أخبار عاجلة

 كيف تلاعب السعوديون بتونس ولبنان؟ - صحف نت

 كيف تلاعب السعوديون بتونس ولبنان؟ - صحف نت
 كيف تلاعب السعوديون بتونس ولبنان؟ - صحف نت

الأربعاء 15 نوفمبر 2017 01:16 صباحاً

- أوقفوا الصورة. دققوا جيدا في الزوايا وتأملوا مليا في الملامح. سترون بوضوح أن رئيس حكومة لبنان الذي ظهر الأحد الماضي على شاشة تلفزيون المستقبل للمرة الأولى منذ انقضاء أسبوع كامل على تواريه عن الأنظار، بعيد اعلان استقالته من الرياض، كان خيال رجل شاهدتموه من قبل وبدا تماما مثله كئيبا ومنكسرا بلا حول ولا قوة.
وسواء تبين يوما ما بأنه كان مخطوفا، أم ثبت بأنه كان بالفعل حرا طليقا مثلما حاول التأكيد على ذلك بنفسه، فإن الشيخ سعد كما يدعونه أنصاره، لن يكون في أي حال من الأحوال، لا أول ولا آخر زائر يجرب الضيافة القسرية لبلد يعرف الجميع أن من يدخله مفقود ومن يخرج منه مولود.
صحيح أن مسحة الغموض زادت عن الحد وجعلت قصته تجتذب فضول الاعلام واهتمامه البالغ. ولكن ألا يذكركم كلامه المرتجل والمذبذب بخطاب وداع سمعتموه منذ ما يقرب من سبع سنوات من الآن من فم الرئيس التونسي المخلوع، وهو يردد بوجل واضطراب واضحين عبارته الشهيرة «لقد فهمتكم»؟ قد تقولون بأن القصتين مختلفان تماما عن بعضهما بعضا. فقد فرّ بن علي، في ذلك الوقت، من ثورة كادت تطيح برأسه، ووجد في المملكة الملجأ والملاذ الذي يحميه من فورة غضب شعبه. أما الرئيس سعد الحريري فقد قصدها في زيارة عمل عادية لم يكن هناك ما يوحي أو يدل على أن الدافع من ورائها كان الحفاظ على نفسه من خطر يتهدد حياته وأمنه الشخصي، غير أنه أجبر بعدها، مثلما أكدت معظم المصادر، على قراءة بيان استقالته من منصبه، وعزل بعيدا عن الأضواء اسبوعا على الاقل ومنع إلى اجل غير معلوم من العودة لبلاده. ولكن ألم تتقاطع مسارات الرجلين في مرحلة ما في ؟ وألم يكن هناك رغم اختلاف الظرف والملابسات خيط رفيع يجمع بين القصتين، أي قصة الضيافة السعودية لابن علي وقصة الضيافة السعودية للحريري؟ لقد اعلن الديوان الملكي في الساعات التي تلت هروب الأول بأنه «انطلاقا من تقدير حكومة المملكة العربية السعودية للظروف الاستثنائية التي يمر بها الشعب التونسي الشقيق، وتمنياتها بأن يسود الأمن والاستقرار في هذا الوطن العزيز على الامتين العربية والاسلامية جمعاء وتأييدها لكل اجراء يعود بالخير للشعب التونسي الشقيق، فقد رحبت حكومة المملكة العربية السعودية بقدوم فخامة الرئيس زين العابدين بن علي واسرته إلى المملكة». أما المعلومات القليلة التي تكشفت لاحقا حول ظروف مغادرة الرئيس المخلوع لتونس، فقد اشار معظمها إلى انه أجبر أو دفع أو أغري على ركوب الطائرة التي كانت في طريقها لان تقل اسرته إلى جدة. ولا شك في أن من فعل ذلك قد تلقى ضوءا اخضر وموافقة واضحة وصريحة من السلطات السعودية على أن لا تقبل اسرة المخلوع بمفردها.
طبعا لا أحد سيصدق أنها فعلت ذلك حرصا على أمن واستقرار بلد مثل تونس، لأنه لم يكن مفترضا أن يكون لها ما تخسره من وراء رفض طلب استضافة بن علي، أو حتى إعادته لاحقا إلى بلاده، بناء على طلب السلطات التونسية. ولكن الارجح هو انها انخرطت في لعبة دولية، كانت تقتضي أن يبقى بن علي بعيدا عن تونس ومواربا في مكان بعيد يمضي فيه ما تبقى من سنوات عمره. لم يكن الاختيار عشوائيا أو محض صدفة، فالبعد الجغرافي وروابط بن علي بالعائلة السعودية الحاكمة، كان لهما دور في التحديد النهائي للوجهة.
لقد كانت ضيافة قسرية لم يطلبها الضيف، كما تردد ولم يرغب بها المضيف مثلما أشيع، ولكن الطرفين قبلا بها في النهاية ضمن صفقة لا نعلم لا الكثير ولا القليل من تفاصيلها. هل كان بن علي مخيرا؟ أم مضطر أو مرغما على القبول بها؟ وهل كانت طلبات السعوديين بان لا يظهر ابدا في الاعلام ستارا لاشتراطات اكبر واهم تقضي بتقاسم الاموال والثروات التي هرّبها أو اخفاها خارج تونس، أو دفع نصيبا مهما منها في أدنى الاحوال مقابل استمراره في البقاء على أرضهم؟ كل ما يقوله السعوديون بشكل غير رسمي هو انهم يراعون اصول الضيافة اكثر من غيرهم، لأنهم يطبقون مبدأ قبليا معروفا وهو الاستجارة، أي حماية كل من يصل بلدهم ويستجير بهم ممن يهددون حياته. وما يفترضه ذلك بالطبع هو أن لا يكون المستجير مجرما أو قاتلا أو هاربا من العدالة، وأن لا تكون الظروف والشروط الدنيا لمحاكمته محاكمة عادلة في بلاده موجودة.
لكن ذلك لم يكن مطروحا في حالة المطلوب التونسي. وكان القبول بوجوده يعني شيئا اكثر وأبعد من ذلك وهو الاستباق المباشر للترتيبات التي حصلت في الشمال الأفريقي لمرحلة ما بعد بن علي ثم ما بعد مبارك وما بعد القذافي. لقد كان مخلوع تونس ورقة ثمينة حاول المضيف أن يساوم بها على الاستقرار الأقليمي ويؤثر من خلالها بشكل فاعل في مجريات الأحداث، التي شهدها البلد في السنوات التي تلت لجوءه إلى السعودية. وما كان يدركه حينها جيدا هو أن بقاء بن علي تحت حمايته سوف يسمح له بإشهار عصا غليظة عن الحاجة بوجه كل من قد يفكر باستنساخ التجربة التونسية، ودليلا رمزيا مهما على أن فرص نجاح اولى ثورات الربيع العربي ستظل ضئيلة ومحدودة، ليس فقط بسبب الاحتفاظ برمز النظام بمنأى عن العدالة والرفض المتواصل لتسليمه، بل أيضا لان ضرب ما يشبه الحصار المالي والاقتصادي غير المعلن على تونس كعقاب لها على تمردها وخروجها على الصف، كان الوجه الاخر لمقايضة التونسيين بين النأي بانفسهم وببلدهم عن أي قضايا أو اهتمامات خارجية، والسماح بالمقابل للسعوديين بالتدخل في تونس بالشكل الذي يرونه مناسبا لهم، وبين إشهار حرب غير معلنة عليهم. أليس ذلك ما يتكرر الان بشكل ما مع الغائب اللبناني؟ ألم يقل سعد الحريري في ظهوره التلفزيوني الاخير، أن على لبنان أن ينأى بنفسه وأن لا يتدخل في شؤون غيره؟ ألم يعرض نوعا من المقايضة بين عودته بالشروط السعودية أو بين إشهار علني وصريح للحرب هذه المرة على كامل لبنان بداعي وقوعه تحت السلطة والتأثير الفعلي لايران؟ لا شك في أن طبيعة التوازنات الطائفية والاقليمية داخل وخارج بلد الارز تجعله مختلفا عن تونس. ولاجل ذلك قد لا يرى الكثيرون أن هناك نوعا من الشبه والتطابق النسبي بين ورقة الحريري وورقة بن علي، ولكن ألم يكن الاثنان دميتان تحركهما ايدي السعوديين والاوروبيين والامريكان؟ وألم يتم التلاعب بهما وابتزازهما بالشكل والأسلوب نفسيهما تقريبا؟
إن المأساة هنا هي أن كلا الغائبين كانا واجهة لتلاعب أقوى مارسه السعوديون مثل غيرهم في تونس ولبنان سعيا وراء نفوذ اقليمي مفقود. ويبقى السؤال الاهم هو هل سيأخذ التونسيون واللبنانيون العبرة مما جرى لهما؟ أم أنهم سيكتفون فقط بمتابعة باقي القصتين على شاشات التلفزيون؟
كاتب وصحافي من تونس

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر ( كيف تلاعب السعوديون بتونس ولبنان؟) من موقع (القدس العربي)

السابق جيمس فرانكو يخرج فيلما عن كواليس «أسوأ فيلم سينمائي على الإطلاق» - صحف نت
التالى زعيمة ميانمار تواصل صمتها رغم الانتقادات الدولية - صحف نت