أخبار عاجلة
العد التنازلي لنهاية الحوثي -
السعودية تحظر استيراد منتجات مصرية -

العقل الثنائي والعقل المتعدد.. والانتخابات العراقية

العقل الثنائي والعقل المتعدد.. والانتخابات العراقية
العقل الثنائي والعقل المتعدد.. والانتخابات العراقية

لنفسر أولًا، العقل الثنائي هو العقل الذي يفكر بطريقة (إما … أو)، العقل المتعدد أو (المرن) هو العقل الذي لديه العديد من الاحتمالات بين (إما … أو).

العقل الثنائي تنقسم عنده كلها إلى ابيض وأسود.. مغلق على خيارين لا ثالث لهما. يقاتل الرأي الآخر بشراسة، مستعد للخسارة، أو الموت في سبيل رأيه دون تمحيص.. يمكن أن يقع في نفس الخطأ مائة مرة لأنه لا يملك إلا طريقين، وبما أنه مقتنع بأحدهما فسوف يسير به دومًا.. يظن أنه يفكر وهو في الحقيقة لم يرتق عن تفكير الحيوان، فالحيوان لا يفكر إلا بطريقة (إما … أو).

الحيوان إما أن يهجم أو يهرب، إما أن يأكل أو لا يأكل، إما أن يتودد لك أو يؤذيك، ليس لديه خيارات أخرى. والآن العقل المتعدد هو العقل الذي يُفترض أن يستخدمه الإنسان.. ولكن الواقع أن الكثير من الناس يزهدون فيه!

العقل المتعدد يرتقي كلما زادت خياراته.. ينظر إلى المشكلة من كل جوانبها.. لا يقتنع بالحلول التي يمتلكها، وإن كانت صحيحة، بل يبحث عن حلول صحيحة أخرى، حتى وان لم يكن بحاجة لها الآن.. لا ينكر على الآخرين قبل التثبت من الأمر.. وإذا وقع في خطأ مرة لا يكرر نفس الطريقة مرة أخرى.. يعلم يقينًا أن الله تعالى ميزه بهذا العقل الذي لا تحده حدود.. لذا فهو يستمتع بالسياحة في الكون والحياة بعقله، ولا ينحدر إلى مستوى الحيوان الأعجم.

كل هذا الكلام مقدمة لظاهرة نعاني منها في مجتمعاتنا.. ولم يسلم منها معظم كبرائنا ومثقفينا وكتابنا وقادة الرأي.. يشخصون المشاكل.. وعندما يريدون طرح الحلول يقعون في فخ العقل الثنائي.. والمصيبة أن الانسان لا ينتبه لهذا.. فكيف ينتبه العقل لنفسه؟

الحقيقة أن الذي يورطك في هذا الفخ هو عقلك الباطن، وليس عقلك المنطقي.. ولذلك لا يسلم من هذا الفخ إلا من انتبه لهذه الحقيقة، وراقب أسلوب تفكيره لحظة بلحظة خوفًا من الوقوع في هذا الفخ.. لأن العقل الباطن يرتاح، ويأمن للحلول الثنائية البسيطة، ويريد دومًا أن يطمئنك ويريحك كيلا تتعب في الذهاب أبعد من ذلك.. ويخدر عقلك المنطقي، فلا يعود يفكر بخيارات أخرى. فإذا انتبهت لهذا الفخ.. تستطيع دومًا أن تقود تفكيرك بعقلك المنطقي إلى الحياة الأرحب والخيارات الأوسع.

وإليك مثال واضح على العقل الثنائي.. لعلك مثلي تابعت ورأيت وقرأت وسمعت من الخواص والمثقفين والمحللين و… عن الانتخابات العراقية في الأيام الماضية. ولعلك لاحظت أيضًا أن كلامهم هو امتداد للسنين الخمسة عشر السابقة فلم يتغير شيء عند خواصنا ومثقفينا.. فلا زال العقل الثنائي هو الذي يحكمهم.. والنتيجة المنطقية التي تحصل دائمًا بسبب التفكير الثنائي عند الكثيرين هي كالتالي:

انقسم الناس إلى فريقين في تعاملهم مع الانتخابات.. قسم غاضب يريد أن يعاقب الطبقة السياسية وقرر المقاطعة وعدم الذهاب للانتخابات.. وقسم يعتقد وبقوة أنه بمشاركته سوف يغير ولو تغييرًا بسيطًا.. وحتى لو لم يغير فقد أدى ما عليه.. وكل الاحتمالات الأخرى والخيارات الأخرى لم يأبه بها أحد.. لأنك ببساطة اما أن تذهب وتنتخب أو لا تذهب.. هذا هو قانون التفكير الثنائي. ووقعت المعركة بين الفريقين، هذا يسفه ذاك، وذاك يخون هذا.

والسؤال.. ألا يوجد شخص لا يريد المقاطعة، لكنه لا يثق بأي من المرشحين؟ ولم يذهب لهذا السبب.. فاين نضعه؟ ألا يوجد شخص لا يحب المقاطعة، لكنه معتقد في قرارة نفسه أن لن يحصل مهما كانت النتيجة، لذا لم يشارك؟ في أي معسكر سيكون؟ أليس هناك المئات ممن ذهبوا، وهم مدفوعو الثمن.. أو ولاؤهم لأحزابهم، وليس للعراق؟ هل تضعهم مع الوطنيين أم الخونة؟ أكاد أجزم أن لكل ناخب عراقي قصة خاصة به دفعته لاتخاذ القرار بالمشاركة من عدمه. فكم احتمالًا يمكن أن تخرج به؟

أليس من السطحية المعيبة أن نقسم الناس قسمين.. ونصبغهم بصبغة إيجابية أو سلبية؟ أين الحرية إذًا؟ وأين الديمقراطية؟ من حقك أن تدعو لحزب أو لشخص أو لأية جهة أنت مقتنع بها.. لكن ليس من حقك في عرف الفكر الديمقراطي أن تسفه الخيارات الأخرى أيًا كانت.. إذا أردت أن تنتقد الخيارات الأخرى.. لا بأس، لكن اسبق نقدك بكلمة احترام، وأنهه ايضًا بكلمة احترام للرأي الآخر. فقد تكتشف فيما بعد أنه هو الصواب.

حاولتُ مرارا وتكرارًا أن أشيع هذا المفهوم.. وأقول أن الحياة فيها من القرارات والنوايا بعدد البشر.. ولا يمكن أن يتطابق اثنان من البشر في نواياهما ودوافعهما وقراراتهما.. ولو تشابهت في الظاهر.. هذه سنة الحياة.. ولا ينفعنا التغافل عنها.

من القواعد الأصولية المشهورة.. أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. وأنا شخصيًا كنت أتمنى أن لا يذهب أحد إلى الانتخابات.. ودعوت لذلك، لكني كتبت بنفس الوقت: أنك إن كنت معتقدًا بصلاح مرشح، ولم تنتخبه فأنت مقصر. وكتبت: أن المشاركة وعدم المشاركة حق، وليس واجبًا. وكتبت: أن الانتخابات ليست نهاية العالم، بل هي بداية بسيطة جدًا لممارسة الديمقراطية.. والمهم هو المراقبة والمحاسبة للمسؤولين فيما بعد.

لماذا؟ لأنك ببساطة لا يمكن أن تضمن بشرًا.. فقد تنتخب من تظنه وليًا صالحًا، ثم يتحول بعد ذلك إلى شيطان مريد.. فماذا تفعل؟ إذا لم تفكر بآلية لمحاسبة المسؤولين.. فلا يوجد شيء اسمه ديمقراطية أصلًا.. فكل رؤساء الجمهوريات عندنا يفوزون بانتخابات لا تختلف عن انتخاباتنا، إلا بشيء واحد، وهو أن المحتال عندهم واحد، وعندنا محتالون متعددون.

لذا انتبه لهذه الخديعة، وهي: أن المتمرسين في غسل العقول يريدون إقناعنا أن الانتخابات هي أهم شيء في العملية الديمقراطية، وأن ذهابك للتصويت سيحدد مستقبلك ومستقبل أولادك.. وأن صوتك هو مهم للتغيير.. وغيرها من الأوهام التي يبيعونها للشعب للتلاعب بعواطفه وإحياء روح القطيع فيه.. وتحويل عقله إلى عقل ثنائي لا يبصر غير خيارين اثنين.

وأنا لا أقول أن المشاركة غير مهمة والتصويت غير مهم.. بل هو مهم، لكن أقول: إن اختزال الممارسة الديمقراطية في هذه العملية هو الوهم الذي يبيعونه للناس.. والغريب أن كثيرًا من الكتاب والمثقفين والمحللين، ينساقون بسلاسة عجيبة وراء هذا الوهم.. وكأنها حمى تعدي الجميع، فلا يفلت منها إلا قلة لا يأبه لهم أحد.. فمن يسمع صراخك في سوق الصفارين؟

والأعجب أن الناس، ومن ضمنهم المثقفين، يصمتون صمت القبور بعد انتهاء الانتخابات.. ويبقون لأربع سنين يتبادلون الاتهامات (لم ذهبت؟ لمَ لمْ تذهب؟).. ويتركون الفساد والفاسدين يفعلون ما يشاؤون.. حتى إذا جاءت الانتخابات الجديدة عاد الجميع إلى نفس الصراع. ولا أحد يفكر بأساليب ووسائل ضغط على الحكومة والبرلمان والأحزاب.. وكيفية التعامل معهم طيلة الأربع سنين! وتجارب الدول التي سبقتنا في هذا المجال تشكل ثروة عقلية وسلوكية يمكن أن نستفيد منها.

لكن يمنعنا من الاستفادة طبيعة العقل الثنائي.. هل يمكن أن يتطور التفكير إلى عقل مرن متعدد.؟ آمل ذلك.. ولن أفقد الأمل.

الفهم هو الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (العقل الثنائي والعقل المتعدد.. والانتخابات العراقية) من موقع (ساسة بوست)"

السابق السعودية.. الإفراج عـــن 4 ناشطات بمجال حـــقــوق المرأة وتوقيف آخر
التالى الـــدفـــاع الروسية: تكهنات محققي "بيلينغاست" بشأن الطائرة الماليزية تستند لفبركات قديمة