مـــا الذي يمنح اقتحام الغوطة كل هذه الأهمية؟ - صحف نت

مـــا الذي يمنح اقتحام الغوطة كل هذه الأهمية؟ - صحف نت
مـــا الذي يمنح اقتحام الغوطة كل هذه الأهمية؟ - صحف نت

الخميس 1 مارس 2018 01:12 صباحاً

- قد يبدو السؤال الوارد فــي العنوان ساذجاً، بالنظر إلــى قرب المنطقة التي تتعرض لحرب إبادة مــن عاصمة النظام الكيماوي، ومن البديهي أن يسعى المذكور وحلفاؤه إلــى استعادة السيطرة عليها. ولكن ألم تكن الحال كذلك طوال السنوات السابقة التي أمضاها السكان فــي حصار خانق وقصف دائم؟ لماذا صدر الآن فقط قـــرار الحسم بشأنها؟
للجواب عــلـى هذا السؤال لا بد مــن تركيز النظر عــلـى ، لا عــلـى النظام. فالروسي الذي تصرف بانتشاء المنتصرين، بعد نجاحه فــي اجتياح حلب الشرقية، وأطلق مسار آستانة، بالاشتراك مـــع إيران وتركيا، ثم أعلن تحقيق النصر، عــلـى لسان الـــرئـيـس ، مــن قاعدة حميميم قرب اللاذقية، تلقى، بعد ذلـك، سلسلة مــن الصفعات أعادت إليه الرشد مــن سكرة النصر الزائف، فبات ينظر إلــى الغوطة كلقمة سائغة يمكنه ابتلاعها بسهولة، عــلـى أمل أن يعود إلــى إعلان النصر مرة أخرى.
فقبل كل شيء اتضح للعالم أن مـــا أعلنته روسيا، مـــع شريكيها السوري والإيراني، مــن مناطق خفض التصعيد، لم يكن سوى خدعة لمواصلة قضم المزيد مــن الأراضي الخارجة عـــن سيطرة النظام، وفقدت تلك «الخطة» كل مـــا رافق صدورها مــن تعويم إعلامي. أضف إلــى ذلـك أن تقسيم سوريا وتقطيع أوصالها بتلك الطريقة، قد شكل أرضية مناسبة لتعلن أيضاً عـــن منطقة نفوذها شرقي نهر الفرات، بعد انتهاء الهدف الأصلي المعلن للانخراط العسكري الأمريكي فــي سوريا، أي محاربة تنظيم «الدولة» (داعش)، منطقة نفوذ محمية بالقوة الفظة، كلما اقتضت الحاجة، ولفترة غير محددة.
وبين إعلان النصر عــلـى لسان بوتين، قبل أشهر فــي حميميم، ومعركة تدمير الغوطة، أغارت طائرات بلا طيار «مجهولة المصدر» عــلـى قاعدتي حميميم وطرطوس الروسيتين، ثم أسقطت طائرة سوخوي متطورة جــــنـوب إدلب بمضادات طـــيــران حرارية محمولة عــلـى الكتف، وقتل أكثر مــن مئة مرتزق روسي بصواريخ أمريكية قرب مـــديـنـة دير الزور، إضافة إلــى عـــدد غير معروف مــن مقاتلي ميليشيات الأممية الشيعية التابعة لإيران.
وكــانت الترجمة السياسية لهذه الخسائر الميدانية فــي «مؤتمر الحوار الوطني» فــي سوتشي الذي انتهى بفشل مدوٍ أزال كل أوهام النصر السريع مــن رأس الثنائي بوتين ـ لافروف.
وهكذا اتضح أن «النصر» عــلـى حلب قد فقد كل بريقه وطواه النسيان أمام الانتكاسات الروسية المتتالية. وإذ فشلت الحملة العسكرية باتجاه دير الزور حين اصطدمت بتصميم الأمريكيين عــلـى الـــدفـــاع عـــن منطقة نفوذهم، لم يبق أمام بوتين سوى البحث عـــن نصر عسكري جديد يعيد الاعتبار إلــى حصرية الإمساك الروسي بالملف السوري. فلم يكن أمامه سوى خيارين: الغوطة أو إدلب. وبما أن تعقيدات كثيرة تحيط بموضوع إدلب (، وغزوها لعفرين المجاورة، وإقامتها لنقاط مراقبة وصولاً إلــى جــــنـوب مـــديـنـة حلب، والصراع الدامي بـيـن الفصائل..)، فضلاً عـــن توقف زخم تقدم قـــوات النظام هناك مــن الجنوب، فلم يبق إلا الغوطة الشرقية المحاصرة منذ أكثر مــن خمس سنوات، هدفاً «سهلاً» للعدوان الروسي.
أما مرد سهولته المفترضة فهو عدم اهتمام الولايات المتحدة، وحلفائها الغربيين، بتلك المنطقة المتروكة لمصيرها. العقل الإجرامي لبوتين المتشكل عــلـى مقاس الـــحــرب عــلـى غروزني، لا يحسب حساباً، بطبيعة الحال، لا لسكان الغوطة المدنيين ولا للفصائل المسلحة المسيطرة عليها. هو يكتفي بمراقبة الدول المتدخلة، فيحدد، بناء عــلـى ذلـك، مدى سهولة ابتلاع الهدف أو صعوبته. لذلك فهو، عــلـى الأرجح، لم يشاهد مظاهرات أهل الغوطة الذين هتفوا قائلين إنهم لن يرحلوا، وسخروا مــن باصات الترحيل الخضراء.
لم يرفع الروسي الفيتو، هذه المرة، فــي مـــجـــلـــس الأمـــن، عند التصويت عــلـى مشروع القرار رقم 2401 القاضي بهدنة فورية وشاملة عــلـى الأراضي السورية، لمدة 30 يوماً، لأن فــي نيته استخدام هذا القرار لتحقيق نصره عــلـى الغوطة باستسلام أهلها وترحيلهم. فباحتقار شديد لمجلس الأمـــن وقراره، واصل الطيران الروسي غاراته المدمرة عــلـى الغوطة، منذ لحظة إعلان قـــرار مـــجـــلـــس الأمـــن، ثم أعلن، فــي اليوم التالي، عـــن «هدنة يومية لمدة خمس ساعات» لإجلاء السكان المدنيين! كأنما ليقول: أنا مـــجـــلـــس الأمـــن، وأنا مــن يقرر تفاصيل الهدنة وتواتر القصف والهدوء! ملقياً قفاز تحديه فــي وجه الدول الأعضاء، وخاصةً الولايات المتحدة التي أذلته فــي الأشهر القليلة الماضية، واثقاً مــن أنها لن تكترث للمزيد مــن الضحايا المدنيين وأشلاء الأطفال الممزقة بالقنابل الروسية.
بنظرة إجمالية، يبدو «الدب الروسي» فــي سوريا، مثل الفيل الشهير، فــي المثل الإنكليزي، الذي دخل متجر الزجاجيات، يحطم كل شيء، بقصد أو برعونة خرقاء، ولكن بلا أي جدوى. ولن يستطيع، طبعاً، أن يعيد ترتيب المتجر ليصبح قابلاً للاستخدام مــن جديد.
إذا حدثت المعجزة وتمكن أهل الغوطة مــن كسر العدوان الروسي، سيكون بوسع الروس، الشهر المقبل، إعادة انتخاب رئـيـس تمرغ أنفه فــي الوحل والدم. فهنيئاً لهم به.

٭ كاتب سوري

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (مـــا الذي يمنح اقتحام الغوطة كل هذه الأهمية؟) من موقع (القدس العربي)

السابق إغلاق مئات المدارس جراء القتال العنيف فــي إقليم أفغاني
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات