أخبار عاجلة
4 قرارات مهمة لمجلس الوزراء خلال جلسة اليوم -
صورة "مركبة المريخ" مــن أهدأ مكان عــلـى الأرض -
5 آلاف سجادة لسطح المسجد النبوي -
غارات جوية مكثفة تكبد المليشيا خسائر كبيرة -

عـــن فوائد الفساد والواسطات… - صحف نت

عـــن فوائد الفساد والواسطات… - صحف نت
عـــن فوائد الفساد والواسطات… - صحف نت

الخميس 1 مارس 2018 01:30 صباحاً

- لا يُذكرُ الفساد والواسطات إلا بالسوء، ولكن فــي بعض الأحيان يكون فيها فوائد لبعض الناس.
كان بن لولو ضــــابـط شرطة مــن أصل مغربي فــي منطقة الجليل الغربي، وكـــان معروفاً بقسوته، كان لسانه زفراً، فلا يتورع عـــن إطلاق الشتائم بالعربية الفصيحة أو المحكية المغربية، لا يفرّق بـيـن صغير أو كــــبـيـر، ولا بـيـن مجرم وبريء،
إضافة إلــى رذالته مـــع المعتقلين لأسباب تافهة، فقد آمن بالعنف طريقاً لفرض هيبته.
كان يقيم فــي بيت مــن البيوت الجاهزة فــي مستوطنة حديثة أقيمت فــي السبعينيات مــن القرن الماضي عــلـى أراضي قرى منطقة سهل البطوف.
بن لولو وبعد أن أصبح ضابطاً كبيراً مهيمناً بلا منازع، اقتنى قسيمة بناء ليبني فيها فيللا يستمتع ويتباهى بها . وكـــان لا بد له مــن أصحاب المهن ، وفـــي هذه الحالة، فإنهم مــن عمال ومقاولي المنطقة مــن العرب.
قرر فهد مقاول البناء مراعاة بن لولو لغاية فــي نفسه، فوفّر عليه مبلغاً كبيراً مــن المال، كانت التجربة الأولى عندما سُجِّلت ضد المقاول مخالفة سير باهظة أحضرها لبن لولو وسأله مـــا العمل فــي هذا؟ أخذ بن لولو المخالفة، وبطريقته ألغاها عــلـى الفور. صار فهد مقاول البناء عنواناً لأبناء عائلته وأصدقائه وأصدقاء أصدقائه فــي قضايا مخالفات السير، ثم صار واسطة لتحرير معتقلين لأسباب جنائية، أو لمنع اعتقال مخالفين، فما أن تقع المشكلة حتى ينصحوك بالذهاب إلــى فهد المقاول قبل المحامي.
بعد البنّاء جاء القصّار الذي تعلم الدرس وطبقه بنجاح ثم جاء الكهربائي والبلاط والنجار ومقاول أعمال الألومينوم والسّباك والزجّاج والدهان وملمّع البلاط وحتى الجنائني، وما أن جهزت فيللا بن لولو ودخل ليسكنها حتى كان جميع المهنيين الذين عملوا فيها أصحاب واسطة قوية وحظوة لديه.
بن لولو تحول إلــى إنسان رائع بالفعل، ولم يعد الرجل المخيف، وعُرف أن اسمه بنيامين، وصرت تسمع مــن يناديه عند مروره فــي القرية بلا تكلّف..بيني بيني، مـــا الذي تفعله هنا، تعال اشرب قهوة.
فــي المقابل رد بن لولو الجميل (وليس الرشوة)، فهو يعطي أرقام هواتف المهنيين الذين عملوا فــي بيته لزملائه فــي جهاز الشرطة ومعارفه مــن شركة الهاتف والكهرباء ومصلحة التأمين الوطني وضريبة الدخل والإطفائية ومسؤول هنا وموظف هناك، وواحد ينقل إلــى الآخر.
وهكذا فمشاكل الهاتف يحلها أو يحاول حلها البلاط مصطفى، والمشكلة مـــع شركة الكهرباء يحاول حلها الجنائني سعيد، وإذا تورطت مـــع ضريبة الدخل فليس لك إلا توفيق مـــجـــلـــس السيارات فقد يحلها، وإذا لاحقك التأمين الوطني فربما ساعدك عبدو الطبّاخ، وكل هذا بالعقل وبدون ضجة. إلــى جانب هذا نشأ أدعياء، وأكثر مــن واحد ادعى قدرته عــلـى حل مشاكل توصيلات الكهرباء أو الهاتف مقابل دفعة عــلـى الحساب، ثم يتلاشى.
تعلمت قيادة السيارة فــي نتانيا، أخبرني كثيرون فــي ذلـك الزمان أن لكل معلم قيادة علاقة مـــع المُمتحِنين، هناك اتفاق فيما بينهم، مــن يقدّم زجاجة مشروب كحولي ينجح، ويفضل أن تكون مــن صنف كونياك نابليون، وبدونها قد تعمل عشرة امتحانات وأكثر. رفضت الفكرة، وقررت أن أنجح بجدارة، وبدون تقديم الرشوة رغم تفاهتها.
فشلت فــي الامتحان الأول وهذا ربما كان مبرّرا، فــي الامتحان الثاني سمعتهما يتحدثان بالييدش، وهي خليط مــن العبرية والألمانية مـــع تشويه للكلمات بإضافة حرف للكلمة خصوصاً حرف العين، وبما أنني أعرف العبرية وبعض الألمانية فأفهم بعض الكلام بالييدش، سأله الممتحن! هل توجد قنينة(إيز عِس آ فلايش)…فرد عليه.(ناين) لا.وفهمت أنني فشلت رغم أنني لم أخطئ . فــي الامتحان الثالث أصررت عــلـى النجاح بدون مساعدة نابليون وهُزمت مرة أخرى، وقررت أن لا أنتظر للامتحان العاشر، فــي الرابع أحضرتها، نابليونية لا تنزل الأحزان ساحتها، لو مسّها حجرٌ مسّته سراء.
دسستها تحت مقعد الأستاذ وقلت»هذه للتفاؤل فقط».
انطلقنا وسأله السؤال التقليدي بالييدش:وكـــان رده «عِس» بلا. أنت سائق ماهر مبروكة الرخصة. صحيح أن نابليون هُزم فــي عكا ولكن له هيبته فــي نتانيا. وقد عرفت هذه الظاهرة فــي حينه برخص نتانيا، حيث كانت نسبة المتورطين منهم فــي الحوادث مرتفعة.
بعد أكثر مــن ثلاثة عقود مــن الزمن أجرت إحدى القنوات تحقيقاً صحافياً وكشفت الغطاء، وتبين أن موتسارت وشتراوس وجورج واشنطون وكثيرين غيرهم مــن المشاهير متورطون إلــى جانب نابليون.
مــن قصص الواسطة الغريبة التي صادفتها كانت فــي تجمع سكني عربي غير معترف به، وهو عبارة عـــن بيوت مــن التنك والجبص، محرومة مــن الخدمات.
فــي يوم مـــا، ذهبت إلــى هذا التجمع لإعداد تـقــريـر صحافي، وفوجئت بوجود وصلة كهرباء عادية فــي أحد البيوت وســـط الحي ومباشرة مــن شركة الكهرباء دون البيوت كلها، وهذا أمر شبه مستحيل فــي تلك المنطقة، سألت الرجل كيف حصلت عــلـى وصلة الكهرباء؟ فقال: أنا أشتغل منذ سنوات فــي مصنع للكرتون، وتشتغل معي سيدة روسية، نشأت بيننا علاقة مودّة، انتُخب ليبرمان وصار وزيراً للبنى التحتية عام 2001، ابنة زميلتي فــي العمل ناشطة مـــع حزب ليبرمان وتوظفت فــي مكتبه، حكيت لزميلتي الروسية عـــن معاناتي، فطلبت مــن ابنتها مساعدتي، وهذه طلبت التفاصيل مني فأرسلتها لها، بعد شهرين وصلتني رسالة موافقة عــلـى وصلة كهرباء. دفعت ثمن الوصلة وجاء فنيو شركة الكهرباء وأوصلوا بيتي بالتيار.
ـ ليبرمان! تساءلت متعجِّبا..
ـ نعم ليبرمان مـــا غيره..
طبعا لا أقصد هنا تبرير الفساد والواسطات فأضرارها الكبيرة لا تقاس بفوائدها الهامشية، خصوصاً عندما تتعلق الأمور بقضايا جدّية، فقد يعفى بعض المجرمين مــن عقابهم الذي يستحقون، ويخفف عنهم، وخصوصاً أن السلطة نفسها معنية بفوضى فــي مـــا تسميه الوسط الـــعــربـي، فهي تغض الطرف مثلا عـــن السلاح غير المرخص، طالما أنه يستخدم لتخريب السلم الاجتماعي فــي مجتمعنا، حتى تحوّل إطلاق النار الليلي فــي معظم قرانا إلــى ظاهرة رعادية، فــي زمن مـــا كانت رصاصة واحدة تدخلك السجن، صار بعضهم يطلق الرصاص مــن أسلحة غير مرخصة بشكل شبه علني وبلا رادع، وهذه ليست قضية فساد، بل هو إفساد وتخريب رسمي موجّه وعنصري.

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (عـــن فوائد الفساد والواسطات…) من موقع (القدس العربي)

السابق الاغتراب والتجديد فــي قصيدة النثر العربية: صلاح فائق فــي ضيافة المسافة
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات