أخبار عاجلة
حجاج اليمن يتوجهون للمبيت بمزدلفة -

بعد القتل الذي جرى

بعد القتل الذي جرى
بعد القتل الذي جرى

الخميس 17 مايو 2018 02:17 صباحاً

- مفزعٌ جدا لإسرائيل، وهي التي تُصدّر أسلحةً ونظما عسكريةً إلــى الهند والصين، أن يفكّر اللاجئون الفلسطينون بالعودة إلــى وطنهم المحتل فــي العام 1948. لا مشكلة فــي أن يفكّروا بدولةٍ لهم عــلـى بعض . صحيحٌ أن التفاوض فــي هذه المسألة وحواشيها لم يصل إلــى شيء، منذ مؤتمر مدريد فــي العام 1991، غير أن شياطين التفاصيل هي التي أعاقت حسم هذا الملف. ونتذكّر أن إيهود باراك عرض عــلـى ياسر عرفات، فــي ضيافة بيل كلينتون فــي كامب ديفيد، عشيّة الانتفاضة الثانية، عودة نحو مائة ألفٍ مــن الفلسطينيين اللاجئين، وآخرين تاليا، فقبل عرفات ذلـك، عــلـى أن تكون الأولوية مــن اللاجئين فــي ، لكن رئـيـس الــحــكــومــة الإسرائيلية اشترط، فــي مقابل عرضه ذاك (السخيّ بحسب مفرداتٍ إسرائيليةٍ)، توقيع الزعيم الفلسطيني عــلـى اتفاقٍ يقرّ فيه بأن تعني عودة هؤلاء نهايةَ قضية اللاجئين كلها، وهو مـــا رفضه عرفات. .. وأن يتوزّع عشرات الجنود الإسرائيليين مـــســلــحــيـن برصاص وقنابل وفيرة عــلـى تلالٍ ترابيةٍ تشرف عــلـى قطاع ، فــي مواجهة مــــدنـيـيـن عزّل، أمرٌ يكشف أن تسلح هؤلاء المدنيين، وهم لاجئون، بفكرة العودة، ترتجّ منه إسرائيل التي صار رئـيـس حكومتها ومسؤولوها وسفراؤها فــي الـــعــالــم، ومنهم مندوبها الصفيق فــي الأمــم الـــمــتـحــدة، يشيعون فــي الـــعــالــم أن فائض الإنـســانـيـة لدى أولئك الجنود هو مـــا جعل عـــدد الفلسطينيين القتلى، يوم الاثنين الماضي، يزيد قليلا عـــن الستين، والمصابين أكثر مــن ألف، فقد كان فــي وسع منتسبي جيش الـــدفـــاع الإسرائيلي أولئك أن يقتلوا ويجرحوا أعدادا أكثر، فقد كانوا عــلـى مسافة قصيرة مــن "أهدافهم"، لكنهم لم يفعلوا (!). 


كان إرييل شارون يردّ عــلـى مــن يطالبونه بوقف بناء المستوطنات وتوسيع القائم منها بأنه ليس فــي وسعه أن يطلب مــن الأمهات الإسرائيليات أن يتوقّفن عـــن الحمل والإنجاب. بمثل ذلـك السّخف المعلن، يتبارى المتحدثون الإسرائيليون، ورفيقتهم، بل فــي طليعتهم ربما، مندوبة دونالد فــي الأمــم الـــمــتـحــدة، نيكي هيلي، فــي إشهار عنصريتهم، عندما يسترخصون حياة الفلسطيني، ويتحدّثون عـــن دفاع إسرائيل عـــن نفسها. وهذا فصيحٌ فــي "يديعوت أحرونوت" يبلغ منزلةً مــن الشطارة مبتكرةً ربما، عندما كتب أن مــن أسباب فقدان الفلسطينيين القتلى، نهار يوم الاثنين الماضي، حياتَهم تنمية وكــــالــة الغوث وهم العودة لديهم.
وأمام تأصّل التوحش فــي بنية العقل الإسرائيلي، وأمام عدم قدرة هذا العقل الحاكم فــي بنية الدولة التي أقامها بطرد أهل الأرض مــن وطنهم، وبالفتك والتهجير، عــلـى استساغة فكرة عودة فلسطيني مــن مطرح لجوئه إلــى بلده، يصبح صراع الفلسطينيين مـــع إسرائيل عويصا وشديد الصعوبة، وبالغ الكلفة. وتصبح هذه الرتابة الفلكلورية التي يزاولها النظام الـــعــربـي، عندما يتداعى وزراء ومندوبون منه إلــى اجتماعاتٍ (طارئة!) بائسةٍ، تصنّعا لا يكترثُ به أحد. وتصير كذلك المؤتمرات الكبرى والصغرى، فــي اسطنبول وغيرها، فضاءً للكلام الذي لا يصل شيءٌ منه إلــى أسماع أي جـــنـديٍّ إسرائيليٍّ مــن المستنفرين عــلـى تلال الرمل قبالة الغزّيين المنكشفين. ولا تزيّد فــي القول هنا إن العصابة الحاكمة فــي دولة الاحتلال ترى فــي اكتفاء الأنظمة العربية والإسلامية بمهرجانات الكلام المعلومة المفردات ترخيصا لها باستئناف القتل أنّى شاءت، وكما شاءت. يدلّ عــلـى صحة قولٍ كهذا أن جيش الـــحــرب الإسرائيلي لم يكن، فــي وجبة القتل التي زاولها الأسبوع الجاري، يجري تمرينا أول مــن نوعه، وإنما كان يرتكب مـــا اعتاد أن يرتكبه، فثمّة مذابحُ واعتداءاتٌ بلا عـــدد سقط فــي غضونها فلسطينيون بلا عـــدد، فــي قطاع غزة وغيره، وتنوعت فــي كل مرة ذرائعها.
يجوز أن يجهر واحدنا بالسؤال العسير: مـــا العمل، إن كان مـــجـــلـــس الأمـــن مخطوفا، وإن كانت إسرائيل لم تحترم يوما أي قـــرار للأمم المتحدة؟ وكل المشروعية والوجاهة لأسئلةٍ أخرى تخصّ الـــمــقــاومــة الفلسطينية وحركاتها وتشكيلاتها، فــي قطاع غزة خصوصا: أما مــن صيغٍ أخرى للفعل المدني الفلسطيني الاحتجاجي، وللكفاح الأهلي، غير الذي لا تعبأ فــي غضونه إسرائيل بأرواح فلسطينيين عديدين، لكلّ واحدٍ منهم أهلٌ وناسٌ وأصدقاء؟ أليس فــي الوسع أن يحمي الفلسطينيون أرواحهم وأبدانهم مــن الوحش الإسرائيلي، مـــا أمكن لهم ذلـك، وهم يؤكّدون عــلـى حقهم فــي العودة، وكسر الحصار عنهم فــي قطاع غزة؟ أسئلةٌ مكشوفةٌ تؤشّر عــلـى عجزٍ مهول، وحيرةٍ عظيمة، ومتاهةٍ مريعة، وحالةٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ راهنةٍ بلا أفق، ولا مسار... .

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (بعد القتل الذي جرى) من موقع (العربي الجديد)"

التالى قدم: فوز قاتل لقاسم باشا فــي الدوري التركي