«ساسة بوست» في اللاذقية: هنا معقل طائفة بشار الأسد

مع حلول الساعة الثانية عشرة ليلًا، ووسط أجواء يسودها القلق في العاصمة اللبنانية، ووجوهٍ تترقَّب المستقبل المجهول لما ستؤول إليه الأوضاع، بعدما استيقظوا على الضربة الغربية تجاه أهداف عسكرية لنظام بشار الأسد، انطلقت السيارة الخاصة، من موقف البوري بوسط بيروت، رفقة مُحرر «ساسة بوست»، مُصطحبًا مرافقةً سورية تسكُن مدينة اللاذقية السورية، مقابل 100 دولار، نظير توصيلهم إلى المدينة الساحلية، التي ذاع صيتها واجهة لاستقبال السياح قبل الانتفاضة السورية.

عند موقف السيارات الخاصة بالسفر من بيروت إلى سوريا، يُتاح للمسافر السفر بسيارة خاصة مقابل أجر يتراوح بين 100 إلى 150 دولارًا، أو السفر في سيارة مع مجموعة أفراد مقابل 30 دولارًا للفرد.

الطريق إلى اللاذقية.. بيروت باب العبور

أخذت السيارة مسارها الطبيعيّ عبر المرور على أكثر من مدينةٍ لبنانية، كان من بينهم مدينة ، قبل أن تبدأ الدخول نحو الحدود السورية بالمرور على مدينة طرطوس؛ تليها بانياس، وجبلة، انتهاءً بمدينة اللاذقية. قطع سائق السيارة، الذي تنتمي أصوله لمدينة اللاذقية، مسافة تُقدر بنحو 183 كم، على مدار ساعتين ونصف، وهو الوقت الذي زاد عن الزمن الطبيعيّ للرحلة بنحو نصف ساعة أو ساعة لظروف السفر ليلًا، والحذر في القيادة على خلفية القلق من تداعيات الضربة السورية التي سبقت الرحلة بيومٍ واحد.

بطول الطريق الممتد داخل المدن اللبنانية؛ لم يستوقف سائق السيارة أي قوة أمنية لبنانية، أو حواجز تعترض سير السيارة، وبدأت أولى الوحدات العسكرية تظهر مع الاقتراب إلى الحدود اللبنانية السورية، وصولًا إلى معبر العريضة الواقع بين مدينتي طرابلس وطرطوس.

عند المعبر؛ بدأت أولى نقاط التفتيش المتركز فيها ضابطان سوريا وبضع جنود، اطلعا على الباسبور، والتأشيرات المطلوبة، في غضون 10 دقائق، قبل أن يسمح لسائق السيارة بالمرور، وهو المشهد الذي تكرَّر 10 مرات عند نقاط تفتيش وحواجز عسكرية، من بداية معبر العريضة السورية إلى اللاذقية. يسألون فيها عن الوثائق والأمتعة. تحايل السائق في بعض النقاط بدفع بعض النقود للضباط لتسهيل مرورنا؛ دون قيود أو تعطيلنا.

بطول هذا الطريق المعبّد؛ يأخذ انتباه الراكب غياب القوافل العسكرية، واقتصار الأمر على نقاط عسكرية محدودة القوة والعدد، ولافتات وصور وشعارات تؤيد الجيش السوري والرئيس السوري، بشّار الأسد وحلفاءه، في الصراع الراهن. على خلاف الشعور العام بالقلق، وحدَّة المعارك والتفجيرات والقصف التي تحمله الأخبار إلى المواطن؛ كانت المرافقة السورية المنتمية للطائفة العلوية القادمة من رحلة سياحية ببيروت، يسيطر عليها شعورٌ بالاستقرار النفسيّ من جراء عودتها إلى عائلتها. تقول مع بداية دخول السيارة الحدود السورية: «كان لدي شعور بأنني راجعة خلاص، والحياة عظيمة، عايشة باللاذقية، مدينة كتير حلوة، ماصار فيها مشاكل، فيه شهداء كتير من عندنا من القوات السورية، والأسعار ارتفعت بشكل كبير، أنا شغالة موظفة حكومية، وكمان عندي مكتب هندسي خاص».

تُفضِّل المُرافقة السورية وعشرات السوريين الذاهبون إلى المدن السورية الآمنة، كدمشق واللاذقية، الذهاب إليها عبر الطريق البريّ من بيروت، بدلًا من الذهاب إلى دمشق؛ نظرًا للصعوبات الأمنية الكبيرة من المرور في مطار دمشق، فضلًا عن توقيف أغلب مطارات أوروبا رحلاتها إلى دمشق.

وصلت السيَّارة اللاذقية في الساعات الأولى لصباح يوم الجمعة، وهو أحد أيام العطلة الأسبوعية للعاملين في القطاعات الحكومية والخاصة، ممن ينتهزون الفرصة في التنزه أو الخروج إلى أحد حانات المنطقة القليلة، على خلاف دمشق وحلب التى تكثُر فيها أماكن السهر. يقول مواطن سوري: «نحاول الاستمرار في حياتنا، هذا التأقلم لا يعني القبول بالحياة».

من اللاذقية: طائفة «الأسد» تحت الحماية الروسية

لا يلفت نظر السائر في شوارع المدينة، التي تتكون من حوالي 50% علويين، و40% سنّة، و10% مسيحيين، معظمهم من الطائفة الأرثوذكسية، سوى صور بشار الأسد ووالده على أغلب البنايات الشاهقة بوسط المدينة، ورسم لألوان العلم السوري مطبوعة على جانبي الرصيف لأغلب الطرق الداخلية.

لاتبدو مشاكل سكّان المدينة كبيرة بالنظر إلى ما يعيشه سكّان آخرون في مناطق لا تبعد عنهم بضعة كيلومترات، من ويلات حربٍ مفتوحة، (س.ص) مواطن سوري مسيحي، يعمل موظفًا حكوميًّا بأجر شهري نحو 90 دولارًا، ويعيش في مدينة جبلة، التي تبعد 25 كيلومترًا عن اللاذقية، يقول: «ما عندنا زي ومصر نحكي عن السيسي والحريري. مفيش راحة أنك بتحكي عن الرئيس أو عائلته. احنا هنا عايشين كل الطوائف».

يضيف: «فيه طوائف كتير تعيش في اللاذقية الطائفة العلوية– الطائفة السنية– فيه شيعة– فيه مسيحية بكل الأنواع أرثوذكس– مارونية– الأسعار هنا أرخص من أي مكان في سوريا، على الرغم من أنها تضاعفت بعد الأزمة 10 أضعاف».

يجد المتجوِّل في اللاذقية صعوبة كبيرة لدرجة الاستحالة في استنطاق مواطنين داخل المدينة عن أوضاعهم، أو آرائهم في الأزمة السورية. يرفض الكثيرون الحديث، ويغادرون على الفور بمجرد استدعاء سيرة بشار الأسد في الحديث، حتى لو كانت بصورة إيجابية.

تنتشر بشوارع المدينة فروعٌ لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومكاتب للاتحاد النسائي السوري، تزينها صور لبشار الأسد أعلى هذه المكاتب، التي تنشط فيها الندوات الداعمة للنظام، وتُسهب في الحديث عن تضليل الإعلام الخارجي للأحداث في سوريا. كان واحدًا من هذه الأنشطة تنظيم زيارة، في 17 أبريل (نيسان) الجاري، من جانب أمين فرع الحزب باللاذقية الدكتور محمد شريتح، وعددٌ من أعضاء الحزب رفقة محافظ اللاذقية إبراهيم خضر السالم، لضريح الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، ووضع أكاليل الزهور. بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لعيد الجلاء المجيد.

وباتت اللاذقية موطنًا منيعًا لبشار الأسد، الذي انتقل إليها في يوليو (تموز) عام 2012، بعد الهجوم على مبنى الأمن القومي في دمشق، الذي أودى بحياة ثلاثة من الدائرة المقربة منه، ليدير من هناك ما وصفته وكالة رويترز بـ«عمليات الرد» على مقتل أربعة من كبار القيادات الأمنية وأركان نظامه.

أغلب من تحدثوا لـ«ساسة بوست» اشترطوا عدم الكشف عن هوياتهم، أو الإشارة لأيّ شيء يُستدل من خلاله على هويتهم، وذلك بعدما توسط عدد من الأصدقاء السوريين لنا عندهم كوسيلة لتخفيف بعض من قلقهم.

يُثير انتشار عشرات الجنود الروس التي ترتأيها أعين المواطنين في الشوارع أثناء ذهابهم إلى العمل يوميًّا تساؤلات كثيرة عن أسباب انتشار هذه الجنود في الشوارع بهذه الأعداد الكبيرة، ووجودها وجودًا مرئيًّا للمارة في الشارع. يقول مواطن سوري، منتمٍ إلى الطائفة العلوية، ممن أُتيح لأحد أعمامه وظيفة العمل مستشارًا للقوات الروسية؛ بفضل إجادته للغة الروسية: «إن القوات الروسية موجودة منذ سنوات». يميل المواطن السوري المنتمي إلى الطائفة العلوية إلى تفضيل وجود هذه القوات، مبررًا: «الوجود الروسي محبوبٌ من العلويين والشيعة، ومكروهٌ من السنّة. ناس منظمين، وبيشتغلوا صح، وأنقذوا اللاذقية، لولا تدخلهم بآخر وقت؛ ما كان باللاذقية زي باقي المحافظات – محدش يعرف كيف بيشتغلوا؛ عندهم سرية تامة. لكن كل الشعب بيشوف القوات الروسية في الشوارع».

لا شيء أدلّ على الوجود الروسيّ المستقر في اللاذقية سوى القوائم المُعدَّة بالأطعمة الروسية التي أدخلتها أغلب محلات المدينة السورية على منتجاتها المعروضة، يقول أحد العاملين في هذه المجال: «كُلّ المحلات القريبة في مدينة جبلة؛ عملوا مينيو روسي علشان الوجود الروسي. الموضوع كمان له بعد إيجابي أنه زود من حركة البيع والشراء؛ التي تأثرت كثيرًا بسبب الأزمة المالية، التي انعكست على قيمة أجور الموظفين بعد الانخفاضات الكبيرة في الليرة».

ويُفسر الوجود الروسي المتزايد في مدينة اللاذقية وطرطوس التي تبعد عنها بضع كيلومترات على خلاف مدن كحلب ودمشق، ما يعتقده فابريس بالونش، مدير الأبحاث في «جامعة ليون 2»، وزميل زائر في معهد ، حول كون تسعى إلى الحفاظ على وجودٍ لها على طول الساحل، أكثر مما تريد من دمشق أو مرتفعات الجولان. ولتحقيق هذه الغاية، ما تزال البحرية الروسية تحتفظ بقاعدتها في طرطوس، وتخطط لإعادة بناء قاعدة الغواصات السوفيتية السابقة في جبلة، التي تبعد نحو 32 كيلومترًا جنوب اللاذقية».

لا يبدو بشار الأسد لبعض المنتمين للطائفة العلوية مُنزهًا من الانتقاد في بعض سياساته، حسب شهادات جمعها مُحرر «ساسة بوست» من أكثر من منتسب إلى الطائفة، بينما والده حافظ الأسد هو من تمتَّع بحصانة من كُل من تحدثنا إليهم. تقول إحدى المنتسبات إلى الطائفة: «الرئيس السوري لا شك أفضل خيار من أي جماعات جهادية، أو تنظيمات مُسلحة. نعم؛ هناك شبه اتفاق بيننا أنه وقع في عدد من الأخطاء، منها عدم إتاحة هامش من الحرية؛ لكن والده ما نقدر نقول حاجة عليه. كان زعيمًا حقيقيًّا».

يعمل أغلب المنتمين إلى طائفة بشار الأسد في وظائف حكومية بعدد من الدواوين، والمكاتب لدوام يومي يصل إلى ست ساعات، يقول أحد المنتسبين إلى الطائفة العلوية: «أعمل مهندسًا بمكتب حكومي يتبع وزارة الاتصالات والتكنولوجيا السورية بمقابل مادى يصل إلى 150 دولارًا شهريًّا؛ لكن العمل الحكومى يكون مُريحًا. بروح أقعد كام ساعة؛ وأروَّح».

يضيف: «أغلب العاملين في وظائف حكومية لهم مكاتبهم الخاصة اللي بيستفيدوا من عملهم الحكومي في تسيير أعمالهم الخاصة»، موضحًا أن الطائفة العلوية تؤيِّد الأسد على الرغم من بعض الانتقادات لسياساته، وتمييز بعض أقاربه من عائلته هنا في اللاذقية.

يبرر هذا الدعم بقوله: «رجل وطني، قومي وعروبي؛ حمى البلاد من التفتيت والانقسام كما وقع للعراق». ويضيف أن بديل بشار هي «الجماعات الإرهابية» التي حاولت بدعمٍ مالي ودولي حُكم سوريا. يتمايز أقارب الرئيس السوري، المنتسبون لعائلة «الأسد» في الكثير من الامتيازات، والتسهيلات، والحصانة القانونية عن المنتسبين للطوائف الأخرى، بما فيهم طائفته العلوية، يشرح ذلك أحد الوجوه البارزة في الطائفة العلوية: «تنتشر الأحاديث الهامسة بين سكان اللاذقية حول واقعة اعتداء كُل من طارق بديع الأسد وشقيقه بشار بديع الأسد، وباسل غياث الأسد، على مواطن منتسب للطائفة العلوية (مجد الراعي) بعدما نشبت مشادة مع نجل طارق بديع الأسد؛ والتي تطورت حتى تحرك أقارب الأسد بمئات الأسلحة، وقوات عسكرية، وأفتكوه ضربًا هو وشقيقه الذي يعمل عسكريًّا.

لم يكن أمام المواطن مجدي الداعم للنظام الحاكم سوى مخاطبة عدد من الجهات الحكومية، وإرسال شكوى إلى بشار الأسد، وماهر الأسد، مغدقًا الثناء عليهما. ترمُز الواقعة المنتشرة بين سكان المدينة عن وقائع التمييز لأقارب الرئيس السوري عن ملمح عام حول الأفضلية الاجتماعية والقانونية لأقارب الرئيس، الذين تتنوع وظائفهم بين رجال أعمال، أو رؤساء مكاتب حكومية.

ينتشر بين شوارع مدينة اللاذقية شبان سوريون بثيابٍ مدنية. يتقدمون دفعة واحدة لسؤال أي شخص غريب عن أسباب قدومه، والاستفسار عن سبب وجوده. يقدِّمون أنفسهم بأنهم «مواطنون فدائيون من اللجان الشعبية»، ويتجنب هؤلاء الشباب التصوير لأسباب فسروها «بالمخاوف من استهدافهم من جانب المعارضة التي تنشر صورهم على «فيسبوك».

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر («ساسة بوست» في اللاذقية: هنا معقل طائفة بشار الأسد) من موقع (ساسة بوست)"

السابق مــن حسني مبارك الى الشيخ عبد الفتاح مورو.. فشل الحاكم المسؤول… ودوره فــي الدولة
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات