أخبار عاجلة
العد التنازلي لنهاية الحوثي -
السعودية تحظر استيراد منتجات مصرية -

العقلنة، المأسسة، المصلحة..

العقلنة، المأسسة، المصلحة..
العقلنة، المأسسة، المصلحة..

الخميس 17 مايو 2018 02:05 صباحاً

- يجري، فــي السنوات الأخيرة، تداوُل مجموعة مــن المفردات فــي الإعلام الـــعــربـي، كما يجري إبرازها فــي أدبيات بعض التيارات السياسية، باعتبار أنها تعد، فــي كثير مــن أوجهها، عنواناً لتحولاتٍ جاريةٍ فــي مجتمعنا وثقافتنا، فقد أصبحت مفاهيم مــن قبيل العقلنة، المصلحة، المأسسة، المشاركة، عــلـى سبيل المثال، بمثابة مفاتيح مُسْتَخْدَمَة فــي الخطابات المرتبطة بالسِّجالات السياسية، والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، وكذا فــي شعارات مؤسسات المجتمع المدني. وتكشف العناية بها وبأخواتها ومرادفاتها أننا نتجه بواسطتها إلــى إنجاز تمثلاتٍ محدّدة لمشروعٍ يتوخَّى تحديث الثقافة والمجتمع العربيين.
تحيل عينة المفاهيم المذكورة إلــى أفق فــي الفكر وفـــي التاريخ، لا علاقة له بموروثنا القديم ومفرداته. إنها تحيل إلــى سجل نظري وتاريخي جديد، يرتبط أساساً بالثورات الكبرى التي حصلت فــي الأزمنة الحديثة والمعاصرة. نقصد بذلك أرصدة الثورات السياسية والاقتصادية وثورات التواصل والتقنية.. وقد أنجبت هذه الثورات مجتمعةً، وفـــي سياقات زمنية معينة، شبكةً مــن المفاهيم والقيم المتصلة بخياراتٍ سياسيةٍ وفلسفيةٍ كبرى. وهي تُدْرَجُ، بصور مختلفة، فــي أفق الفضاءات التي تتسم بالحداثة والتحديث داخل المجتمع، حيث تستوعب، فــي أصولها النظرية وتطبيقاتها الإجرائية، جوانب مــن مقدمات الحداثة ومفاهيمها فــي عالمنا.
تستدعي المفاهيم التي ذُكرت أعلاه مجموعة مــن المفردات المرادِفة أو الموضحة لطبيعتها، 
"المأسسة محاولةٌ للقطع مـــع نظام التقليد، وهي تعتبر مــن مؤشرات المواطنة"
الأمر الذي يوضح جوانب محددة مــن أبعادها وتجلياتها، ويكشف صلاتها بمنطق التحديث ومطلب الحداثة فــي ثقافتنا المعاصرة، فالعقلنة ترتبط بالضبط والنظام، وهي لا تستغني عـــن خاصية النجاعة. أما المأسسة، فلا تتم مــن دون حصول الشفافية ومقتضيات الحكامة، وهي تتأسس فــي إطار القانون، حيث تساهم ترسانة القوانين المرتبة لنظام عملها فــي إبعاد مـــا هو شخصي ومشخصن، لتستحضر مـــا هو موضوعي وإجرائي، وتسمح به القوانين المعتمدة فــي العمل، فلم يعد مقبولاً فــي المجتمعات الحديثة، مجتمعات المصلحة والتاريخ والتقدم، وقد اتسعت اليوم فضاءاتها وتعولمت، أن تواصل التعامل مـــع متطلبات التغير والتغيير بمفردات أزمنةٍ خلت. وإذا كان مؤكدا أن أغلب تلك المفاهيم ترتبط، فــي روحها العامة، بالمشروع الـــسـيـاسـي الليبرالي وآلياته فــي العمل والإنتاج، فإننا ننظر إليها اليوم باعتبار أنها تُعَدُّ مــن مُقَوِّمات النجاح فــي عالم جديد، حيث لا مَفَرَّ اليوم مــن ولوج مـــا أصبحت تُعرف باقتصادات مجتمع المعرفة ودولة المؤسسات.
مـــا يختفي، ولا يُرَى بالعين المجرَّدة فــي المفاهيم المشار إليها، هو أنماط القيم التي تحملها مــن جهة، وصلتها العضوية مــن جهة ثانية، بمقتضيات الأزمنة الحديثة المتمثِّلة فــي مُدَوَّنَة القوانين والتشريعات التي تُعَدُّ أعمدة مُؤَسِّسة لقواعد العمل والعيش والإنتاج فــي عصرنا. وعندما نفكر فــي هذه المفاهيم فــي علاقتها المباشرة بالمجال الـــسـيـاسـي بالذات، نتبين أنها تحيلنا إلــى المشروع الديمقراطي، باعتبار أنه يعدّ اليوم مــن البدائل المتاحة، مــن دون أن يعني هذا أن إمكانية تحقيقه سهلة أو بسيطة، فنحن نعي أن المشروع الديمقراطي يواجه اليوم داخل الدول التي تمتلك رصيداً تاريخياً مــن منجزاته إشكالاتٍ جديدة، أما توطيد آلياته وقيمه فــي مجتمعاتنا فيتطلَّب العمل فــي جبهات عديدة، بهدف بناء أسسه النظرية والمؤسسية، القادرة عــلـى مُغالبةِ احتمال العودة إلــى دولة التسلط.
مـــا علاقة تداول هذه المفاهيم بواقع الحال فــي مجتمعاتنا؟ وهل يمكن أن ننظر إلــى مسألة تعميمها 
"نحن أمام سجل نظري وتاريخي جديد، يرتبط أساساً بالثورات الكبرى التي حصلت فــي الأزمنة الحديثة والمعاصرة"
فــي أدبياتنا السياسية باعتبار أنها مجرّد أفقٍ يتطلع إليه الجميع، وتتغنى به النخب؟ يبدو أن تزايد العناية بهذه المفاهيم وأخواتها فــي خطاباتنا يؤشر عــلـى أفق فــي الإصلاح الـــسـيـاسـي، لا تتردد مختلف تيارات الفكر الـــعــربـي فــي تبنِّيه، وتعميم مفرداته. ولعل مـــا يحصل اليوم فــي واقعنا الـــعــربـي يؤكد هذا.
صحيحٌ أن مجتمعاتنا أبعد مـــا تكون عـــن القيم والمبادئ التي تختزنها المفاهيم التي انطلقنا منها، إلا أن انعدام وجودها هو مـــا يدفعنا إلــى مزيد مــن العناية بها، والتحسيس بأهميتها فــي عمليات بناء مجتمع جديد، فالمأسسة محاولةٌ للقطع مـــع نظام التقليد، وهي تعتبر مــن مؤشرات المواطنة، حيث تتيح مؤسسات المجتمع المدني للمواطنين، عــلـى سبيل المثال، بلورة مواقفهم السياسية بصورة منظمة، مسؤولةٍ وواعية. وهو مـــا يتيح للفاعلين السياسيين والجمعويين والنقابيين تبليغ رسائلهم ومواقفهم، لمن يعنيهم أمرها فــي أجهزة الدولة، بصورةٍ واضحة، وبالوسائط المعترف بها قانونيا.
ليس المقصد هنا الإشارة إلــى أن المأسسة تستدعي المساءلة لقياس الكفاءة والفاعلية، والنجاعة فــي التدبير. ومن هنا يمكن القول إن مستقبل الديمقراطية فــي مجتمعنا مرتبط بإرساء أنماط جديدة مــن عقلنة المجتمع، عقلنة نظامه الـــسـيـاسـي، وعقلنة مشهده الحزبي.. حيث تشكل المأسسة اليوم المظهرَ الأهمَّ لترتيب المجتمع، فــي دوائر وشبكات قادرةٍ عــلـى تمثيل مختلف فئاته، وإشراكها فــي الفعل الـــسـيـاسـي.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (العقلنة، المأسسة، المصلحة..) من موقع (العربي الجديد)"

السابق واشنطن وطهران تدخلان عــلـى خط التحالفات... ونتائج الانتخابات العراقية مهدّدة
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات