أخبار عاجلة
خالد فارس: سوريا الجديدة.. ماهى؟ مجتمع أم دولة؟ -
قيادي حوثي يشتري فلة بـ200مليون ريال فــي صنعاء -

الأسطورة «محمد صلاح»… الأمور فــي نِصابها

الأسطورة «محمد صلاح»… الأمور فــي نِصابها
الأسطورة «محمد صلاح»… الأمور فــي نِصابها

الثلاثاء 1 مايو 2018 06:49 صباحاً

- كان المُفكر الجزائري مالك بن نبي مُحقًا حين قـــال «عندما يسيطر التشويش وانعدام التماسك عــلـى عالم الأفكار تظهر علاماتهما فــي أبسط الأعمال، وعندما يمس انعدام التماسك فــي عالم الأفكار العلاقات المنطقية، يجب أن نتوقع سائر أنواع اللبس فــي العقول».

ربما كانت المبالغة فــي تناول الأحداث وتضخيمها، أبرز مظاهر انعدام هذا التماسك فــي عالم الأفكار، حين يخرج ذلـك التناول مــن الأُطر المنطقية المقبولة إلــى حالة مــن الشطط.

يعيش الـــعــالــم الـــعــربـي والإسلامي حالة مــن تنازُع الأفكار والتقييم لشخصية مصرية انتقلت إلــى العالمية، وأعني اللاعب الموهوب ، الذي يلعب فــي صفوف الإنكليزي.

وأصبح الوجه الأبرز فــي وسائل الإعلام والسوشيال ميديا، وبات بدون مبالغة الشخصية المصرية الأكثر تأثيرا، ولو فُرض أنه رشّح نفسه لانتخابات رئاسية فيقينًا سوف يُحقق فوزًا كاسحًا.

طرفٌ مــن أطراف هذا التنازع اعتبر صلاح ورقة جهّزها نظام السيسي فــي ولمّعها، للتغطية عــلـى فشله وسوء إدارته للبلاد.

فلئن كان النظام بالفعل يحاول استغلال نجاحات صلاح، إلا أن أصحاب هذا الاتجاه فــي التناول بالغوا فــي الأمر عندما تجاهلوا أن اللاعب المصري لم تكتب له هذه الشهرة إلا بعد أن غادر بلاده التي لفَظَتْه فيها أنديةٌ عريقة، وحقق شهرته بالعرق والتعب، فلا مجال للقول أنه أحد أدوات النظام، بل هو مــن التعسف الواضح.

فهل وصول محمد صلاح إلــى هذه المكانة يضاف إلــى إنجازات السيسي؟

لا أرى أن هناك رابطًا أو صلة، فهو ضمن المواهب المهاجرة مــن مصر والدول العربية بصفة عامة، إلــى حيث الغرب الذي يهتم باحتضان هذه المواهب والثروات المُهدرة فــي أوطانها.

الشعب المصري يعيش حالة مــن اليأس والإحباط والقهر، واهتمامه الزائد بمحمد صلاح يعكس تطلعاته إلــى أي صورة مُبهجة تسكّن ألمه، ولو لم يجْنِ منها فائدة مادية، ومن حق هذا الشعب المقهور أن يفرح، فلا داعي لإقحام اللاعب فــي الشأن الـــسـيـاسـي.

لقد أُقحم صلاح رغما عنه فــي الشأن الـــسـيـاسـي بالفعل، عندما انطلق الإعلام المصري يُحذر مــن الاستقطاب الإخواني لصلاح، وجعلوا ينتقدون لِحْيتَه وسجودَه عقب تسجيل الأهداف، وزاد الإعلام مــن صيحاته التحذيرية، عندما أثنى الداعية الــســعــودي عــلـى اللاعب، باعتباره واجهة مشرفة للمسلمين فــي أوروبا، واعتبروا هذا الكلام مــن الداعية – الذي ينسبونه إلــى الإخوان – لونًا مــن ألوان الاستقطاب.

إذا خرجنا عـــن جغرافيا مصر، سنجد أن بعض الناشطين العرب ذهبوا بشأن محمد صلاح مذهبًا بعيدا، واعتبروا أن اهتمام الإنكليز به وتكريمه يدخل ضمن إنفاذ مخططات الغرب تجاه المسلمين والعرب، لإغراقهم فــي شؤون تلهيهم عـــن قضاياهم الأساسية، بل اعتبر البعض محمد صلاح جزءًا مــن النشاط الاستشراقي المعاصر، وعدّهُ آخرون عنصرًا مــن عناصر القوة الناعمة البريطانية.

أنا لا أنكر أن إلهاء الشعوب الإسلامية مطلبٌ غربي، لكن هذا الكلام أعتقد أنه قيل فــي غير مناسبته، فالجماهير الأوروبية لا يقل جنونها الكروي عـــن الجماهير العربية بل هو أشد، ولَعلّنا نطالع باستمرار أنباء المعارك الطاحنة بـيـن مشجعي الفرق الأوروبية المتنافسة، وكرة القدم أصبحت تجارة رابحة، وجزءًا أساسا فــي اقتصاديات الدول.

ومن ناحية أخرى فهناك العديد مــن اللاعبين المسلمين العرب فــي صفوف الأندية الأوروبية، لكنهم لم يحظوْا بهذا الاهتمام البريطاني والعالمي، فتكريم اللاعب والاحتفاء به جاء بسبب إنجازاته بدون شائبة تكلف.

وفـــي الجهة المقابلة، هناك مــن يتناول اللاعب المصري العالمي بصورة مُغالية، واهتمامٍ مبالغٌ فيه، وقاموا بتصويره عــلـى أنه مهدي الأمة المنتظر.

مــن أشد مـــا أدهشني فــي هذا المضمار، قول أحد الإعلاميين: «محمد صلاح جمع السنة والشيعة فــي عــلـى مقهى واحد»، ولست أدري مــن أين للإعلامي المصري صاحب هذا التصريح بتصنيف رواد المقاهي فــي لبنان ومعرفة هُوياتهم، لكنها لقطة درامية استهلاكية لتجسيد القوة الناعمة المصرية.

مـــا شاء الله، التقارب بـيـن السنة والشيعة الذي لم تُحققه المجامع والمؤتمرات وجهود العلماء والمفكرين، تُحققه أقدام اللاعب محمد صلاح، أي هراء هذا؟

ومما يثير الضحك حتى البكاء، تعويل بعض الطيبين عــلـى اللاعب محمد صلاح فــي نشر الإسلام فــي ربوع أوروبا، ويحضرني فــي ذلـك موقف طريف حدث لأحد الإسلاميين فــي مصر، عندما مر رجلان بجانبه، يقول أحدهما للآخر مُعرِّضًا بهذا الإسلامي: «محمد صلاح هو الذي سينشر الإسلام فــي أوروبا، وليس كمثل هؤلاء الذين يريدون نشره بالتفجيرات والإرهاب».

أنا لا أُقلّل قطعًا مــن دور الأخلاق فــي نشر الإسلام، ونعلم جميعا أن الإسلام انتشر فــي كثير مــن الـــبـلاد النائية عـــن طريق أخلاق التجار المسلمين، ولا أُقلّل مــن تأثُّر بعض البريطانيين بأخلاق محمد صلاح، لكن ينبغي ألا نضخم الأمر، فالإعجاب باللاعب ليس طريقا لأن يعتنق أهل بريطانيا الإسلام، فهم يعشقون أقدام صلاح وأهدافه بالدرجة الأولى، وهذا مـــا يهمهم.

هذا الكلام يجعلنا كمسلمين أضحوكة الـــعــالــم، فلو دخلوا الإسلام بسبب إنجازات محمد صلاح الكروية، فماذا سيفعلون لو أُقعِد بالإصابة أو انخفض مستواه أو اعتزل، هل سيرتدون عـــن الإسلام، مثلا؟

نحن بحاجة إلــى التعامل مـــع محمد صلاح وأمثاله مــن اللاعبين الناجحين بشيء مــن الهدوء والعقلانية، فليس محمد صلاح جزءًا مــن مؤامرة كونية عــلـى الإسلام والمُسلمين، وليس كذلك ممن سيُخلّصون الأمة مــن نكباتها أو سينهضون بها مــن التبعية إلــى السيادة، أو مــن الضعف والهوان إلــى العزّة والتمكين، بعضٌ مــن التعقّل، رحمنا ورحمكم الله..

هو لاعب مكافح مجتهد، متدين، متواضع، باذل للخير، يدخل الفرحة ليس فقط إلــى قلوب المصريين، وإنما إلــى كل مسلم وعربي، وهو بحق صورة مشرفة لنا جميعا، وهو فــي النهاية لاعب كرة.

وهي ذلـك الشيء المطاطي الذي يتنقل بـيـن أقدام شباب يرتدون زيًا موحدا، فــي مستطيل أخضر ليس مُفاعلا نوويا يحمل شعار بلد مُسلم، ولا مُختبرا علميا، وليس سفينة فضاء عربية الصُنع.

وليس حقلا للنفط يتم استخراج أسوده بأدوات أنتجتها سواعد أبناء البلد، وليس بئرًا للغاز تضجّ الكفاءات العربية والاسلامية فــي مراميه، وليس جامعة وصلت للعالمية بجهود الباحثين مــن المُسلمين.

وإن كان حُكّام الجَور والتبعية يصرفون الناس عـــن ملاحقتهم ونقدهم بتضخيم الأحداث لإلهاء الناس، كما قـــال المفكر محمد الغزالي، فأين دور المصلحين والناشطين والدعاة فــي توعية الناس بقضاياهم، ووضع الشخصيات أمثال محمد صلاح فــي موضعها الصحيح، فلا تقديس ولا تبخيس، بل التحذير مــن التلهّي بمثل هذه الشخصيات عـــن معالي الأمور وعظائمها؟

أنْ تَدَعُوا الناس لفرحتهم بمحمد صلاح مـــع التحذير والتنبيه ووضع الأمور فــي نِصابها، خيرٌ مــن الاصطدام بأحلامهم وسعادتهم بمن يحسبونه مُخلّص آخر الزمان أو المهدي المُنتظر..!

والله غالب عــلـى أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

* إحسان الفقيه كاتبة أردنية

بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر (الأسطورة «محمد صلاح»… الأمور فــي نِصابها) من موقع الخليج الجديد

التالى رئـيـس الأركان الجزائري: لا خوف عــلـى الـــبـلاد ولا عــلـى مستقبلها