أخبار عاجلة

ابراهيم حياني التزروتي: تجار السلطان.. حكاية قرون مــن زواج المال بالسلطة فــي المغرب

ابراهيم حياني التزروتي: تجار السلطان.. حكاية قرون مــن زواج المال بالسلطة فــي المغرب
ابراهيم حياني التزروتي: تجار السلطان.. حكاية قرون مــن زواج المال بالسلطة فــي المغرب

الثلاثاء 1 مايو 2018 02:15 مساءً

-   ابراهيم حياني التزروتي مـــا اجتمع المال بالسلطة إلا وكـــان الشيطان ثالثهما. هي قاعدة و-شبه حتمية- رياضية تحكم وتتحكم فــي منطق إدارة معظم دول الـــعــالــم. لكن الفارق الوحيد بـيـن دول وأخرى هو أن “الشيطان يعمل وفق ضوابط وقوانين تؤطر عمله  فــي الدول التي تدار بشكل سليم، بينما هنا فهو الآمر الناهي  والكل فــي الكل فــي دولة السيبة كحالتنا فــي هذا البلد السعيد. ففي رصد تاريخي موجز ومبسط لعلاقة أرباب المال بالسلطة السياسية بالمغرب سنجد أنها ليست وليدة اليوم فقط، بل منذ تأسيس الدولة المغربية والحالة دائما موجودة، اختلف فقط المضمون والسياق، إذ دائما مـــا كان هناك مـــا يشبه علاقة “زواج متعة” بـيـن كــبـار التجار والملاك وبين نظام الحكم المتمثل فــي السلطة المخزنية بالمغرب. صحيح أن ظاهرة العائلات الكبرى المالكة لكبريات الشركات والمجموعات الاقتصادية فــي البلد ليست فــي حد ذاتها خصوصية مغربية. لكن مـــا يميز هذه المنظومة فــي هو كون هيمنة العائلة والنسب كثقافة معمول بها ومسلم بها يعد مــن بديهيات ممارسة الحكم وإدارة الدولة.  حيث كان لاقتصار المخزن المغربي لفترة طويلة عــلـى تنظيم إداري بدائي لم يشمل التطور به مضمونه وعمقه الداخلي، أن جعل مــن العائلات الكبرى مؤسسات حقيقية للسلطة وأصبحت “الهبة” و”الحظوة” السلطانية والتوريث داخل المجموعة العائلية يحل محل ممارسة التكوين والاستحقاق والتنافس الحر وفق قواعد وقوانين تسري عــلـى الجميع. فثراء و تغول الكثير مــن العائلات اليوم تحقق بالأساس بفضل نظام الهبات و العطايا نظير الولاء للسلطة ولنظام الحكم، وهو نظام كان دائما مــن أسس وملازمات تدبير الحكم وإدارة الدولة والرعايا فــي البلد. فالظاهرة ليست وليدة الفترة الراهنة إذا بقدر مـــا تعود بنا إلــى البدايات الأولى لتشكل الدولة فــي المغرب أي منذ عصر الأدارسة، (وحتى مـــع بعض التي حكمت مناطق مــن المغرب لكن كانت فــي شكل قبلي بدل العائلة الصغيرة)، حيث كانت تعد بمثابة آلية مــن السلطة لضمان الولاء والدعم وتشكيل شبكة ودرع مــن الحماية ضد أي تمرد ضد نظام الحكم. لكن المرحلة المفصلية لهذه الفئة هي القرن التاسع عشر وذلك عندما تحولت مـــديـنـة فاس مــن مركز ديني ثقافي اكتفى فيه “فّاسة” خـــاصـــة الشرفاء منهم، بالاعتماد عــلـى مزاولة الحرف واستغلال وظائفهم الدينية، إلــى عاصمة تجارية تشهد ازدهارا ماليا كبيرا، حيث اتسع نفوذ وحجم تأثير هذه العائلات داخل المنظومة، و أصبح عـــدد مــن التجار القريبين مــن السلطة والذين يستفيدون وتجمعهم علاقة “حظوة” بها، ينعتون بــ«تجار السلطان»، فظهرت بذلك عائلات جديدة مــن التجار مــن هذا الصنف أمثال “بنجلون” و”بن سليمان” و”بناني” “ينكيران” “بنزاكين” و”أل الفاسي الفهري” و”القباج”…وغيرهم. مـــا ميز هذا النوع مــن  العائلات هي أنها ترتبط ببناء شبكة مــن الارتباطات، حيث يتم نسج أنماط مختلفة مــن الروابط والعلاقات مـــع عائلات متحالفة قصد الاستفادة والاستغلال الأمثل لإمكانية الوجاهة والسلطة: علاقات زواج ومصاهرة، علاقات صحبة وعلاقات زبونية، ومن المفيد للتاجر أن يرتبط بعالم فقيه أو شريف والعكس صحيح. إنه تبادل امتيازات، فالوجاهة الدينية تتحول إلــى ثروة وغنى مادي والثروة المادية تحصل عــلـى شرعية رمزية مضافة. هذا الأمر أدى بعد ذلـك لتشكل حلف أوليغارشي مكون مــن شبكة مــن العائلات الفاسية بالخصوص والتي أقامت تحالفا غير معلن مـــع المخزن، الأخير الذي جعلهم  يشكلون طبقة واحدة تتحكم فــي السياسة والاقتصاد، خـــاصـــة وأن خلال هذه الفترة بالذات تمكنت طبقة التجار مــن إزاحة الارستقراطية الدينية مــن صناعة القرار الـــسـيـاسـي والتأثير فــي قرارات السلطان، ليحل بذلك لأول مرة فــي تاريخ المغرب منطق المال والسوق بدلا عـــن منطق الفتوى والحلال والحرام. لكن كان أخطر مـــا فــي هذه العملية أن المخزن لم يتمكن منذ ذلـك التاريخ مــن ضبط والتحكم فــي ذلـك التغول لهذه الفئة، بل الأكثر مــن ذلـك أصبحت تشكل تهديدا حقيقيا لسلطته ونظام حكمه، بعدما كان مفترضا أن تكون حامية له. إذ أن هذه الأوليغارشية سرعان مـــا خرجت مــن جبة وطوع المخزن لتجد ضالتها فــي الحماية الأجنبية عبر مـــا سمي ب “الحماية القنصلية” وهي آلية كانت اتخذتها العديد مــن النخب باستمالة وتشجيع مــن الدول الاستعمارية وذلك بما يجعلها غير خاضعة لقانون الدولة المغربية أو لحكم السلطان داخلها. وقد شكل ذلـك أكبر الضربات التي أدت بتعجيل تفكك وإضعاف الدولة مـــا أدى لخضوع البلد للحماية الفرنسية كنتيجة لذلك،  ذلـك أن انتهازية وبرغماتية نخبة كــبـار التجار جعلهم يفضلون الآخر الأجنبي عــلـى الدولة مادام ذلـك يعني الحفاظ عــلـى مصالحهم ومكاسبهم التجارية. لكن عــلـى الجانب الآخر لابد مــن الإشارة أن بعض العائلات التي لم تحظى بالحماية الأجنبية تلك والتي كانت لها مواقف مناوئة مــن السلطان فقد تعرضت لعملية “التتريك” وانتزاع كل أملاكها وتوقيف أعمالها مـــع تعريض أصحابها للنفي أو السجن كمثال عائلة “الجامعي” و”اباحماد” و”الكتاني” وغيرهم.. دخول لم يغير الأمر كثيرا، بل بالعكس مــن ذلـك سرعان مــن انبرى العديد مــن رجـــال التجارة للارتماء فــي الحضن الفرنسي، إذ أن شخصيات تجارية كبيرة ساعدت فــي تمكين فرنسا مــن الاستغلال الاقتصادي للبلد مقابل الإبقاء عــلـى مـــا تبقى مــن مصالح تلك الفئة، غير أن المستجد هو دخول بعض الأسماء ذات الأصل الجغرافي الجديد عــلـى الخط، خـــاصـــة مــن سوس ومنطقة الشرق…حيث بدأت تظهر شيئا فشيء بوادر نخبة اقتصادية جديدة . إذ كان للهجرات التي أحدثها الاستعمار داخل البنيات الاقتصادية و الاجتماعية المغربية  جعلت النخبة السوسية تكتسي طابعا متميزا و تتحرك وفق منطق خـــاص يقوم بالأساس عــلـى تنقل اقتصادي و بشري منظم، ويعتبر كل مــن نموذج “أخنوش” و”الشعبي ” و”الصويري” زغيرهم…،أمثلة حية لوصول النخبة المنحدرة مــن هذه المنطقة إلــى مصافي العائلات المخزنية الكبرى بالمغرب. وقد ساعدت ظروف الـــحــرب عــلـى إحداث نقلة نوعية للسوسيين. مــن التجارات الصغيرة إلــى تجارة الجملة خـــاصـــة بعد أن غادر اليهود المغرب وخلفوهم عــلـى رأس تجارة الجملة . لكن جشع الرأسماليين الفرنسيين وسنهم قوانين تحد مــن تحرك التجار والاقتصاديين المغاربة دفع بهم إلــى الارتماء مرة أخرى إلــى جانب الـــمــقــاومــة والحركة الوطنية وذلك أملا للدفاع عــلـى مـــا تبقى أيضا مــن مصالحها التجارية، وتبقى السمة الأبرز خلال هذه المرحلة هي دخول الرأسمال السوسي عــلـى الخط بقوة، وفـــي منافسة شرسة للتجار الفاسيين. و كان ولوج النخبة السوسية لعالم السياسة خلال فترة الحماية وفترة مـــا بعد الاستقلال أحد أكبر المنافذ للوصول إلــى القمة حيث لم تكن الثروة وحدها كافية للدفاع عـــن مصالح هذه الفئة دون وجود سند كاف ضامن وداعم لاستمراريتها، وهذا السند لم يكن سوى الانخراط فــي العمل الـــسـيـاسـي وقد كان حزب الاستقلال هو البداية الفعلية لذلك، حيث كان الحاج أحمد التفراوتي الذي سيعرف بعد ذلـك ب “أخنوش” مــن أبرز الأسماء السوسية التي ستكون لها بصمة قوية ومؤثرة فــي المجال الـــسـيـاسـي خلال تلك الفترة. وبما أن مرحلة الاستقلال كانت مرحلة انتقالية ولحظة مفصلية، فقد كانت تتطلب جهودا ضخمة لإعادة بناء الدولة، وهو الأمر الذي شكل فرصة سانحة لكبار التجار للمساهمة والاستثمار أملا فــي استغلال الفرصة مـــا أمكن، خـــاصـــة وأن القلاقل التي ميزت المرحلة وتزايد الدعاوي مــن اليسار بالخصوص بتقييد حركة الرأسمال الأجنبي وتأميم المشاريع الحيوية فــي البلد فذلك مكن عديد مــن العائلات الثرية مــن السيطرة واستغلال الكثير مــن المشاريع التي كانت مملوكة مــن قبل للمعمرين الفرنسيين، مستفيدين بذلك مــن القوانين والمشاريع الحكومية الجديدة المشجعة عــلـى ذلـك كقانون “المغربة” مثلا… لكن بقي السؤال الأبرز هو كيف تمكن التركيب العائلي للمخزن مــن اجتياز مرحلة الحماية والإبقاء عــلـى نفس بنيته دون أن يطلها تغيير جذري يذكر؟. يمكن القول هنا أن السلطة السياسية بالمغرب وجدت نفسها أمام نخبة سياسية واقتصادية مشحونة ومتحمسة للنمط الـــسـيـاسـي الجديد، غير أن ذلـك الحماس قابله تحفظ وتوجس مــن الجالس عــلـى العرش مــن هذه النخبة وما يمكن أن تشكله مــن تهديد لسلطته، خـــاصـــة وان الكثير مــن رجـــال المال كانت لهم توجهات اديولوجية مختلفة عـــن التوجه الرسمي، وهو مـــا يعني تلقائيا بحث كل طرف عـــن مـــا يضمن به مصالحه. وبما أن للقصر منطقه الخاص فــي إدارة الدولة دون إبداء كثير الود أو الاطمئنان لمن يسعى لمشاركته فــي ذلـك، فكان أحد التكتيكات التي سعى لتوظيفها لإحداث نوع مــن التوازن مـــع النخبة الاقتصادية الفاسية التي لم يعد الكثير منها لا يشاركه نفس التصورات مائة بالمائة، فكان أن قام بتقوية العناصر ذات الأصول الجغرافية المختلفة خـــاصـــة مــن سوس ك”عبد الله الصويري” وعابد السوسي” وفـــي وقت لاحق “الحاج أحمد أخنوش” وبن الصالح والشعبي، حيث انسحب البعض ممن كانوا منتمين  سياسيا مــن حزب الاستقلال، والتحقوا بحزب اكديرة كالصويري والسوسي، وكل ذلـك لإحداث نوع مــن التوازن الاقتصادي بالنسبة للسلطة، و كذلك للتخلص مــن هيمنة منافسيهم السياسية و احتجاجا عـــن هيمنتهم الاقتصادية و الامتيازات الاقتصادية التي يتمتعون بها. وبذلك يبدو لنا أن جزءا مــن المنظومة تم الحفاظ عليه فــي الحدود التي رسمتها السلطات الاستعمارية. فــي مـــا بعد ومع ميزان القوى الجديد الذي جاء بعد الاستقلال، عرفت الملكية كيف تعيد تشكيل شبكتها مــن العائلات الكبرى بأشكال جديدة ونخب جديدة، بما فيها مــن بـيـن العائلات التي شاركت بنشاط فــي الحركة الوطنية إلــى درجة أن التركيبة العائلية واصلت تجسيد الفجوة القائمة بـيـن دولة القبيلة ودولة المؤسسات.

بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر (ابراهيم حياني التزروتي: تجار السلطان.. حكاية قرون مــن زواج المال بالسلطة فــي المغرب) من موقع (رأي اليوم)

السابق "حمام بارد" للجواميس فــي أورفة التركية
التالى رئـيـس الأركان الجزائري: لا خوف عــلـى الـــبـلاد ولا عــلـى مستقبلها