أخبار عاجلة
عشر عادات خاطئة يمكن أن تدمر الكلى -
10 فوائد للأطعمة الحارة تعرف عليها -

كانت يعبد وصارت كل الضفة الغربية: زراعة التبغ …عنوان فشل

كانت يعبد وصارت كل الضفة الغربية: زراعة التبغ …عنوان فشل
كانت يعبد وصارت كل الضفة الغربية: زراعة التبغ …عنوان فشل

الثلاثاء 1 مايو 2018 02:15 مساءً

-   سعد داغر

 

كُتب الكثير عـــن زراعة التبغ كظاهرة، لكنه ليس ظاهرة فحسب؛ إنه الفشل. فقد فشلت كل الجهود فــي التصدي لهذه الظاهرة، والفشل كان يتوقعه العارفون بهذا الشأن.

لا يحتاج الموضوع للكثير مــن التحليل والبحث فــي أسباب، ليس فقط فشل وقف زراعة التبغ، ولكن أيضاً فــي الحد مــن تمدد هذه الزراعة، التي انطلقت مــن سهول يعبد فــي شـــمـــال وتمددت فــي مــحــافــظــة جنين، لتصل حتى مناطق وجنوبها مروراً بمناطق فــي طولكرم، نابلس، قلقيلية، طوباس ورام الله. إنه مشهد يدمي القلب وأنت ترى سهل مرج ابن عامر، الذي كان يجود بالخير فــي إنتاج الغذاء، يتحول مــن جهة إلــى غابة إسمنت تغمض الجهات المسؤولة أعينها كي لا تراها وتتخذ إجراءً قاطعاً لحمايته، ومن جهة أخرى تغزوه زراعة التبغ ليتحول مــن مصدر إنتاج الغذاء، إلــى إنتاج مادة لا فائدة منها بالمطلق. نحن نقتل واحدة مــن أهم أسس إنتاج غذائنا كشعب. لقد حَلَّت زراعة التبغ مكان المحاصيل الاستراتيجية الرئيسية، مثل القمح والشعير والمحاصيل العلفية، واكتست سهول جنين بهذا المحصول، الذي لا يحمل أي قيمة غذائية أو صحية أو بيئية أو اقتصادية، بل هو عــلـى العكس مــن كل ذلـك تماماً، فهو ليس منتجاً غذائياً يحتاجه الناس فــي غذائهم اليومي، وعلى مستوى الصحة فهو مــن بـيـن الزراعات الأكثر ضرراً عــلـى صحة البشر، أما عــلـى الصعيد البيئى فالدخان حين يزرع فــي أرض إنما يستنزفها لسنوات ويحد مــن إمكانية أن تزرع بمحاصيل جديدة وكونه يزرع كمحصول أحادي فهو لا يسمح بوجود التنوع الحيوي الزراعي، مـــا يؤدي إلــى مشاكل أخرى كثيرة، ليس أقلها مساهمته فــي انتشار آفة الذبابة بشكل واسع. ومن جهة أخرى لا يستفاد مــن مخلفاته كغذاء للحيوانات، كون الحيوانات لا تقبل عليه ولا تستسيغ أكله.  وتبرز مشكلة جديدة ترافق زراعته وهي تلويث التربة بمخلفات البلاستيك الزراعي الذي بدأ استخدامه فــي زراعة التبغ وتراه يملأ بعض الحقول المزروعة بالتبغ، وسيصبح أحد الممارسات الأساسية المرافقة لزراعته؛ بما يحمله ذلـك مــن تلويث للتربة الزراعية وخلقه لأمراض تربة مختلفة، إلــى جانب الضرر الكبير الذي يلحقه البلاستيك بالثروة الحيوانية، حين تأكله الأغنام ولا يستطيع جهازها الهضمي تحليله، فيتراكم داخل الجهاز الهضمي ثم يقود لتسمم ووفاة الحيوانات. ورغم أن المزارعين يعانون مــن مشكلة البلاستيك الزراعي الأرضي فــي كل أماكن تواجدهم، فما زالوا مستمرين فــي استخدامه وتشجعهم عــلـى ذلـك أحياناً جهات إرشادية مختلفة، مــن كل القطاعات الفاعلة فــي الزراعة!! الأمر الآخر، الذي بدأ يظهر ولا يتكلم به أحد، هو منافسة محصول التبغ للمحاصيل الأخرى، ليس فقط عــلـى الأراضي الزراعية، وإنما عــلـى الأسمدة الطبيعية، التي كان يحصل عليها المزارعون فــي معظم الحالات مجاناً لاستخدامها فــي إنتاج الغذاء، خـــاصـــة مخلفات الأبقار والدواجن. التبغ مــن جهة ينافس ويستهلك الأسمدة الطبيعية، ومن جهة أخرى يترك الأرض الزراعية خلفه فقيرة وموبوءة بالبلاستيك وأمراض التربة ويفاقم مــن انتشار الذبابة البيضاء، التي تلحق الضرر الكبير بالمحاصيل الغذائية مــن الخضار. كل ذلـك لا يهم المزارعين المنتجين للتبغ/الدخان، ولا نلومهم فــي ذلـك، فهم يجنون أرباحاً طائلة مــن هذه الزراعة، وهي زراعة مـــا زالت بعلية، تعتمد عــلـى مياه الأمطار، وتحقق أرباحاً أكثر مــن أي محصول بعلي آخر، مـــا يدفعهم إلــى الاستمرار بها. ومن جهة أخرى فإن الأجرة، التي يحصل عليها أصحاب الأراضي بدل تأجير أراضيهم لزراعة التبغ، هي أعلى مــن أي أجرة، يمكن أن يحصلوا عليها بدل تأجيرها لزراعة محصول آخر. اذاً زراعة مربحة للزارع وأجرة أعلى لصاحب الأرض، وهذه هي العقدة التي يجب البحث فــي كيفية فكها إذا ظهرت إرادة حقيقية لوقف زحف هذه الآفة التي تضرب فــي عمق قضية الأمـــن الغذائي بمفهوم الإنتاج المحلي والذاتي للغذاء. يحتاج العمل عــلـى فك هذه العقدة إلــى تخطيط وبـحــث عميقين، تشارك به جهات تنموية، زراعية، اقتصادية واجتماعية للخروج باستراتيجية محكمة تعمل عــلـى الحد مــن انتشار زراعة التبغ وإعادة الأراضي، لتنتج مـــا كانت تنتجه مــن غذاء وأعلاف. وحتى اللحظة، لا يبدو أن هناك إرادة لدى السلطة الفلسطينية، لوقف هذه الآفة المستفحلة، وبالتالي ليس هناك خطط فــي هذا الاتجاه، وذلك عــلـى الرغم مما تلحقه زراعة التبغ والاتجار به مــن خسائر عــلـى خزينة السلطة، حيث يلجأ غالبية المدخنين لتدخين المنتج المحلي، الذي يتم تسويقه دون سيطرة أو متابعة ضريبية، وهو الأكثر شعبية بـيـن المدخنين ذوي الدخل المحدود ولفئة المراهقين.  وبالتالي، فإن الضرائب العالية عــلـى الدخان المستورد مــن جهة، وعدم وجود ضريبة عــلـى الدخان المنتج محلياً يلحقان خسائر بخزينة السلطة مــن جهة، ومن جهة أخرى فإن الثمن الرخيص للدخان المحلي يسهم بشكل كــــبـيـر فــي زيادة عـــدد المدخنين بـيـن المراهقين. والسؤال الذي لا أملك إجابة عليه هو: هل تقليل الضرائب عــلـى الدخان المستورد والذي يقود إلــى خفض سعره، يمكن أن يؤدي إلــى تراجع المساحات المزروعة مــن الدخان محلياً؟ وبالتالي تعود بعض الأراضي إلــى إنتاج المحاصيل الغذائية المهمة؟ والسؤال الآخر: لماذا لا تعمل السلطة بوزاراتها ذات العلاقة (الزراعة، الاقتصاد، المالية، الصحة، البيئة) عــلـى وضع استراتيجية لمواجهة هذه الآفة المتمددة؟ وقد تكون واحدة مــن الخطوات لعودة الأرض لتزرع بالمحاصيل الغذائية هي العمل عــلـى تحسين إنتاجية الدونم مــن المحاصيل الغذائية وجعل العائد مــن زراعة المحاصيل الغذائية أعلى مــن العائد الحاصل مــن زراعة الدخان. وهنا يأتي دور وزارة الزراعة والمؤسسات البحثية/الجامعات والمؤسسات العاملة فــي حقل التنمية الزراعية. إن المردود التنموي لكل المشاريع التنموية التي نفذتها وزارة الزراعة والمؤسسات الأهلية قد لا يعادل خروج كل تلك المساحات التي تعد بآلاف الدونمات مــن دائرة الإنتاج الغذائي ودخولها إلــى دائرة الدخان، المدمر للبيئة والاقتصاد والأهم مــن ذلـك الصحة. لقد حلت زراعة التبغ أيضاً محل المحاصيل الغذائية البلدية، التي كانت تزرع بـيـن أشجار الزيتون وتعرف بالزراعة البيئية، وليست المشكلة فقط فــي فقدان إنتاج تلك المحاصيل، بل فــي ضياع البذور البلدية لتلك المحاصيل وفقدان المعرفة التقليدية المتوارثة المرتبطة بزراعة المحاصيل الغذائية، وهي معرفة زراعية قديمة تضرب جذورها فــي التاريخ، ومبنية عــلـى تجارب تمتد عبر مئات السنين، تبدأ مــن كيفية تحضير الأرض للزراعة، وتكمل دورتها فــي كيفية انتاج البذور البلدية للاستخدام فــي الدورة التالية وما يرافقها مــن أمثال شعبية تحمل الكثير مــن الحكمة والتجربة، إضافة إلــى الأهازيج الشعبية ذات الصلة. يترافق ذلـك مـــع العلاقات الاجتماعية، التي كانت سائدة بـيـن الفلاحين وتبدأ بتبادل البذار والأشتال البلدية وتستمر خلال العام بأشكال “العونة” المختلفة. مما سبق يمكننا أن نقدر حجم الكارثة، التي أحدثتها زراعة التبغ، والعجز القائم لدى المؤسسات الرسمية والأهلية فــي مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، التي تتمدد كالسرطان فــي جسد الأراضي الزراعية بدءاً مــن سهل مرج ابن عامر وحتى الخليل. هذه المواجهة المطلوبة يجب أن تركز بشكل أساسي عــلـى الجانب الاقتصادي، مــن خلال جعل الزراعات الغذائية بالنسبة للمزارع، تعادل فــي الدخل مـــا يمكن أن يأتي مــن زراعة التبغ. أما مـــا يدعو له البعض بأهمية نشر التوعية بـيـن المزارعين وأصحاب الأراضي، فهو عنوان عجز وفشل لن يأتي بنتيجة سوى مزيد مــن الفشل. مهندس زراعي

بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر (كانت يعبد وصارت كل الضفة الغربية: زراعة التبغ …عنوان فشل) من موقع (رأي اليوم)

السابق الشيوعي العراقي يتهم خاسرين فــي الانتخابات باستهداف مقره ببغداد
التالى “الأصالة والمعاصرة” المغربي بعد إلياس العماري.. عودة للمشهد أم مواصلة السقوط؟