قصة مدينتي «الفاشر أو فاشر السلطان»

قصة مدينتي «الفاشر أو فاشر السلطان»
قصة مدينتي «الفاشر أو فاشر السلطان»

على امتداد التاريخ الإنساني، قامت الكثير من المدن بصورة أو بأخرى؛ فهي إما أن تقوم عن طريق تمصيرها أي تصير مِصرًا، وإما أن يتخذها الإنسان مدينة، وإما أن تقوم على أنقاض مدينة أخرى سكنها البشر سابقًا، ولكن أن يقوم حيوان بتأسيس مدينة أو تحديد جغرافيتها، فهو الأمر الذي لم يحدث إلا في مدينة الفاشر، في غابر الأزمان فر ثور عن قطيعه وقادته حوافره إلى بقعة خصبة بها ماء وخضرة وجمال وعشب كثير، وهي لعمري غاية منى ثور مثله، وأقصى حتى من حدود أحلامه، وعندما بحث أصحابه عنه وجدوه في هذه البقعة، وهي ربوة مرتفعة عن الأرض، تتوسطها بحيرة تتجمع فيها مياه الأمطار، تعرف باسم «رهد تندلتي» وفي الحقيقة سيظل أصحاب الثور ممتنين له لأنهم ما إن وجدوا المنطقة حتى أعجبوا بها، وأخذت ألبابهم؛ فاتخذوها سكنًا لهم.

اختلف المؤرخون في أصل تسمية المدينة باسم «الفاشر»؛ ففي حين يرجع بعضهم الاسم إلى الثور، يتناول آخرون فرضية أخرى، مفادها ان المدينة استمدت اسمها من كونها عاصمة لسلطنة دارفور، وهي دولة قوية كانت تحكم هذا الجزء من قارة أفريقيا، حيث ينحدر سلاطينها من قبيلة «الفور»، وبلغتهم كلمة «فاشر» تعني عاصمة أو مقر الحكم، وفاشر السلطان أي عاصمته ومقر حكمه وملكه، وبها يقع قصر السلطان علي دينار ابن السلطان زكريا آخر سلاطين دارفور وأقواهم على الإطلاق.

تقع المدينة في غرب ، وتبعد حوالي 800 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم، في الجزء الذي بات يعرف اليوم بإقليم دارفور، تعانق المدينة بحدودها العديد من المدن الأخرى، وتعد المدينة مركز ثقل سياسي واجتماعي، إذ تعد عاصمة لولايات دارفور، وقد استمدت هذا الثقل من كونها عاصمة لسلطنة دارفور في السابق، وما زال حكامها يتمتعون بهذا الثقل السياسي، مستمدين قوتهم من ماضي المدينة العريق، مستلهمين قوة سلاطينها العظماء.

على مدى تاريخها الطويل، ارتبطت المدينة بالكثير من خيوط العلاقات الخارجية، إذ ربطتها علاقات سياسية ودبلوماسية بالعديد من الدول والإمبراطوريات التي حكمت أجزاء من العالم في ذلك الوقت، لعل أقواها كانت العلاقة التي جمعت السلطان علي دينار بالباب العالي في ، حيث مقر الخلافة الإسلامية، إذ كانت هناك مراسلات تتم بين سلطان دارفور ذي التوجه الإسلامي والخليفة العثماني، وبلغت قوة العلاقة بين الدولتين حدًا جعل سلطنة دارفور تنحاز إلى دول المحور في الحرب العالمية؛ مساندة بذلك دولة الخلافة الإسلامية التي اتخذت من ألمانيا حليفًا لها في الحرب، الأمر الذي أثر في حال السلطنة لاحقًا، وكانت سببًا مباشرًا في أن يفقد السلطان عرشه حين استولت الإمبراطورية البريطانية على السلطنة، وسقطت عاصمتها مدينة الفاشر، ولقي السلطان علي دينار حتفه شهيدًا في ميدان الجهاد المقدس.

كان للكعبة المشرفة نصيب من هذه العلاقات الخارجية، إذ كانت تسير المواكب والقوافل منطلقة من مدينة الفاشر صوب البيت الحرام، هذه القوافل التي يجهزها السلطان بنفسه كانت محملة بكسوة للكعبة، وذلك بعد أن تقاعست الدولة المصرية عن كسوة الكعبة نتيجة لظروفها الاقتصادية في ذلك الوقت، يحتوي موكب الكسوة، الذي كان يعرف باسم «المحمل» إضافة للكسوة على العطور، وريش النعام، والذهب، وأموال تستخدم لإعانة الحجيج وسقياهم، كما توجد آبار في الحجاز تعرف بآبار علي، أنشئت على طريق الحج، حيث أمر السلطان علي دينار بحفرها عند رحلته للحج.

تنصهر العناصر المكونة لإنسان مدينة الفاشر في بوتقة واحدة، حيث تتداخل القبائل وتتزاوج فيما بينها، مما خلف نسيجًا اجتماعيًّا قويًّا مدعمًا بكثرة الدماء التي تتجمع من مختلف القبائل لتكوين إنسان المدينة، فمن المألوف أن تجد دماء ثلاث، أو أربع، أو حتى خمس قبائل تجري في وريد إنسان واحد، وفي المحصلة أدى هذا المزيج الرائع إلى تشكيل مجتمع يتعايش فيما بينه؛ فنادرًا ما يلتقي شخصان من مدينة الفاشر في أي بقعة في العالم حتى يكتشفا صلة دم، أو نسب، أو تصاهر بينهما، مما جعلهم أسرة واحدة مختلفة اللهجات والسمات، متقاربة الطباع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (قصة مدينتي «الفاشر أو فاشر السلطان») من موقع (ساسة بوست)"

السابق نجوم الكرة يتعاطفون مـــع النجم صلاح
التالى الطائرات الورقية تحرق الغابات وقلوب المزارعين الإسرائيليين