أخبار عاجلة
فرار 10 مــن أعضاء البرلمان الخاضع للحوثيين -

"حياتنا المشتركة": مكانة المجتمع فــي الإنـســـان

الثلاثاء 1 مايو 2018 12:23 مساءً

- هل أسّس الفكر البشري للحياة المشتركة؟ إنه السؤال الذي حاول الإجابة عليه المفكر الفرنسي البلغاري الراحل تزفيتان تودوروف (1939-2017)، فــي كتابه " المشتركة" الذي صدرت مؤخراً ترجمته للعربية عـــن "دار نينوى" وأنجزها . إنه بحث فــي تلك العلاقة بـيـن الأنا والآخر، بـيـن الإنـســـان وأقرانه، بـيـن الذات والمجتمع.

منذ المقدمة، يوضّح المؤلف رغبته فــي مقاربة الموضوعة مــن حقل الأنثروبولوجيا، التي يراها تختص بدراسة المجتمعات وثقافتها، والتي تدل بمعناها الحرفي عـــن "معرفة الإنـســـان"، فيكتب موضحاً فــي هذا الصدد: "يعد ، الممتد عــلـى هذه الصورة، حقلاً واسعاً. وإني أرغب الآن فــي أن أتجه نحو جزء واحد مــن أجزائه؛ ليس معالجة مكانة الإنـســـان فــي المجتمع، كما نفعل ذلـك عادة، بل عكس ذلـك، معالجة مكانة المجتمع فــي الإنـســـان".

فــي نظرة سريعة إلــى التاريخ الإنساني، يستخلص تودوروف بأن التيارات الكبرى للفكر التي اهتمت بتعريف مـــا هو إنساني، تتناقض فــي التعامل مـــع سؤال العلاقة بـيـن الإنـســـان والآخر، ويميّز بـيـن تيارين أساسيين يطلق عــلـى الأول مسمّى تيار "التقاليد الاجتماعية"، أما التيار الثاني فهو تيار "الاكتشاف بالآخر".

الأول هو التيار الذي يهمل العلاقة بـيـن الإنـســـان والآخر، ولا يهتم بالبعد الاجتماعي، أو العيش المشترك، بل عــلـى العكس، تأتي الخلاصة لصالح مقولات مثل "إن معاشرة البشر الآخرين تعدّ حِملاً"، "يجب عــلـى المرء أن يحاول التخلص مــن الآخرين" ، "الحكيم يتوق إلــى التقشف والاكتفاء الذاتي"، أو "الإنـســـان ذئب بالنسبة إلــى الإنـســـان".

كذلك كان المفكر الفرنسي فرانسوا دي مونتاني (1533-1592) يقدم النصيحة إلــى أقرانه، فيكتب : "فلتكن موافقتنا منوطة بنا فقط، ولنتخلص مــن كل الارتباطات التي تربطنا بالآخر، ولنحمل عــلـى عاتقنا القدرة عــلـى العيش وحدنا بدراية، وأن نعيش كما يحلو لنا". مما يعني أن مونتاني يؤيد، بل يجد مــن المحمود، أن يتحرّر الفرد مــن العلاقات مـــع الكائنات الإنـســانـيـة الأخرى.

ضمن تيار "التقاليد الاجتماعية"، يصنف  أيضاً مـــا قدمه لاروشفوكو (1613 - 1680) حين كتب: "لن يعيش البشر طويلاً فــي مجتمع، إذا لم يكن بعضهم خديعة الآخر"، وكذلك عبارة بليز باسكال (1623 - 1662): "إن الوحدة لا تقوم بـيـن البشر إلا عــلـى أساس الغش المتبادل". وضمن ذات السياق يتعجب الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبس (1588 - 1679) متسائلاً: "لماذا يختار البشر العيش فــي مجتمع؟" وكذلك يتساءل الفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور (1788 - 1860): "مــن أين تأتي الحاجة إلــى مجتمع؟".

نجد تقريباً التصوّر نفسه عـــن علاقة الإنـســـان بالآخر عند كانط (1724-1804)، والذي تبعاً له، فإن المنافسة الجوهرية للنوع الإنساني تكمن فــي "عدم اجتماعية نزعته الاجتماعية"، وفـــي ميوله المتناقضة فــي البحث وفـــي الهروب مــن المجتمع. يرى كانط أن منظور الفرد يفرض عليه رؤية الآخرين كمنافسين أو كعقبات فــي طريق صعوده، وإنه ليتمنى إذاً اختفاءهم.

نيتشه (1844-1900) الذي غالباً مـــا كان ناقداً لمفكري القرنين السابع عشر والثامن عشر، يتفق فــي هذه النقطة مـــع تصوّر أسلافه عـــن مفهوم الحياة المشتركة. إن النموذج الذي يقدمه نيتشه، أي "الإنـســـان الأسمى" هو كائن يتطلع بدوره إلــى العزلة أو التوحّد. فعوضاً عـــن حب الذات أو الأنانية لدى لاروشفوكو، يبتكر نيتشه "إرادة القوة"، فيكتب فــي هذا الصدد: "إني لأتصور أن أي جسد خـــاص يتطلع لكي يصبح سيد المكان كله، كما يتطلع إلــى توسيع إرادة القوة عنده، وإلى إقصاء كل مـــا يقاوم توسّعه. ولكنه عــلـى الفور سيقع تحت تأثير تطلعات مماثلة لأجساد أخرى".

"
يذهب تودروف فــي كتابه إلــى معالجة مكانة المجتمع فــي الإنـســـان
"

أما بخصوص تيار "الاكتشاف بالآخر"، فيبدأ تودوروف حديثه بالفلاسفة اليونان الذين أكدوا بأن الإنـســـان هو حيوان اجتماعي، ومنهم أرسطو حين يقول: "يشتمل الخير بالنسبة إلينا عــلـى علاقة مـــع الآخر"، هنا تصبح الصداقة بـيـن الإنـســـان والآخر استحقاقاً وليس حاجة.

تحضر لأرسطو أيضاً فــي التأسيس لمفهوم الحياة المشتركة عبارته الشهيرة: "إن الإنـســـان الذي لا يقوى أن يكون عضواً فــي مجتمع، أو الذي لا يجد الحاجة إلــى ذلـك مطلقاً لأنه يكفي ذاته بذاته، فإنه لا يعدّ جزءاً مــن الـــمــديـنـة، وهو بالنتيجة إما بهيمة أو إله".

أما شيشرون الروماني (106 ق.م. - 43 ق.م.)، فهو يقيم بيّنته بهذا الشأن عــلـى أساس "الفضيلة"، فيكتب: "لقد أعطتنا الطبيعة الصداقة لكي يسمح للفضيلة التي لا يمكن أن تكون كاملة عند إنسان واحد، أن تشترك مـــع الآخر وأن تميل نحو الكمال".

وفـــي كتابه "خطاب حول أصل اللامساواة"، يرصد تودوروف جان جاك روسو كأول مــن وضع تصوراً جديداً للإنسان بوصفه كائناً "يحتاج إلــى الآخرين"، وذلك فــي منتصف القرن الثامن عشر، فيقرأ فــي كتابه المذكور: "يعيش المتوحد فــي ذاته، وأما الإنـســـان الإجتماعي فهو الإنـســـان الحق، الذي لا يعرف العيش إلا مــن خلال رأي الآخرين. وإنه يستخلص مــن حكمهم فقط الإحساس بوجوده".

وفـــي ذات الكتاب يميّز روسو اصطلاحياً بـيـن "حب الذات" و"احترام الذات"، ومفهوم "حب الذات" بالنسبة لروسو له حمولة إيجابية: إنه يمثل غريزة البقاء البسيطة، وهي غريزة ضرورية لكل كائن. وأما المفهوم الثاني، فيراه روسو سلبياً: إنه شعور لا يوجد إلا فــي المجتمع، ويقضي بمقارنتنا مـــع الآخرين، والحكم علينا بوصفنا أعلى منهم، والرغبة فــي جعلهم أدنى مــنّا.

فــي عام 1759، وجد الـــعــالــم الاقتصادي الإنكليزي آدم سميث فــي كتابات روسو مـــا هيأ له لنشر كتابه "نظرية الأحاسيس الأخلاقية"، الذي دافع فيه عـــن الحياة المشتركة بالقول: "إن الأكثر كثافة مــن بـيـن الملذات، هي تلك التي نستخلصها مــن نظرة معيّنة يلقيها الآخرون علينا، فالطبيعة حين صاغت الإنـســـان مــن أجل المجتمع، علمته أن يجد لذته وألمه فــي نظرات الآخر".

وبرأي كل مــن جان جاك روسو وآدم سميث، فإن أي حكم يقيمه الوعي لا بد أن يستند للإحالة إلــى القيم. هذه القيم كما الأخلاق والجمال، لا يمكن أن تولد إلا عبر العيش فــي مجتمع.

مــن هذه المقولات يستخلص تودوروف أن الإنـســـان لا يستطيع أن يصدر حكماً عــلـى نفسه إلا عبر الخروج مــن الذات، والنظر إلــى الذات مــن خلال عيون الآخرين، يكتب هنا: "فإذا أنشأنا إنساناً فــي عزلة، فإنه لن يستطيع أن يصدر حكماً عــلـى شيء، ولا حتى عــلـى نفسه، ستنقصه مرآة لكي يرى نفسه".

هذه المرآة التي يحتاجها كل إنسان لكي يدرك ذاته، ليست سوى التمثل الداخلي للآخر فــي نفوسنا، ويطلق عليه تودوروف، اسم "الوعي". فالوعي فــي نظره ليس إلا الآخر معمّمـــاً، والوعي هو نظرة الآخرين فــي داخل كل منا. ويتعلق سلوكنا بحكم هذا الآخر المعمم، فــي التحليل الأخير.

إذاً يتفق تودوروف مـــع مصطلحات الفيلسوف الألماني هيغل (1770 - 1831) الذي يميز بـيـن الحيوان والإنسان مبيناً أن الحيوان يتصرف باسم غريزة البقاء، محاولاً الاستحواذ عــلـى الأشياء التي تعد ضرورية بالنسبة له، كالغذاء أو إبعاد عقبات المنافسين. أما الإنـســـان، فيفعل مـــا يفعله الحيوان، ولكنه لا يكتفي به، فهو يتطلع إلــى الاعتراف بقيمته، التي لا يمكن أن تأتي إلا مــن نظرة الآخر.

هذه العلاقة المتبادلة بـيـن الإنـســـان والآخر، سواءً تحت مسمى "التقدير المتبادل" كما عند روسو، أو "الانتباه المتبادل" كما عند آدم سميث، أو المصطلح الذي يميز رؤية هيغل وهو "الاعتراف"، تؤكّد عــلـى الحاجة بـيـن الذات والمجتمع والتي يعمل كتاب تودوروف عــلـى إضاءتها مــن خلال مسارات العلوم الإنـســانـيـة ومسارات الفلسفة وعلم النفس، فيمضي المؤلف فــي إنارة ثناياها.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر ("حياتنا المشتركة": مكانة المجتمع فــي الإنـســـان) من موقع (العربي الجديد)"

السابق عمال الـــعــالــم يتظاهرون يوم عيدهم للمطالبة بحقوقهم
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات