الآثار العراقية.. تاريخ عريق ينبشه حاضر عشوائي

الآثار العراقية.. تاريخ عريق ينبشه حاضر عشوائي
الآثار العراقية.. تاريخ عريق ينبشه حاضر عشوائي

الثلاثاء 17 أبريل 2018 02:01 مساءً

- بغداد / نازا محمد، عارف يوسف / الأناضول

مــن أكبر عملية سرقة للآثار فــي التاريخ إلــى أوسع عملية تدمير منهجي لها ومن ثم إلــى نبش عشوائي واسع النطاق، هكذا يمكن اختصار الرحلة المريرة للآثار العراقية عــلـى مدى الـ15 عاماً الأخيرة.

15 ألف قطعة نفيسة، تختزل حضارات العراق عــلـى مدى آلاف السنين، تعرضت للنهب فــي أكبر عملية سرقة آثار فــي التاريخ أثناء اجتياح قـــوات دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية للعراق فــي 2003.

وعند اجتياح تنظيم "داعش" الإرهابي لشمال وغربي الـــبـلاد صيف 2014، عمد إلــى تدمير ممنهج لمتحف الموصل (شـــمـــال)، ومواقع أثرية تعود إلــى الألف الثاني قبل الميلاد، ونهب القطع الأثرية الصغيرة وبيعها فــي السوق السوداء.

لكن مـــا يشغل بال المعنيين بالآثار فــي الوقت الحالي هو النبش العشوائي للمواقع الأثرية مــن قبل لصوص وقبائل لها سطوتها فــي الـــبـلاد، خـــاصـــةً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العراق يقف عــلـى أكثر مــن 200 ألف موقع أثري جرى التنقيب الرسمي فــي نحو 12 ألفاَ فقط منها.

- النبش العشوائي فــي الناصرية

وتتركز المخاوف مــن عمليات النبش العشوائي، التي ازدادت بشكل كــــبـيـر فــي مــحــافــظــة ذي قار (جــــنـوب) وتحديدا مـــديـنـة الناصرية (مركز المحافظة)، كما يقول الباحث فــي الآثار والمؤرخ العراقي، علي النشمي.

ويضيف النشمي، للأناضول، "كل سنتيمتر فــي الناصرية به آثار، لا يوجد بيت ولا نهر ولا شارع لا توجد تحته آثار، وبالتالي فإن هذا النبش العشوائي حطم الكثير مــن آثارنا".

ويحدد النشمي بوضوح مشاركة الـــقــبـائل والعشائر، التي تفرض نفوذها بتلك المناطق فــي عمليات النبش التي تحدث، ويقول "كل عشيرة أو قبيلة تسيطر عــلـى قطعة أرض فــي تلك المناطق وتتصرف فيها كما تشاء، ولا يمكن للدولة أن تتدخل".

- أين تذهب الآثار المسروقة؟

ومنذ إسقاط النظام الـــســـابـق عام 2003، تراخت قبضة الدولة وســـط أعمال عنف شبه يومية، وهو مـــا خلق بيئة مواتية للعصابات المنظمة ونابشي الآثار ومهربيها.

وكــانت آلاف الموقع الأثرية عرضة للنبش والسرقة عــلـى مدى السنوات الماضية، حيث استخرجت آلاف القطع الأثرية التي وجدت طريقها فــي النهاية لمزادات عالمية فــي الولايات المتحدة ودول أوروبية.

ويعطي "النشمي" لمحة عـــن الطريق الذي تسلكه الآثار المنهوبة وصولاً للسوق السوداء والمزادات بالقول، إنها ترسل فــي الغالب إلــى ومن هناك إلــى الولايات المتحدة وغيرها، ومن ثم تباع فــي المزادات.

ويشير أن "الآثار تفقد الكثير مــن قيمتها إذا لم يجر استخراجها مــن قبل مختصين يوثقون خلالها تاريخ الاستخراج والموقع المستخرج منه وما إلــى ذلـك مــن معلومات مهمة تعطينا صورة واضحة عـــن تاريخها".

ويجري بيع الآثار العراقية فــي تلك الدول، رغم عدة قرارات أصدرها مـــجـــلـــس الأمـــن الدولي عــلـى مدى العامين الماضيين، يحظر مــن خلالها التجارة فــي الآثارة العراقية فــي مسعى لتجفيف منابع تمويل تنظيم "داعش".

- "داعش" دمر ونبش أيضاً

ولم يقتصر نبش المواقع الأثرية عــلـى العصابات المنظمة والأفراد العاديين، بل عمد تنظيم "داعش" أيضاً إلــى نبش المواقع الأثرية وسرقة مـــا يمكن حمله وبيعه فــي السوق السوداء وتدمير مـــا لا يمكن حمله، وكـــان التنظيم يحصل عــلـى مورد مهم مــن بيع الآثار إبان سيطرته عــلـى شمالي وغربي العراق.

ويقول الأكاديمي فــي كلية الآثار بجامعة الموصل عامر الجميلي، للأناضول، "فــي فترة داعش تم النبش العشوائي فــي مــحــافــظــة نينوى (شـــمـــال)، حيث تم الحفر فــي تلال أثرية منها المسيحلي وتل عبينة وتل حويش (مـــديـنـة اوباش الآشورية)، وتم النبش فــي أنفاق جامع النبي يونس داخل الموصل، والتلال الأثرية فــي منطقة الحويجة جــــنـوب غربي مــحــافــظــة كركوك (شـــمـــال) ناهيك عـــن تدمير متحف الموصل الحضاري ومنارة الحدباء ومدينة النمرود بالكامل".

"والمواقع التي نتحدث عنها ترجع إلــى حقب زمنية مختلفة بدءاً مــن الألف الثالث قبل الميلاد وصولاً إلــى الحضارة الإسلامية، حيث كان العراق مهداً لحضارات عريقة مثل السومرية والبابلية والأكدية قبل أن تصبح بغداد عاصمة للخلافة العباسية الإسلامية"، بحسب الجميلي.

- المهرب والمُسترَد.. إحصاءات رسمية

وفرض هذا الواقع عــلـى السلطات العراقية المختصة بالآثار مهاما شاقة ومريرة تتمثل فــي ملاحقة كنوزه التاريخية المسروقة مــن دولة إلــى أخرى ومن مزاد إلــى آخر، لكنها فــي المحصلة لا تعرف عـــدد القطع المنهوبة عــلـى وجه التحديد.

ويقول مــــديـر قسم الاسترداد فــي الهيئة العامة للتراث بوزارة الثقافة والآثار مثنى عبد داوود، للأناضول، إن "عـــدد القطع الأثرية المسروقة والمهربة للخارج، والتي كانت ضمن محتويات المتحف العراقي ببغداد إبان الاحتلال الأمريكي عام 2003، يبلغ مـــا يقارب 15 ألف قطعة أثرية".

أما القطع غير المسجلة، والتي جرى استخراجها مــن عمليات النبش العشوائي، فعددها غير معروف، حتى أن السلطات العراقية لا تتوافر لديها أية أرقام تقديرية بشأنها، وفق داوود.

ويقول داوود إن العراق يواصل استرداد آثاره، مضيفاً: "استعدنا أكثر مــن 4 آلاف قطعة أثرية، تحمل أرقاماً متحفية، مــن محتويات متحف ببغداد، وأكثر مــن 200 ألف قطعة أثرية تم استردادها وهي مــن مسروقات النبش العشوائي".

وأوضح أن بعض تلك الآثار المستردة تحمل أهمية كبيرة مثل "الإناء النذري"، وكذلك الأقراط الآشورية وهي ضمن مكونات كنز النمرود.

أما عـــن الدول، التي تعد سوقاً رائجة للآثار العراقية، فهي، بحسب داوود، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وكذلك الولايات المتحدة، فلا تزال المزادات العالمية فــي تلك الدول تعرض آثاراً عراقية.

- هل مــن خطة لاسترداد الآثار المتبقية؟

وعن إمكانية استعادة جميع الآثار المسروقة والمهربة، يقول داوود، إن هنالك عــمــل مشترك مـــا بـيـن الوزارات العراقية لمتابعة واسترداد الآثار، ويتركز العمل عــلـى الاتفاقات الدولية بـيـن العراق والدول الأخرى وأهمها "اتفاقية يونسكو" لعام 1970، وكذلك "اتفاقية لاهاي" التي نصت عــلـى حماية الممتلكات الثقافية للشعوب.

وكشف داوود عـــن "وجود خطط لتوقيع مذكرات تفاهم ثنائية مـــا بـيـن العراق وبعض الدول التي نعتقد أنها أصبحت ممراً لتهريب الآثار، وكذلك الدول التي نجد أن دور العرض والمزادات مـــا زالت تعمل وبصورة كبيرة فيها، بحيث تكون تلك المذكرات قانونية فــي استرداد الآثار".

ويعوّل العراق، بحسب داوود، عــلـى قيام بعض الدول باتخاذ إجراءات وتغييرات قانونية مــن شأنها إتاحة المجال لعودة كنوز العراق الأثرية، مبيناً أن ألمانيا والولايات المتحدة تحركتا فــي ذلـك الاتجاه بالفعل.


بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر(الآثار العراقية.. تاريخ عريق ينبشه حاضر عشوائي) من (وكالة الأناضول)

السابق "صهارة غامضة" أسفل بركان يلوستون تحير العلماء
التالى روسيا اليوم / إيلون موسك يبدأ فــي بيع مكعبات "ليغو" - صحف نت