نظرية ما بعد الحداثة ج (١) الأسس والمنهجيات

لطالما اتُهمت نظريّة ما بعد الحداثة بانحرفها عن المسار السياسي السليم، وتعاطفها مع الإرهاب. ويمكن أن نعزو ذلك إلى نقاشات رواد هذه المدرسة المثيرة للجدل، إذ قام البروفسور جايمس دير ديريان على سبيل المثال بافتراض أن جورج بوش الابن وأسامة بن لادن، يمتلكان اليقين الأبستمولوجي (المعرفي) والأخلاقي ذاته.

لم يقتصر الجدل حول تعاطف نظرية ما بعد الحداثة مع الإرهاب وحسب، إنما طال طبيعة النظرية وافتراضاتها؛ إذ يعتبرها البعض منهجية مكمّلة لمدرسة فرانكفوت ونظريتها النقدية، ويصفونها بأنها نظرية ما بعد بنيوية (Post-structuralist)، أو نظرية تفكيكية (Deconstruction Theory)؛ لأنها تعمل على تفكيك الوحدات التحليلية بغرض فهمها.

إن الافتراضات التي وصفت نظرية ما بعد الحداثة بأنها مجرد أداة للتحليل، هي افتراضات مجحفة في حق النظرية التي قدّمت الكثير على مستوى العلاقات الدولية والمشروع الكوزمابوليتي (الأممي)، وهذا ما سأحاول أن أشرحه في المقال القادم، أما عن هذا المقال فسوف أكتفي بأن أشرح أهم الأسس والمنهجيات التي طورها رواد نظرية ما بعد الحداثة.

علاقة المعرفة والسلطة في العلاقات الدولية

يرفض أنصار نظرية ما بعد الحداثة فكرة أن تكون المعرفة محصنة ضد التأثر بالقوة والسلطة، ولهذا فإنها تميل إلى فهم المعرفة بوصفها ظاهرة مُسيّسة، وهو افتراض لا يتناقض مع المصفوفة المعرفية التي أشار إليها الفيلسوف الكبير ميشيل فوكوه، والتي اعتبر بموجبها أنّ التناسق بين المعرفة (أنماط التفسير)، وبين السلطة (عمليات القوة) هو أمر حتمي ولا مفر منه، إذ إن السلطة والمعرفة يدعمان بعضهما البعض. لهذا فإن اتّباع الباحثين لمصادر أو ضوابط أبستمولوجية (معرفية) أحادية سوف ينتج نظريات متحيزة وغير موضوعية، وهو الأمر الذي اعتمد عليه ريتشارد آشلي في بناء نموذجه، ليشير إلى أن العلاقات الدولية بشقيها التنظيري والعملي محكومة بمبدأ سيادة الدول (sovereignty).

لذا فإن مدرسة ما بعد الحداثة قد اتخذت على عاتقها مهمة تفكيك البنية السيادية للدول، والعمل على فهمها بهدف فهم وتفسير العلاقات الدوليّة، وإيجاد الحلول لمشكلاتها، ويمكن أن نميز عددًا من الطرق والمنهجيات البحثية التي طوّرها أنصار النظرية ما بعد الحداثية لهذا الغرض:

1- الجينيولوجي (Genealogy) أو علم الأنساب

تعود أصول هذا العلم لفلسفة نيتشه الذي انتقد ظاهرة الأصول أحادية الجانب بشدة، إذ يركز علم الأنساب على العمليات التي كونت البشرية بموجبها الأصول أو الجذور التي نعرف الأشياء بواسطتها، لهذا فإن علم الجينيولوجي لا يشكك بالتاريخ وحسب، بل ويحاول دائمًا افتراض رواية تاريخية مضادة لما نعرفه، لأنه يعتبر أن البشرية لم تعرف تاريخًا واحدًا؛ بل عدة تواريخ كل منها تم تدوينه بحسب وجهة نظر المدون وفهمه وحتى مصلحته، وبما أن المعرفة تتأثر بالسلطة أو القوة فإن كل ما نعرفه تاريخيًّا هو وجهة نظر واحدة استطاعت أن تهيمن على وجهات النظر الباقية؛ لأنها امتلكت القوة، أو خدمت مصالح من بيده السلطة. يمكن أن نضيف لهذا النقاش أيضًا نسبية المنظور الذي يرى بموجبه المدوّن ما يعرفه، إذ إن كل وجهة نظر صالحة للمكان والزمان الذي وُجدت ضمنه.

لقد استطاع نيتشه تمييز هذه الفكرة بشكل مبكر؛ لذا فقد دعا إلى التشكيك بحقيقة العالم أو كل ما نعتبره حقيقة؛ لأن الحقيقة دائمًا تحمل أكثر من وجهة نظر، أو أكثر من تفسير، وهو الذي أطلق عليه جاك ديريدا مصطلح التناص «Textuality»، إذ يمكننا أن نقول إن أي مفهوم في العالم هو عرضة للاستخدام بحسب السرد «Narrative» (فعلى سبيل المثال يمكن أن تكون أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عملًا إجراميًّا، أي إرهاب إسلامي فاشي، أو عملًا انتقاميًّا) ولكل منظوره حول هذا الأمر، بحسب السياق الذي يريد أن يوردها الراوي ضمنه.

هنا يمكننا أن نقول إن الجينيولوجي هو علم يربط بين المعرفة والبنية التاريخية للهويات، والوحدات، والضوابط، والأشياء، والأهداف… إلخ، لهذا فإن استخدام فوكوه لمنهجية الجينيولوجي في محاولة فهم وتحليل علاقات السلطة في الدولة، قد أفضى بشكل أو بآخر إلى دراسة وتصفح علاقة السياسة بالتاريخ، بحيث اعتبر أن القوة السياسية التي بنت نفسها واكتسبت شرعيتها في ظل الدولة القومية لن تنهي الحروب إلا في حالة كان السلام هو مرحلة تحضير لحرب مقبلة، وبناءً عليه فقد دعا فوكوه إلى استخدام الجينيولوجي بغرض الانفصال المنظّم عن الهوية لسببين أساسيين: أولهما له بعد أونطولجي (وجودي)، وهو تجنب استبدال المسببات (causes) بالآثار (effects)، وهو الأمر الذي لا يمكن تحقيقه بدون الانفصال عن الهوية، أما السبب الثاني فله بعد سياسي- أخلاقي؛ لأن تشكيل الهويات تاريخيًّا لم يتم بشكل حيادي أو طبيعي ولهذا فلا يسعنا أن نقبل حياديتها.

أشارت البروفسور ماجا زيهفوس إلى معضلة الأثر والمسبب وانتقدت الحكومات التي قادت الحرب على الإرهاب لإدعائها أن السبب الذي أدى لقيام الحرب هو أحداث الحادي العشر من سبتمبر، في حين لم تتطرق تلك الحكومات إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت أثرًا لمسببات أخرى عديدة.

وهكذا فقد تم ترسيخ تلك الأحداث في عقول العالم مسببًا وليست أثرًا. وهذا ما يطلق عليه اسم «سياسات الذاكرة» إذ إن العالم لن يتذكر الحرب على الإرهاب إلّا بوصفها أثرًا جاء نتيجة لمسبب وحيد، وهو أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتصبح هذه السردة بوضع مهيمن عالميًّا؛ لأنها الأكثر تداولًا في الإعلام. وبناءً عليه فإن زيهفوس تعتبر أن تجاهل الروايات (Narratives) الأكثر تداولًا والتي هيمنت عبر التاريخ هو ضرورة عند القيام بالتحليل.

وهو الأمر الذي يجعلنا نفهم الأسباب التي دفعت ميشيل فوكوه لإعادة صياغة تاريخ العالم الحالي من خلال التشكيك بالمفاهيم التي تبدو للوهلة الأولى طبيعية وحيادية، وتفكيك تلك المفاهيم ليسهل تحليلها.

2- التفكيكية (Deconstruction)

وتعد من الاستراتيجيات النصيّة التي استخدمتها مدرسة ما بعد الحداثة منهجية من منهجياتها، وهي تعتمد بشكل رئيسي على محاولة فهم السياق الذي وصل لنا بوصفه حقيقيًّا؛ إذ إن الحقيقة بحسب ديريدا هي أمر لا يمكن فهمه إلا من خلال فهم التجارب التفسيرية، ومن خلال خلق حالة من التضاد أو التعاكس، فيمكن لنا على سبيل المثال اعتبار حقيقة أن الأرض كانت مسطحة هو واقع بقي حقيقيًّا لآلاف السنين قبل أن يستطيع الإنسان فهم كرويتها من خلال التجارب التفسيرية (غزو الفضاء الخارجي)، لتبقى كروية الأرض في ذهن البشرية مفهومًا معاكسًا لكونها مسطحة.

والأمر سيان بالنسبة للعلاقات الدولية إذ إن واقع الحرب والسلام هو تابع لفهمنا عن تجربة الحرب وتجربة السلم، هنا تشير المدرسة ما بعد الحداثية إلى أن أهمية المفهوم تكمن في السياق الذي يمكن أن نفهمه من خلاله ومن خلال عكسه، لهذا فإننا نحاول أن نفهم الأمور على شكل أزواج من العكوس. فنحن نفهم الحرب بوصفها عكسًا للسلام، ولهذا فإن إدراكنا يفترض بأن الحرب أي حرب هي مفهوم سيئ بالمطلق؛ لأنها معاكسة للسلام.

وهكذا فإن التفكيكية تحاول تفكيك المفاهيم، والنظريات، والشموليّات (Totalities)، والبنى إلى أجزاء متعاكسة بغرض تفسيرها أولًا، وإبراز أوجه قصورها ثانيًا.

3- القراءة المزدوجة

وهي منهجية يدعو ديريدا لاستخدامها بهدف زعزعة استقرار البُنى، إذ إنه دعا لقراءة أي شيء مرتين عند القيام بتحليله، وتهدف القراءة الأولى لتفسير وجهة النظر المهيمنة وتأكيدها والتعليق عليها بغرض فهم درجة تماسكها، فيما تهدف القراءة الثانية إلى مواجهة وجهة النظر المهيمنة، والعمل على ضرب نقاط ضعفها التي ظهرت في القراءة الأولى بهدف تفكيكها، إذ تعمد منهجية القراءة المزدوجة إلى إيجاد نقاط ضعف ذاتية أو داخلية في مفاهيمنا.

لقد قام الأكاديمي ريتشارد آشلي بمبادرة تعد من أوائل الأعمال التفكيكية المهمة في مجال العلاقات الدولية، وبموجبها فقد أجرى قراءة مزدوجة لإشكالية الفوضى الدولية «Anarchy problematique»، والتي تعد مفهومًا أساسيًّا في أدبيات المدرسة الواقعيّة، إذ حاول آشلي في قراءته الأولى ايجاد مميزات وخصائص محددة لإشكالية الفوضى، أما في قراءته الثانية فحاول تفكيك هذه الخصائص والميزات بهدف إيجاد نقطة الضعف في النظرية.

 وهكذا فقد حقق الهدف الرئيسي من هذه القراءة المزدوجة، ألا وهو إيجاد حالة التضاد بين مفهومي السيادة الوطنية والفوضى الدولية، باعتبارهما تمثلان حالتين متعاكستين، تعتمد الأولى على الأوضاع الداخلية المستقرة داخل الدولة، فيما تمثل الثانية العلاقة بين دولتين ذوات سيادة أو أكثر؛ لهذا فهي تصف الحالة خارج حدود الدولة.

ساهمت دراسة آشلي بإبراز سؤالين مهمين للغاية في تحليل إشكالية الفوضى: الأول ذو طبيعة آونطولجيّة يفترض أن حالة الفوضى تعتمد بشكل أساسي على وجود الدول القومية ذات السيادة، إذ إن غياب الدول ذات السيادة يمكن له أن يفتح المجال لعدّة تساؤلات حول احتمال وجود إشكاليّة الفوضى، أما السؤال الثاني فيتعلق باحتمالية وجود إشكاليّة الفوضى في حال تغييب افتراضات توازن القوى، ورفض الفكرة القائلة بأن القوة هي المحدد الرئيسي الذي يحكم السياسات العالمية.

دفع هذان السؤالان أعلام مدرسة ما بعد الحداثة لإجراء تحليل شامل لإشكالية الدولة ذات السيادة، ومن ثم افتراض نموذج يحاكي العالم ما بعد تلك الدولة، والنظام الدولي الذي يمكن أن ينشأ إذا ما تم الاستغناء عنها، وهذا ما سوف أتحدث عنه في الجزء الثاني من هذا المقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (نظرية ما بعد الحداثة ج (١) الأسس والمنهجيات) من موقع (ساسة بوست)"

السابق أبوتريكة بعد إلغاء إدراجه فــي قائمة الإرهاب: أسامح الجميع.. وأبي الأكثر فرحا
التالى رئـيـس الأركان الجزائري: لا خوف عــلـى الـــبـلاد ولا عــلـى مستقبلها