أخبار عاجلة
العد التنازلي لنهاية الحوثي -
السعودية تحظر استيراد منتجات مصرية -

فــي نتائج الانتخابات التونسية

فــي نتائج الانتخابات التونسية
فــي نتائج الانتخابات التونسية

الخميس 17 مايو 2018 02:05 صباحاً

- جرت الانتخابات البلدية فــي يوم 6 مايو/ أيار الجاري، وهي أول انتخابات بلدية فــي تاريخها منذ عام 1957، لاختيار الحُكّام الذين سيتولون تسيير شؤون السلطة المحلية والجهوية، أو إدارة الحكم المحلي الديمقراطي واللامركزي المعني بإدارة شؤون المواطنين المحلية بطريقة تشاركية، تقوم عــلـى نضج المنتخبين والمتساكنين. فكانت انتخابات تعدديّة حرّة ونزيهة وشفّافة، بشهادة جميع المراقبين التونسيين والأجانب، بصرف النظر عمّا شابها مــن توترات ومخالفات فــي بعض المناطق، لكنها لا ترتقي إلــى مستوى المخالفات الكبيرة أو التزوير، فقد أكّد التونسيون مرّة أخرى تمسّكهم بخيار الانتقال الديمقراطي مــن دون سواه، فــي سبيل بناء ركائز الديمقراطية الناشئة ومؤسساتها، وفـــي ذلـك وعي مجتمعي عميق راسخ ممتد فــي تاريخ البلد.
أجمع المتابعون للشأن الـــسـيـاسـي التونسي، عــلـى اختلاف انتماءاتهم الفكرية والثقافية والسياسية، عــلـى أنّ نسبة الإقبال عــلـى التصويت فــي الانتخابات البلدية التونسية كانت ضعيفة، إذ بلغت 33.7% مــن أصوات الناخبين، لكنها ليست كارثية، أو بعيدة عـــن النسب العامة المسجلة فــي دول عديدة. وبلغة الأرقام، بلغ عـــدد التونسيين المسجلين فــي هذه الانتخابات 5 ملايين و369 ألف ناخب مــن أصل جسم انتخابي يمثل ثمانية ملايين ونصف المليون يحق لهم الانتخاب، لم يشارك منهم فــي التصويت سوى مليون و800 ألف ناخب، أي أقل مــن مليونين. وهذا مـــا يؤكد أنّ نسبة المقاطعة كانت كبيرة، بدلالة أنّ ثلثي الناخبين لم يذهبوا إلــى صناديق الاقتراع، فالذين قاطعوا، سيما مــن الشباب، استندوا إلــى الرأي أنّ هذه الانتخابات لن تضيف شيئا إلــى الـــبـلاد وللشعب، فــي وضع عام متأزم اقتصاديًا واجتماعيًا، لا يمكن الخروج منه، إلا عبر جهود عديدة يجب أن تبذلها الدولة عــلـى المستوى المركزي فــي أسرع وقت، ومن دون انتظار منظومة الحكم المحلي لتحقيق ذلـك.
كما يرى هؤلاء المتابعون أنّ الشباب "العازف" عـــن الانتخابات هو الحزب الأكبر فــي تونس، إذ قاطع الشباب التونسي بنحو 90% مــن النسبة الإجمالية للمقاطعين، وهي نتيجة يجب أن 
"الشباب "العازف" عـــن الانتخابات هو الحزب الأكبر فــي تونس"
تُقلق الطبقة السياسية الحاكمة والأحزابَ معاً، لا سيما أن الشباب يمثلون فئة اجتماعية كبيرة فــي المجتمع التونسي. وبعزوفها القياسي هذا، توجه هذه الفئة رسالة قوية إلــى الأحزاب الماسكة بالسلطة التونسية اليوم، وللأحزاب السياسية المعارضة عــلـى حدٍّ سواءٍ، التي أخفقت فــي إقناعها للاستجابة إلــى المشاركة القوية فــي الانتخابات، مفادها بأنها ليست راضية عـــن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فــي تونس، وأنها أُصِيبَتْ بخيبة أمل بعد أن أخفق السياسيون فــي كسب الثقة التي منحها لهم التونسيون فــي انتخابات عامي 2011 و2014. وفضلاً عـــن ذلـك، يبرّر مقاطعو الانتخابات موقفهم بسبب آخر، هو خوفهم مــن أن يتحوّل الحكم المحلي واللامركزية إلــى أداة لتقسيم الدولة، وإضعافها وإضعاف القانون وإرساء ديكتاتورية جديدة فــي المنطق (الجهات)، لا سيما فــي ظل مـــا ستسمح به هذه المنظومة الجديدة مــن استقلالية وحرية للحكّام المحلّيين.
الحزب المنتصر فــي الانتخابات البلدية التونسية هو حزب "العزوف" الانتخابي الذي فقد الثقة الكلية فــي أحزاب الطبقة السياسية الحاكمة التي تداولت عــلـى السلطة فــي تونس منذ سنتي 2011، و2014، حيث أخفقت إخفاقًا ذريعًا فــي إدارة الشأن العام، وفـــي معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وعجزت فــي تحقيق مـــا كان ينتظره التونسيون مــن الثورة، لا سيما تحسين وضعهم المعيشي، وتقليص نسب البطالة المرتفعة التي مثّلت أكبر مسألة معقدة بعد الثورة، وتسببت فــي وصول شرائح مهمةٍ مــن المجتمع التونسي إلــى حالة مــن اليأس والإحباط، وأوصلت شبابا كثيرين إلــى الموت، حَرْقًا أو غَرقًا فــي المتوسط، أو دفعته إلــى الانتماء للجماعات الإرهابية. وهذا الأمر غير خافٍ، إذ أكدته استطلاعات الرأي التي رصدت انطباعات التونسيين فــي هذا الشأن.
تؤكد نتائج الانتخابات البلدية أخيرا، مرّة أخرى، التراجع الكبير فــي أحزاب الطبقة السياسية الحاكمة، فحزب النهضة الذي حلّ فــي المرتبة الأولى، وحصل عــلـى 498 ألف صوت (تراجع بنحو 450 ألف صوت) عـــن انتخابات 2014، بل إنّه خسر مليون صوت منذ انتخابات 2011. أمّا حزب نداء تونس، فقد حصل عــلـى 407 آلاف صوت (تراجع بنحو 870 ألف صوت) عـــن انتخابات 2014. وتعكس نتائج هذه المحطة الانتخابية نوعًا مــن العقاب الانتخابي مــن الشعب للحزبين الحاكمين فــي تونس، اللذين فشلا فــي إدارة حكم الـــبـلاد وتسيير شؤون العباد، وعجزا عـــن تحقيق وضع أفضل لانتظارات التونسيين، وكيف لهما أن ينجحا فــي الشأن المحلّي! كما تجسّد هذه النتائج حالة القطيعة بـيـن المواطنين والطبقة السياسية الحاكمة التي تداولت حكم الـــبـلاد، وبقيت فــي برجها العاجي، ولم تنجح ببرامجها وبرؤاها وبخطبائها فــي استقطاب المواطن الذي أصبح يئن تحت وطأة الفقر والتهميش، والمكتوي بنيران الأسعار، والمتخبط فــي الإحباط واليأس والتشاؤم، والمتخوف مــن المستقبل المجهول والمعلوم.
ستبقى المجالس البلدية التي ستفرزها هذه الانتخابات البلدية عاجزةً عـــن الحقيقي فــي واقع المواطنين التونسيين، لاعتباراتٍ عديدةٍ ذات علاقة بالجانب القانوني، وتحديدا مجلة الجماعات 
"مــن الضروري أن تدرك الأحزاب الحاكمة أنّ الديموقراطية فــي تونس لم تعد تجدي معها توفيقيةٌ باتت مستهلكة ومستنفدة"
المحلية التي لم تدخل بعد حيز النفاذ، وكذلك لاعتباراتٍ ذات علاقة بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وجميعها تعيش وضعا متأزما منذ سنة 2011، فالأحزاب السياسية الحاكمة، عــلـى الرغم مــن اجتماعاتها فــي قصر قرطاج، لم تقدم خريطة طريق واضحة لتجاوز الأزمـــة الاقتصادية والاجتماعية الرّاهنة ، لا سيما بلورة وثيقة قرطاج 2، تكون قادرةً عــلـى تقديم أجوبة عقلانية وواقعية بشأن منوال تنمية جديد غير خاضع بالكامل لاشتراطات اقتصاد السوق، وإملاءات صندوق النقد الدولي وشروطه التي غيّبت وفككت تدريجيا مقوّمات منظومة الدولة الوطنية مــن ناحية تقديم الخدمات الأساسية، وخصخصة مؤسسات القطاع العام، كما ألحقت ضررا فادحا بأقوى محرّك للدورة الاستهلاكية، أي الطبقة المتوسطة، أولاً. ومحاربة الفساد الذي ينخر كل مفاصل الدولة، وتحقيق النهوض بالفئات الضعيفة فــي مرحلةٍ اتسعت فيها رقعة الفقر، ومنها معضلة الصناديق الاجتماعية، وضرورة تفادي عجزها المالي، ثانيًا.
بعد هذه الانتخابات البلدية، مــن الضروري أن تدرك الأحزاب الحاكمة أنّ الديموقراطية فــي تونس لم تعد تجدي معها توفيقيةٌ باتت مستهلكة ومستنفدة، وأنّها لن تتبلور إلا عبر الـــصـــراع والتناقض، لا عبر توافق طوباوي مفترض، أو تسوياتٍ سياسيةٍ تعيد إنتاج المحاصصة الحزبية. وباتت القوى الديمقراطية التونسية فــي حاجة إلــى اجتراح مشروع مجتمعي جديد، وخارج عـــن الاستقطاب الثنائي (النهضة ونداء تونس) يكسر البنى التونسية التاريخية المتكلسة، ويمهد لفكر ديمقراطي جديد، وإنسان تونسي جديد.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (فــي نتائج الانتخابات التونسية) من موقع (العربي الجديد)"

السابق واشنطن وطهران تدخلان عــلـى خط التحالفات... ونتائج الانتخابات العراقية مهدّدة
التالى شاه مراي… أحد ركائز مــكـتـب فرانس برس فــي كابول وشاهد عــلـى حقبة مــن الاضطرابات