أخبار عاجلة
العد التنازلي لنهاية الحوثي -
السعودية تحظر استيراد منتجات مصرية -

الجميع ينتصر فــي مدرسة الهواة

الجميع ينتصر فــي مدرسة الهواة
الجميع ينتصر فــي مدرسة الهواة

الخميس 17 مايو 2018 02:05 صباحاً

- فــي برنامج تلفزيوني اخترعه الفرنسيون للأطفال، اسمه "مدرسة الهواة"، راجَ طوال ثمانينيات القرن الماضي: يأتون بمغنٍ مشهور، يكون ضيف كل حلقة، ومعه ستة أو سبعة "متبارين" أطفال، أعمارهم بـيـن ثلاث وسبع أو ثماني سنوات. ومقدِّم ظريف، اسمه جاك مارتين، يناغشهم، يداعبهم، يطرح عليهم أسئلةً تحمل إجاباتها البريئة كثيرا مــن الضحك. ويدعو كل واحد منهم إلــى غناء مـــا اختاره مــن أغاني الفنان الضيف، ويتركه ليغنيها، بحسب استعداده الخاص، وبمستوياتٍ متفاوتةٍ مــن الأداء. ثم يطلب مــن الأطفال الباقين أن يرفعوا العلامة التي يرون أن زميلهم يستحقها. وتكون هذه العلامة طفوليةً إلــى حدّ بعيد، تعتمد عــلـى المزاج الخاص بكل طفل، وتتراوح بـيـن الصفر عــلـى عشرة، والعشرة عــلـى عشرة.. ليضيفوا إلــى طرافة الموقف عبثية محبَّبة. ثم فــي نهاية الحلقة، يطلب جاك مارتين مــن الحَكَم، "العم مايونيز"، أن يقوم بالحسابات الدقيقة التي توصَّل إليها كل طفل، ويفترض أنها تصدر نتيجة "المباراة". فيضيع "العم مايونيز" فــي هذه الحسابات، لا يعود يعرف تماماً كيف يقوم بها؛ يجمع، يطرح، يقسِّم، يضْرب.. مــن دون التوصل إلــى النتيجة التي يعتقدها صحيحة. وبعد تشويقٍ لبضع دقائق، يتخلّص "العم مايونيز" مــن هذا الحرَج الرياضي، بأن يعلن "فوز الجميع"، وبأن كل واحدٍ مــن أولئك الأطفال "هو الأول" (!).
هكذا بالضبط تصرّف أطفالنا الفائزون فــي الانتخابات التشريعية أخيرا فــي . مـــا أن توقّف 
"مهما قسَّمتَ وجمعتَ وطرحتَ.. لن يكون واحد زائد واحد يساوي اثنين"
الاقتراع، ورنّ جرس الإغلاق، حتى اعتمرت صدورَهم سكراتُ نصر مبين. المعتادون عــلـى الانتصارات، المحتكرون لها طوال العقود الماضية، كانوا أول المنْتشين. هم الأقوى، الأكثر عدداً، القابضون عــلـى جِمار . فكانت "غزوة الموتوسيكلات" إلــى الأحياء البيروتية التي تغري بالثأر والتشفِّي. وشعاراتهم المذهبية وألوانهم الصفراء، وحزبهم "المقاوم" عــلـى امتداد هذا الشرق. كله انتصار بانتصار..
كان هذا أول غيث الفوز النيابي الذي أحرزته الكتلة الصلبة لأرباب الممانعة. ثم كرَّت السبْحة؛ فــي اليوم الواحد كنتَ تشهد كذا مهرجان جماهيري، مؤتمرا صحافيا، خطابا، تصريحا، مواكب سيّارة، أعلاما، أهازيج، وصخبا.. لكل حزب، لكل كتلة، لكل تجمع، بل أحيانا لفردٍ واحدٍ فاز مصادفة، بعشرات الأصوات وحسب، كما حصل مـــع فائزين كُثر. كله ينضح برسالةٍ واحدة. لقد انتصرنا فــي هذه الانتخابات. أي كنا عــلـى حق.. وكأنهم مهما نشزوا بالأغنية، لا يمكن اعتبارهم إلا حاصلين عــلـى العشرة عــلـى عشرة التي يستحقونها، بحكم صغر عقلهم. كأنهم لم يستبسلوا فــي سبيل الفوز. كأنهم بفوزهم ملكوا الحقيقة الأبدية. كأن الانتخابات كانت ديموقراطيةً أصلاً، نزيهةً أصلاً، وطنيةً أصلاً. خرجوا مــن هذه الانتخابات مثل أطفال "مدرسة الهواة". كل واحد منهم هو "الأول". مــن دون براءة الطفولة ولا ظرفها، ولكن بإحساس عال باللعب، بانعدام المسؤولية المترتِّبة عــلـى هذا الفوز العظيم.
لمن يؤكد المنتصر عــلـى انتصاره؟ إلــى مــن "يهديه"؟ إلــى الذين انتخبوه طبعاً. فقط إليهم. الباقون معنيون بمرشح آخر، بالذي انتخبوه، بدورهم. وجلّهم مــن أبناء مذهبه، أو مــن المذهب الذي جُيِّر له. هكذا يتصوّرون طبعاً. أو يريدون لنا أن نتصوَّر. لكل طائفةٍ، لكل مذهبٍ، منتصره، وأحيانا منتصران أو ثلاثة، أو حتى أربعة.. مـــع بدايات تشكل "الكتل" صاحبة الانتصار الأكبر داخل البرلمان.
وهذا مـــا يجعل العمليات الحسابية فــي غاية التعقيد. مهما قسَّمتَ وجمعتَ وطرحتَ.. لن يكون واحد زائد واحد يساوي اثنين. إنما قد يساوي أربعين، ولا حاجة إلــى الرياضيات فــي هذه الحالة. إنما حاجة إلــى التخلّص مــن العقلانيات الحسابية، والدخول فــي كهوف المعرفة السياسية وممارساتها.
انظر مثلاً إلــى الانتخابات البرلمانية عامي 2005 و2009، حيث كانت الغلَبة البرلمانية، 
"لمن يؤكد المنتصر عــلـى انتصاره؟ إلــى مــن "يهديه"؟ إلــى الذين انتخبوه طبعاً. فقط إليهم؟"
بالحساب الدقيق، لمعسكر "الدولة" ضد "الممانعة". هل منعت هذه الغلَبة الديموقراطية، محور الممانعة مــن الاستفراد بخوض الحروب فــي لبنان وفـــي سورية، وربما أيضاً فــي والعراق؟ أي فــي اتخاذ أخطر القرارات الأمنية؟ طبعاً لا. بل فــي ظل هذه الغلَبة الديموقراطية، سجَّل هذا المحور انتصارات غير ديموقراطيةٍ، مكّنته مــن فرض كل مـــا نعرفه، بدءا بقانون الانتخاب نفسه الذي يؤمّن له العدد الأكبر مــن الأصوات؛ وهو المنتصر حسابياً هنا. ويمكن أن يكون هذا الانتصار الحسابي غير مقترنٍ بمزيد مــن الانتصارات الميدانية.. يمكن بالعكس: أن لا تعني شيئاً هذه الانتصارات، فــي حال انقلبت التحالفات، وتشكَّلت كتلاً برلمانيةً مدعومةً خارجياً، كما هي مدعومة كل المحاور. فتعاد الحسابات مرة أخرى: واحد زائد واحد، يساوي خمسين.. أنتَ هنا فــي الشرق. والحكم ليس حكماً. والأرقام، حتى المزوَّرة، لا تعني فقط الشكليات، لمحبي العظام الرميم، أو المستشرقين الباحثين عـــن غرائب قصصنا.
وإذا لاحظتَ حجم الحب وحجم الكراهية المتلاصقين، فــي خطابات الانتصارات هذه، والدبْكة الدائرة فــي وسطهما، يمكنكَ أن تتخيّل شحناً عاطفياً ساذجاً، يخاطب أطفالاً قُصَّرا، لا راشدين يسألون عـــن فسادهم، يبحثون عـــن لقمة عيشهم، وقف هجرة أولادهم، تنقية هوائهم مــن المازوت.. كأن المسرح انقلب عـــن ثمانينيات القرن الماضي. كان يصعد الأطفال إلــى الخشبة، ويستمع إليهم الكبار. أما الآن، فيصعد الكبير ويستمع إليه الأطفال. ويصفق هؤلاء، كلّمـــا لاطفهم، داعبهم، كلما غالظ بعصاه منتصراً آخر، لا يختلف دربه، ولا نهجه. والفرق، فــي النهاية، أن خشبة الأطفال تبعث عــلـى المرح، فيما خشبة الراشدين هذه تبعث عــلـى الملَل، بعد الضرَر.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (الجميع ينتصر فــي مدرسة الهواة) من موقع (العربي الجديد)"

السابق واشنطن وطهران تدخلان عــلـى خط التحالفات... ونتائج الانتخابات العراقية مهدّدة
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات