنه لا يشاطرهما رأيهما بضرورة التخلص منها دفنًا بالأحذية، أو حرقا مثلما حُرقت آلاف المخطوطات العربية في باب الرملة، أو قذفها في أقرب حاوية للمهملات.
وفي تناوب المتخيَّل الحكائي عن الماضي تارة، وعن الحاضر تارةً أخرى، يقف بنا الكاتب عند مشاهد تصور بشاعة الجرم الذي اضطلع به، وبتنفيذه، الكاردينال ثيسنروس، والدوق تاندليا، ومن ذلك على سبيل المثال المشهد البانورامي لإحراق المخطوطات العربية الأندلسية في باب الرملة، مثلما أشير. فقد جُمعت الكتبُ بعضها فوق بعض حتى أصبحت بحجم جبل أشمّ، شامخ، ثم أضرمت فيها النيران. وعلى الرغم من أن بعض رجال الكنيسة، ومنهم طليبرة، أنكروا على الكاردينال هذا الرأي، وحاولوا منْعه من تنفيذه، إلا أنه صاح بهم في ما تذكُرُه المحاضر: المسلمون أنفسهم أحرقوا كتب علمائهم وفلاسفتهم. أحرقوا كتب الغزالي، وكتب ابن رشد. أحرقوا كتبهم صونا لضلالهم (فيما يزعم) ونحن أولى بحرق كتبهم دفاعًا عن تعاليم الرب».
ويبدو أنَّ الكاتب، قبل كتابته هذه الرواية، جمع الكثير من الوثائق التي تصوِّر ما عاناه المورسكيون في الأندلس. فقد عرض ـ مثلا- لمزاد العذارى، وهو أيضا مشهد بانورامي يثير التقزُّز تُباع فيه الفتيات في مزاد مثلما تباع قطع الأثاث، أو الخيول، وما شابه ذلك وشاكله. ويسلط، في موقع آخر، الضوء على أساليب محاكم التفتيش، واعتمادها أدلة غريبة في إدانة المتهمين بعدم التنصر، فاستحمام المرء دليل على أنه مسلم في قلبه، وإن تنصر في الظاهر، والذي لا يقبل على تناول لحم الخنزير دليل على تشبثه بعقيدته إسلامية أو يهودية، ومن يمتنع عن تناول خمرة العنب فذلك دليل على أن تنصّره كاذب. أما الذي لا يذهب إلى العمل يوم الجمعة فذلك مرتكب جريرة يستحق عليها الإعدام بتلك الآلة المعروفة باسم الحمار الإسباني.
واللافت أيضا أن الكاتب في سياق تتبعه للأحداث يسلط الضوء على أسرة خليل العَوْسني (ساباس)، ووالده عبد الرحمن، وجده إبراهيم الوراق، وأمه فاطمة، وأخواته الثلاث، وزوجته يمامة، وابنتيه زمردة وغيداء. فهو يخترع لهذه الغاية حكاية فرعية تندَمجُ في الحكاية الرئيسة. إذ ينتهي المطاف بالعوسني إلى البحث عن مكان آمن في المهجر، في المغرب. بيد أنه يفعل ذلك وهو غير مطمئن إلى الوصول سالما لبرِّ العَدْوة، فلطالما قضى آخرون نحبهم وهم في الطريق.
وثمة حكاية أخرى يوردها الكاتب على طريقة الحكاية داخل الحكاية. ففي الأوضاع المعاصرة التي يراقبها باسيليو متأمِّلا، يتضح له أن العنف والحروب الدينية تنتشر في كل مكان، لاسيما في ، فالأرض التي انبثق منها الأنبياء، وأنزلت فيها الرسالات، تبدو كما لو أنها جهنم حقيقيّة أقرب إلى التجسيد من تلك التي وعد الله بها المشركين، والنار تمتد منها، وتصل إلى كل مكان. في هذه الأجواء تبرز حكاية (آهنا) الربة التي عرفها للمرة الأولى في معبد «فيفانت» في الهند، وفتحت له طريقًا آخر غير الطريق الذي يعْرفه، وأفقا جديدًا مرتبطاً بفكرة الرب.
ولا يفوتُ الكاتب برهان، وهو يروي هذه الغرائب، ويكرر هاتيك العجائب، الالتفات إلى جانب آخر يهمله الروائيون عندما يكتبون عن هذه المحنة: محنة مسلمي الأندلس، وهو الثورات التي اندلعت ضد الملكين، وضد الكاردينال ثيسْنروس ومساعديه، فاتخذ شبيبة الأندلس من البشرات، ومن جبال سيرانفادا، مخابئ يتحصَّنون فيها ويغيرون من حين لآخر على جند الملكين في غرناطة نصرةً لأهالي رَبَض البيّازين. صحيح أن هذه الانتفاضات لم تحل دون إتمام المخطط الإجرامي لثيسنروس، بيد أنها- على الأقل- تؤكّد أن مورسكيي الأندلس لم يستسلموا بسهولة ويُسْر، وأن الظروف التي أحاطتْ بهم أفضت إلى هذه النهاية التراجيديَّة، والنتيجة المأساوية.
ولا ريب في أن الرواية التاريخية تحتاج لضروبٍ من التشويق، وإلى لغة في الكتابة تختلف عن الرواية غير التاريخية. وأول هذه الأساسيات التي تحتاج إليها الرواية التاريخية الإيحاء بوجود رباط بين الماضي والحاضر. وهذا متوافر في «بيت الكراهية» بصورة ملحوظة، فالتقنية القائمة على تبديل المشاهد مثلما يحدث في السيناريو، تضمن هذا الانطباع، لدى القارئ بدون حاجة للتأويل. علاوة على إشاراته المتكررة لإعدام واحد وعشرين قبطيًا مصريًا في (سرْت) في ليبيا، على أيدي إرهابيين من «داعش» فهي الأخرى ِّز هذه الصلة. تضاف إلى هذا الإشارات المتكررة للربيع العربي، وتأثير التطرف الديني العشوائي في إحباط الحركات الثورية العربية، وظهور ما يعرف بتنظيم «الدولة الإسلامية»، وانتشار عملياته الإرهابية في غير مكان. غير أنّ عناصر أخرى يبثها الكاتب في الزوايا المعتمة، والظليلة من الرواية، تشير إلى هذا الترابط. فحوار كل من إيلينا وزكريا عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وارتباط كل منهما بعلاقة يسميها زكريا عداءً، لا كراهية، يضفي على الرواية هذا النسق التعبيري، فهي رواية عن الحاضر بصيغة الماضي. فالتفريق بين العداء والكراهية ـ في واقع الأمر- ليس أكثر من حذلقة لفظية، لا تغير من حقيقة الواقع إلا القليل الذي لا يُؤبه له. وفي هذا السياق يمكن أن يفسر القارئ تركيز الكاتب على حكاية باسيليو و(آهنا) وعقيدة (الفيفانت) وفكرتهم الخاصة عن الرب.
وما يمكن أن نسمّيه تشويقا روائيًا يعتمد على تلميح الكاتب لوقوع أحداث تُروى لاحقًا، مما يورث القارئ شعورًا بالترقب. فعلى سبيل المثال، لا الحصر، يقترح أحد الوزيرين (خوسيه) إطلاع زكريا على المخطوط التاسع عشر(ص39) الذي لا يندرج ضمن المخطوطات التي هي موضع التحقيق، والتقصّي. وهذا الإشارة التي اعترض عليها ماثيو بشدة تشعر القارئ بضرورة الاطلاع على المخطوط، بيْدَ أنه يقرأ مئة وستًا وثلاثين صفحة من الرواية قبل أن يتضح له أن المخطوط هو مدونة خليل العَوْسني، أحد كتبة المحاضِر بالعربية، وهو مخطوطٌ يتضمَّن ما يعد سيرة، أو اعترافًا مختصرًا، يعتزم فيه الرحيل من غرناطة إلى المغرب.
وفي الجانب اللغوي يقف القارئ على مزيج من الأداء السردي الكلاسيكي، والحوارات التي تكتبُ بلغة فصيحة مصقولة، ومنضبطة ضمن معايير متجانسة تمثل عددًا من المثقفين، وذوي المؤهلات الأكاديمية العالية. ولذا جاءَتْ لغة الرواية، سردا، ووصفا، وحوارا، لغة تستأثر بفضول القارئ، واستئناسه بما فيها من تجانُس، على الرغم من اختلاف الأصول التي ينتمي إليها الشخوص. ومع ذلك لا يفتأ الكاتب يراعي في الحوارات، التي جرى التعبير عنها في الإطار التاريخي، الفروق؛ كحوار الكاردينال مع القسّ طليبرة، ومن كانوا يكتبون لهما: إنريكي وخليل وعدلاي، وكذلك الدوق تاندليا. وبصفة عامة يستطيع القارئ الاطمئنان لرواية بيت الكراهية بوصفها رواية تاريخية تصف الحاضر بصيغة الماضي وصفا يقترب بنا من فن السيناريو وإنْ كتبَ بقناع روائي.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (السيناريو بقناع روائي في «بيت الكراهية» للسوري محمد برهان) من موقع (القدس العربي)

السابق الحزب الديمقراطي الحر الألماني يعلن فشل مفاوضات "جامايكا" - صحف.نت
التالى روسيا اليوم / روسيا تصمم طائرة للنقل للعسكري - صحف نت