أخبار عاجلة

من أخلاق المصريين القدماء ج(3) «بر الوالدين»

من أخلاق المصريين القدماء ج(3) «بر الوالدين»
من أخلاق المصريين القدماء ج(3) «بر الوالدين»

وفي بحثنا عن أخلاق المصريين القدماء، تنتابنا الدهشة، ويعلونا البشر والإعجاب؛ حين نرى المصري القديم وهو يتحدث عن تلك القيم التي ما نزال في أمس الحاجة إليها حتى الآن، والتي لا يتخيل الكثير منا أنه قد التزم بها؛ بل حث غيره على التحلي بها، ومنها تلك القيمة التي دعا إليها ديننا الحنيف؛ بل حثت عليها كل الرسالات السماوية السمحة، إنها قيمة: «بر الوالدين».

فها هو الحكيم «بتاح حتب» يوصي ابنه ببر الوالدين، موضحًا له مردوده عليه، فيقول له: «ما أجمل أن يُصغي الابن عندما يتكلم أبوه، فسيطول عمره من جراء ذلك، وإن من يسمع يظل محبوبًا من الرب، ولكن الذي لا يسمع فهو مكروه من الأرباب، وما أجمل أن يسمع الابن لأبيه»!

كما يوصيه بأمه ويذكره بما قدمته له منذ أن كان طفلًا، ويحثه على عدم تفضيل زوجته عليها فيقول: «أوصيك بأمك التي حملتك؛ هي أرسلتك إلى المدرسة كي تتعلم الكتب، وهي تُشغل نفسها بك طول النهار، وهي التي تعطيك الطعام والشراب من البيت، والآن وقد كبرت وتزوجت وأصبحت سيد بيتك؛ التفت إلى تلك التي ولدتك وزودتك بكل شيء؛ هي أمك؛ لا تدع لها فرصة للغضب عليك، لا تدعها ترفع يدها غضبًا بسببك، لأن الرب سيستمع إليها بلا شك»!

بل يحذره أيضًا من عاقبة عقوق الوالدين فيقول: «أما الغبي الذي لا يسمع لوالديه نصحًا ولا كلامًا فلن يلقى نجاحًا، وسيعرف الحكام خلقه، وسيموت وهو حي في كل يوم، وسيتجنبه الناس لكثرة مساوئه التي تتكدس فوقه من يوم إلى يوم»!

أما الحكيم «آني» فيوصي ابنه بأمه، مذكرًا إياه بما فعلته من أجله منذ أن كان في أحشائها، فيقول: «أعد لأمك كل ما فعلته من أجلك، أعطها المزيد من الخبز، واحملها كما حملتك، إنها حملتك ثقلًا، وحين ولدت بعد تمام شهورك حملتك على عنقها، وظل ثديها في فمك ثلاث سنوات، ولم تكن تشمئز من قاذوراتك، وأرسلتك إلى المدرسة كي تتعلم الكتابة؛ وفي كل يوم كانت تنتظرك بالخبز والجعة في بيتها، فإذا شببت وتزوجت واستقررت في دارك، ضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك؛ وكيف عملت على أن تربيك بكل سبيل، ولا تدعها تلومك وترفع كفيها ضارعة إلى الرب؛ فيستجيب لدعائها»!

ومن تعاليم الحكيم «عنخ شاشنقى» عن الأم، ما يبين أن قيمة الأم أعلى درجة من قيمة الأب، فها هو يقول: «لا تُضحك ولدك وتُبكيه على أمه، تريد أن يعرف أهمية أبيه، فما وُلد فحل من فحل. «أي من غير أم».

وفي متون الأهرام نرى والدًا من عصر الدولة القديمة يُحث ابنه على طاعة والدته، موضحًا له أن طاعتها ستجعله ينال المناصب العليا، فيقول: «طُوبى لمن كان جادًّا إزاء أمه، فهو جدير بأن يصبح جميع الناس له تبعًا».

بل كان بر الوالدين خُلقًا يفتخر به المصري القديم، فها هو أحد الأبناء يتحدث مزهوًا بحسن معاملته لوالده وضعفه أمامه؛ قائلًا: «كنت عكاز الشيخوخة في يد أبي ما بقي على وجه الأرض، وكنت أروح وأغدو وفق أمره، ولم أخالف أبدًا ما قرره فمه، ولم أتعود أن أتطلع إليه بنظرات كثيرة، وكنت أطأطئ بوجهي حين يحدثني».

ولم يوص المصري القديم ببر الوالدين في حياتهما فقط، بل دعا أيضًا إلى برهما حتى بعد مماتهما، من خلال زيارة قبرهما، فها هو الحكيم «آني» يقول: «قدم الماء لأبيك وأمك اللذين انتقلا إلى قبرهما في الصحراء، وإياك أن تغفل عن هذا الواجب، حتى يعمل لك ابنك بالمثل».

وككل عصر لم يخلُ ذلك العصر من عقوق الوالدين، فها هي امرأة مصرية من القرن الثاني عشر قبل الميلاد توضح لنا، ولو إجمالًا ما حدث معها من عقوق أبنائها لها، وكيف كانت ردة فعلها تجاههم، إذ تقول: «ها أنا ذا قد طعنت في السن وهم لا يعنون بي، فمن بادر منهم ووضع يده في يدي فسأعطيه من أملاكي، ومن لا يفعل ذلك فلن أعطيه شيئًا»!

فما أحوجنا اليوم أن نُعيد هذه المعاني على أسماعنا، ونعيشها بقلوبنا، ونقارنها بما أمرنا به ديننا الحنيف والرسالات السماوية السمحة، علًنا نعود إليها، فنعيش حياة هانئة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (من أخلاق المصريين القدماء ج(3) «بر الوالدين») من موقع (ساسة بوست)"

السابق وزيـر الـــدفـــاع الإسرائيلي يصدم الفلسطينيين بقرار مفاجئ
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات