أخبار عاجلة
عاجل| انفجار ضخم فــي ميناء الحديدة -

انقلاب فــي السعودية

انقلاب فــي السعودية
انقلاب فــي السعودية

الثلاثاء 1 مايو 2018 03:32 صباحاً

- مـــا يحدث فــي هو انقلاب، لا بل أبعد مــن ذلـك بكثير؛ هو قلبٌ للطاولة رأساً عــلـى عقب. لا أقصد هنا، بطبيعة الحال، السياسات الــداخــلـيـة والخارجية، إنّمـــا مـــا هو أعمق بكثير جوهر العلاقة التي مثّلت شرعية الحكم وبنية التاريخ الـــسـيـاسـي السعودية بـيـن المؤسسة الدينية السلفية الوهابية ومؤسسة الحكم، تلك العلاقة التي استقرّت عــلـى تقاسم الأدوار بـيـن المؤسستين، وتحديد مساحات العمل والتفاعل.
هي العلاقة التي أنتجت هيمنةً مطلقةً للثقافة السلفية، الوهابية، عــلـى مجمل العامة فــي السعودية، فحكمت التعليم والإعلام والثقافة والتربية، وشكّلت مــصـــادر "القوّة الناعمة" (ليس بالمعنى الإيجابي بالضرورة، إنّمـــا المحايد هنا) السعودية فــي الـــعــالــم، فأصبحت أكبر "مصدّر" للدعوة السلفية، مـــا أدّى لاحقاً إلــى اتهام الغرب والأميركيين السعودية بأنّها المسؤولة عـــن نشر "العقيدة الدينية" للتيارات المتطرّفة، مثل داعش والقاعدة، خصوصا بعد أحداث "11 سبتمبر" فــي عام 2001، والتي كانت أغلبية منفّذيها سعوديين، بينما كان قـــائـد القاعدة التاريخي سعودي، أيضاً، أسامة بن لادن.
وفـــي حركة خاطفة، بما يشبه الضربة الاستباقية القوية، قام وليّ العهد الــســعــودي، ، بقلب الأوراق كافّة، وإحداث تغيير جوهري ومعاكس تماماً للمرحلة السابقة، فعمل عــلـى تغيير القوانين والأنظمة، وسُمح للمرأة بقيادة السيارة، والعمل، وتمّ القضاء عــلـى السلطة التاريخية المعروفة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عـــن المنكر، وتمّ تقليم سلطة المؤسسات الدينية بصورة ملموسةٍ فــي وقتٍ قصير جداً، وشمل الأمر التيارات السلفية كافّة، مــن المعتدلة إلــى الموالية للدولة وصولاً إلــى المعارضة.
فــي المقابل، تمّ تنشيط هيئة الترفيه التي أخذت تقيم حفلاتٍ لم يكن أبداً مــن الممكن التفكير بإمكانية حدوثها فــي السعودية، بدايةً مــن تامر حسني، وصولاً إلــى عروض المصارعة الأميركية الحرّة (WWE) التي أظهرت ولع شريحة اجتماعية واسعة مــن السعوديات والسعوديين بالثقافة الأميركية والغربية عموماً.
مـــا كان قبل أعوامٍ قليلة بمثابة جريمة ثقافية وقانونية ودينية واجتماعية، وعمل شائن، أصبح اليوم مقبولاً ومعترفاً به، والعكس صحيح. هذه القرارات التي مسّت الثقافة الدينية والرمزية واليومية للمواطنين، لها مؤيدون، مــن دون شك، مــن السعوديين الذين ملّوا سيطرة المؤسسة الدينية، ومعارضون مــن التيارات الإسلامية كافّة التي ستوظف هذه التحوّلات لتعزيز الدعاية المشكّكة بشرعية الحكم وبانقلابها عــلـى الــتــحــالــف التاريخي بـيـن الدعوة والدولة، وتجنيد أعداد أخرى مــن الشباب المتدين السلفي الذي، بالضرورة، يشعر بسخط شديد مما يحدث.
عــلـى الرغم مما يبدو عــلـى السطح أنّ الأمور تسير بصورة سلسلة وناعمة، فإنّ الواقع غير ذلـك تماماً، ولا يمكن أن يكون بهذه الصورة السطحية، فما يحدث معركةٌ حقيقيةٌ عــلـى هوية الدولة والمجتمع. وهنالك أنصار للجديد وآخرون للقديم، وشبابٌ متعطشون للإفلات مــن القيود السابقة، وآخرون يرون فيما يحدث نقضاً كاملاً لكل المواثيق والعقود التاريخية المعروفة فــي السعودية.
بالنتيجة، مـــا حدث يقوّي التيار الليبرالي، ويعزّز الانفتاح الثقافي، ويحرّر السعودية مــن قبضة الأفكار الدينية المتشددة التي لا تمثّل الفكر الإسلامي المعتدل بالضرورة (هنالك نماذج للإسلام الـــسـيـاسـي مغايرة للنموذج الــســعــودي؛ ، ، ..)، وهو أمر وجد تشجيعاً هائلاً مــن الغرب. فــي المقابل، خطورة الطريقة التي تمّ بها ، بصورة مفاجئة وسريعة، ومن فوق إلــى تحت، أنّه يضعف تماماً المؤسسة الدينية الرسمية التي عملت عــلـى الـــدفـــاع الدائم عـــن النظام، وهي اليوم فــي ركن الزاوية، عاجزةٌ عـــن القيام بمهمتها السياسية التاريخية، ويعزّز أسباب وشروط التجنيد للتيارات الراديكالية المنتشرة والفاعلة أصلاً فــي السعودية، ويحجّم حتى التيار المعتدل الذي وجد قادته أنفسهم فــي السجن والاعتقال أو قيد الصمت.
هي لحظة انتقالية فيها شكوك ورهانات وأخطار كثيرة، كما تحمل فرصة تاريخية غير مسبوقة، فــي إعادة إنتاج العلاقة بـيـن الطرفين، الدولة والدعوة، لكن لا نعرف مـــا إذا كان هنالك تصوّر عميق استراتيجي لما سيحدث لاحقاً، والصيغة البديلة المطلوبة، ومن يمكن أن يحمل هذا الخطاب والفكر مــن داخل المؤسسة الدينية، بألوانها المختلفة، طالما أنّها بالجملة خارج اللعبة الحالية.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (انقلاب فــي السعودية) من موقع (العربي الجديد)"

السابق خريطة اقتصاد الـــحــرب.. ليبيون يربحون مــن خسائر بلادهم
التالى النفط يرتفع مـــع خفض الإنتاج وعودة توترات "نووي إيران"