أخبار عاجلة
جدل فــي ألمانيا حول حجز الأموال الإيرانية -
كفاح التعلم والجهل  -

دولة التمييز والفساد تسقط فــي اختبار الأمطار

دولة التمييز والفساد تسقط فــي اختبار الأمطار
دولة التمييز والفساد تسقط فــي اختبار الأمطار

الثلاثاء 1 مايو 2018 03:32 صباحاً

- ضربت الأمطار بغزارة بعض مناطق القاهرة، مـــا سبب ارتباكا ملحوظا فــي سير ، وفاقم الوضع تعطل بعض الطرق، مـــا أحدث شللأ مروريا، وقضى بعض الأهالي فــي أثناء عودتهم إلــى منازلهم ليلتهم محتجزين حتى تصريف مياه الأمطار، أما مــن حالفهم الحظ فقد استغرقوا فــي طريق العودة إلــى منازلهم ثلاثة أضعاف الوقت.
وقدّم رئـيـس الـــوزراء المصري، شريف إسماعيل، اعتذارا للمواطنين، بينما وفـــي محاولة للتبرير والاحتواء، صرح الـــرئـيـس عبد الفتاح السيسي، بأنه يتفهم المعاناة التي نتجت عـــن تساقط الأمطار بشكل مفاجئ وغير معتاد! عــلـى الرغم مــن أن الأرصاد الجوية أعلنت مسبقا عـــن موجة الطقس السيئ. وتولى النائب العام ملف الأزمـــة، وحوّلها إلــى الرقابة الإدارية لتحقّق فــي أسباب غرق بعض المنازل والطرق والمحال التجارية.
يلخص المشهد بتفاصيله الواقع الذي تحياه مــن سوء التخطيط، والفساد، والتبرير. ويكشف عـــن وقائع التميز الطبقي والاجتماعي، خصوصا ان أكثر المتضررين أخيرا مــن الأمطار هم ســـكــان القاهرة الجديدة، وتحديدا حي التجمع الذي يسكنه الأثرياء. كما يعكس المشهد قوة الرأي العام الذي أجبر الدولة عــلـى الاعتذار، وتكليف أجهزتها بالتحقيق. كما يدل مـــا جرى عــلـى زيف الشعارات والسرديات التي يصنعها النظام وإعلامه، ومنها أنه يبني مصر، بينما أحد أهم مناطقها الجديدة وأكثرها غنىً تغرق فــي شبر مياه، كما يقول المثل الشعبي.
"ليس للتمييز الطبقي فــي مصر حدود أو موانع. إنه منهاج عــمــل، وسياسة للثورة المضادة"

لم يُخف المشهد استبداد النظام فــي معالجة الأزمات التي يتناولها الرأي العام، حيث سارع نواب باقتراح مشروع قانون يجرّم مــن يتناول أحوال الطقس بالنقاش أو التعليق، بوصف أن الحديث عـــن "حالة الجو" يثير البلبلة، وقد يسقط الدولة. ويمكن قراءة دلالات المشهد الذي يمثل أزمـــةً عــلـى مستويات عديدة:
إشكالية التمييز الاجتماعي والطبقي التي تضرب مصر. وهي فــي الحقيقة استمرار لسياسة نظام حسني مبارك بقدرٍ أكثر وضوحا وعنفا، فلم تكن واقعة غرق حي التجمع فــي مـــديـنـة القاهرة الجديدة شـــرق الـــعــاصــمـة المرة الأولى التي تضرب الأمطار والسيول أحد مناطق الــجــمــهــوريـة، لكنها هذه المرة أضرّت بأحد أهم المناطق الراقية والأكثر غنىً مــن حيث السكان وسعر الأبنية السكانية.
شهدت مصر كلها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم وسائل الإعلام التلفزيونية بدرجة أقل، مشاهد غرق للشوارع والطرق والمحال التجارية والمنازل، خصوصا فــي المناطق المبنية فــي أراضٍ منخفضة نسبيا، مـــا أثار ســـكــان هذه المنطقة، وجعل صوتهم بالشكوى مرتفعا، فانزعجت السلطة، وسارعت إلــى الاعتذار والتحقيق. واهتمت كل مؤسسات الدولة عــلـى أعلى مستوى بمشكلاتهم، هذا التصرف السريع مــن السلطة يمثل الاستجابة الأولى مــن نوعها، لعدة أسباب، فــي مقدمتها أن أغلب ســـكــان تلك المناطق مــن ضمن الكتلة المؤيدة للرئيس مــن فنانين وكبار الكتاب والإعلاميين والرياضيين وبعض رجـــال الأعمال، وكبار الموظفين. وأن هذه المناطق تمثل صورة الجمال المعماري الذي تفتخر به بعض مؤسسات الدولة، لكنه تشوه مــن أثر الأمطار، ولم يتجاوز شكله صور العشوائيات السكانية حول القاهرة التي تغرقها الأمطار، مثل منطقة الدويقة وصفط اللبن وقلعة الكبش والبساتين والخصوص. وثالثا لأن هؤلاء استطاعوا، وعلى الرغم مــن تصنيف أغلبهم فــي جبهة الثورة المضادة أن يعرضوا معاناتهم ومشكلتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووجهوا نقدا للسلطة، وأظهروا غضبا ضدها. لذا اهتمت بهم السلطة، عــلـى عكس مناطق أخرى، كانت أكثر تضرّرا فــي سنوات سابقة، مــن ظروف طقسٍ أكثر قسوة وضررا، لكن تلك المناطق الفقيرة والمهمشة لم تلق الاهتمام نفسه.
نذكّر، عــلـى سبيل المثال، كيف كانت تؤثر السيول والأمطار عــلـى مناطق الصعيد، وخصوصا بعض مناطق البحر الأحمر، مثل منطقة غارب. ونذكّر بمعاناة ســـكــان بعض مناطق ساكن أسوان وقنا وأسيوط، وخصوصا ســـكــان المناطق المنخفضة، أو القريبة مــن مناطق جبلية. وقبل ثلاثة أعوام، تعرّضت بعض مناطق مركز دمنهور فــي البحيرة إلــى أضرار جسيمة، منها غرق كامل لقرية عفونة، ومات مـــا يزيد عـــن ثلاثين مــن الأطفال والشيوخ، ناهيك عـــن خسائر فادحة فــي الأراضى والمواشي، وهي مصدر رزق القرية، أي "موت وخراب ديار". ولم يلق أهالي قرية عفونة، فــي أيام الأزمـــة، ربع الاهتمام الذي حظي به ســـكــان الفيلات الفاخرة فــي منطقة القاهرة الجديدة. ويمكن فــي هذا الإطار تذكّر الأمطار التي ضربت الإسكندرية مــن عامين، وتسببت بخسائر لعدد مــن الأسر، خصوصا فــي المناطق الفقيرة التي تفتقد لخدمات الصرف الصحي.
يحضر التمييز الاجتماعي، كما هو قائم فــي نواح عديدة، فــي معالجة الكوارث الإنـســانـيـة. ليس للتمييز الطبقي حدود أو موانع. إنه منهاج عــمــل، وسياسة للثورة المضادة، وليس أدلّ عــلـى ذلـك مــن رفع أجور الـــوزراء إلــى مـــا يزيد عـــن ألفي دولار، وهو أمر قد يكون ضروريا، بل وعادلا إذا تم تطبيقه عــلـى الجميع، إلا أنه فــي إطار التمييز الاجتماعي يعد جريمة، فالذي يرفع أجور الـــوزراء إلــى ألفي دولار يعمى عـــن رؤية أحوال العمال وصغار الموظفين الذين فــي حاجةٍ ضروريةٍ لرفع رواتبهم، لاستكمال متطلبات الحياة الضرورية، حيث تعيش فئة كبيرة منهم بأقل مــن مائة دولار.
وكشفت واقعة غرق مساكن منطقة التجمع فــي القاهرة كذب سردية البناء والتشييد وإعمار مصر التي يتغنى بها النظام، فبينما يرفع مؤيدو النظام شعار "عشان يبنيها" لتأييد السيسي، تغرق المنازل، بل الطرق التي افتتحها بعد أسبوع، نتيجة هطول الأمطار ست ساعات.
تكشف هذه الوقائع، بجانب أكاذيب الدعاية حول البناء، ومخططات إنشاء شبكة طرق تربط
"كشفت واقعة غرق مساكن منطقة التجمع فــي القاهرة كذب سردية البناء والتشييد وإعمار مصر التي يتغنى بها النظام"
مناطق مصر، ويصرف عليها مليارات، أن هناك سوء تخطيط فــي تلك المشروعات، واستعجالا فــي إنجازها يؤثر عــلـى كفاءتها، وأنها تمثل شكلا بلا مضمون حقيقي، أو بلا قيمة تذكر فيما يخص المستهدف منها، فما معنى أن يفتتح طريق العين السخنة ليتهدم بعد أسبوع بسبب الأمطار. وهنا تنتفي تبريرات مؤيدين للنظام يبرّرون مـــا جرى بأنه نتاج فساد منظومة حكم حسني مبارك، وتحديدا وزير إسكانه، إبراهيم سليمان، وإن كان جزء مــن المشكلة فــي الحقيقة بسبب فساد نظام مبارك، إلا أن مـــا يجري الآن يعني أن منظومة الفساد مـــا زالت قائمة وتتوسع.
وكشفت الواقعة أن إمكانات الدولة المصرية، فيما يخص مواجهة الأزمات ضعيفة، وأن حس الإدارة يعتريه الفشل والتبلد، وسوء التخطيط. وعلى الرغم مــن أن السيسي اجتمع فــي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بوزراء معنيين بمواجهة مخاطر الأمطار والسيول، إلا أنه، وكما اتضح مــن وقائع غرق منطقة القاهرة الجديدة، لا نتيجة لهذه الاجتماعات، ولم يتخذ بشأن السيول والأمطار أي خطواتٍ حقيقية للمواجهة. وهنا تدخل هذه الاجتماعات، وما يليها مــن تصريحات فــي دائرة الدعاية، ولا تتخذ مساحة مــن التصديق، كغيرها مــن تصريحات عـــن الخدمات أو ضبط الأسعار أو تسهيل سبل الحياة، وإنما الحقائق هي الأوقع، وأننا أمام فشل إداري، وسياسات اقتصادية مفقرة لأغلب القطاعات الشعبية، ودعاية مكثفة لنظام مأزوم.
وكشفت الواقعة عـــن تأثير الرأي العام، خصوصا حين يكون لمن يشكلونه ثقل سياسي واجتماعي. نجح ســـكــان التجمع والقاهرة الجديدة فــي إيصال صوتهم ومشكلتهم، وساعدهم فــي ذلـك وجود كتل معارضة، استخدمت هذه الشكوى، ووظفتها لإحراج النظام. وهنا تجلت الفرصة السياسية لبروز رأي عام يرفض الإهمال والفساد والأضرار الناتجة عـــن السيول والأمطار. كما استخدم أهالي القاهرة الجديدة وسائل التواصل الاجتماعي، لصنع حالة تفاعلية مـــع الأزمـــة التي مروا بها. وهنا تتجلى أهمية الإعلام التفاعلي، وتسجيلات الفيديو التي تصنف تليفزيونا تفاعليا مؤثرا، وإن كان أغلب أهالي منطقة القاهرة الجديدة، بحكم انتماءاتهم الطبقية، وارتباطاتهم الاجتماعية والوظيفية، مــن مؤيدي النظام، ويمثلون فعلياً وقوداً للثورة المضادة، إلا أنهم استخدموا بفضل التقدّم التكنولوجي. وآثار ثورة يناير أسلوبا احتجاجياً، استطاع أن يؤثر عــلـى الخطاب الرسمي للحكومة.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (دولة التمييز والفساد تسقط فــي اختبار الأمطار) من موقع (العربي الجديد)"

السابق جــــنـوب العراق "ساحة حرب": الــحــكــومــة تعزل المنطقة والضحايا يتضاعفون
التالى قمة هلسنكي: ترامب يُخرج روسيا مــن عزلتها