أخبار عاجلة
منظمو مونديال 2022: ندرس جدوى مشاركة 48 منتخبا -
مفاجآت بالتشكيل المثالي لكأس الـــعــالــم 2018 -
بسبب الملل.. مدرب أيسلندا يعلن استقالته -
روسيا قد تنشئ محطة فضاء قريبة مــن القمر -

فسيفساء الذاكرة الجماعيّة بـيـن الالتزام الوطنيّ والانتماء الكونيّ

فسيفساء الذاكرة الجماعيّة بـيـن الالتزام الوطنيّ والانتماء الكونيّ
فسيفساء الذاكرة الجماعيّة بـيـن الالتزام الوطنيّ والانتماء الكونيّ

الأحد 1 يوليو 2018 12:14 صباحاً

- لطالما كانت أمُّ الجراح الـــعــربـيّة، جرحاً نازفاً فــي خاصرة العرب منذ سبعين سنة، وها هو الشرق منبع الحضارة القديمة يصبح ببساطة مدفناً لأبنائه ومحرقة لشهدائه وأحراره وشاهداً عــلـى حضارة تندثر إلــى غير رجعة.
فهل يخرس الأدب أمام هذه الأهوال؟ أم يتحرّك ليقصّ صورة الشقاء المتنقّل الذي شرّد كثيرين، وغرّب أجيالاً مازالت ترزح تحت وطأة النزوح والضياع؟؟ وهل عــلـى الأديب أن يتناسى مرارة الواقع فينام عــلـى وسادة الأحلام الورديّة، وينسى مهمّته الأساسيّة وهي أن يكون لسان حال الإنـســـان ومعاناته، وماذا يقول لأولاد الوطن؟ هل يستسلم ويسلّمهم وطناً وهميّاً بلا أرض ولا ماء ولا سماء؟ إلــى ٍ شبحٍ بلا هويّةٍ؟
لا غرابة أن يطلع مــن رحم المعاناة أديب وفـــيّ يعزّ عليه أن يسكت عـــن الظلم وينضمّ إلــى موكب الأدباء الملتزمين، مــن أدباء الـــمــقــاومــة الفلسطينيّة، إنه مروان عبد العال فــي روايته» الزعتر الأخير» الذي وثّق بغنائيّة عالية مراحل محو الهويّة الفلسطينيّة، وتأبّط الذاكرة الجماعيّة والتزم قضيّة وطن سليب، مـــا زال يبحث عـــن بصمة بعدما أحرقت أصابع المقاومين وجرفت جثثهم جرّافات التعتيم الإعلاميّ لترمي بهم فــي جوف حوت التاريخ الأبكم.
احتضن عبد العال فــي روايته الوقائع التاريخيّة، ليصوّر همجيّة رافقت الإنـســـان بدءاً مــن معركة قابيل الشرّ أمام هابيل الخير، مركّزاً عــلـى تاريخ الكائن الـــعــربـيّ الذي يتجرّع كؤوس السمّ، فيقصّ لنا حكاية وجع الـــعــربـيّ فــي مأساة استمرّت منذ ألقت الـــحــرب العالميّة الثانية أوزارها وجلبت مــن الغرب مـــا جرفته آلتهم الحربيّة مــن شرور، والرواية عــلـى نفحتها الفلسفيّة ولمستها الشعريّة هي وثيقة تاريخيّة واجتماعيّة تصف النكبات التي حلّت بالفلسطينيّين، عبر لوحات وحشيّة واقعيّة  مــن مجازر وتهجير وقتل وسلب وحروب وظلم وقهرٌ، فــي تأطير أسطوريّ لمنمنمات فسيفسائيّة تعرّض لها الفلسطينيّ منذ تهجيره واقتلاعه مــن جذوره، لذلك تحكم القبضة الروائيّة بشخصيّاتها المعانية الشاردة فــي أنحاء المعمورة، كما تيس الماعز فــي البراري- الذي شاء الكاتب تسميته زعتر- فكلّ الوطن زعتر: النبت والحيوان والإنسان فــي وحدةٍ متآلفةٍ تنتجها أرض الزعتر «فلسطين». تعاني معارك الشرّ النشط التي لا تنتهي، مـــع الخير الساكن: عارضاً صورة التناقض بـيـن شرٍّ غربيٍّ فاعل مقابلَ خيرٍ ساكنٍ ومنفعل، يتلقّى الضربة تلو الأخرى وكأنّه عاجزٌ عـــن دفعها بلغةٍ لا تخلو مــن الشاعريّة خطّ العرب نتفاً مــن ذكريات متناثرة خبّأها الزمان مــن نكبة 1948 إلــى نكسة 1976، إلــى الـــحــرب فــي إلــى تل الزعتر فــي الـــحــرب الأهليّة 1975، لتتوالى التسميات المهينة التي لحقت بالفلسطينيّ باحثاً فــي سراديب الذاكرة عـــن هويّةٍ مشرّدة  فــي الشتات، بعدما كان جزءاً مــن زعتر الأرض وزعتر الماشية وزعتر المكان حينما كانت ثقافة الرعي هي السائدة.
بداية الرواية عمائيّة تذكّرنا بأساطير الخلق حينما هبط آدم الأرض وزوجه، فوجد نفسه جزءاً مــن الطبيعة الوحشيّة مصدر الخير والعطاء ومصدر الشرّ والشقاء، يقول: «تقتحمني اللحظات الوحشيّة» (ص41) فندخل معه زمن الرعي حين قاد حيواناته الأليفة، ليسوسها إلــى حيثما تشتهي، ويتماهى معها فيتناسى هموم الكون. مـــع هذه البداية الهادئة تقمّص الكاتب شخصية الراعي الذي يعيش براحة نسبيّة وفقر شديد، ليكتب أرشيف طفلٍ عايش الهجرة القسريّة، ويسجّل هدأة الأمان الظاهر، مدوّناً لحظات سرديّة استرجاعيّة بعدما لفظه القدر عــلـى ضفاف بلدٍ شقيق، ليعاني أزمـــة فقدان الجذور، يقول: «أيّا الزعتر لا يوجد شقاء أخير، فأنت فــي تجربة مستمرّة لاكتشاف قدرتك عــلـى التحمّل»(ص41).
والكاتب مـــع التزامه الوطنيّ بدا وكأنّه لم يهتمّ ببنية الرواية المعهودة مــن تكوين شخصيّات أساسيّة وأخرى ثانويّة والعمل عــلـى تصعيد المشاهد إلّا لماماً، بل عمد إلــى تقسيمها إلــى هيولى شخصيّات حالمة وأخرى معتدية متوكّئاً عــلـى نفحة شعريّة لإشعال النصّ عاطفيّاً، وعلى الوقفات الفلسفيّة لإشعاله فكريّاً، فــي بنية روائيّة مسطّحة، ركّزت عــلـى استعطاف القارئ وتوجيه انتباهه نحو النزاع التاريخيّ بـيـن الخير والشرّ الذي خفت ومع التقدّم فــي الرواية لترسو أخيراً عــلـى شبه استسلام مبطّنٍ بشيءٍ مــن رفضٍ مقنّع وثورة مكبوتة، فــي شـــرقٍ واهٍ كان يحكمه انتدابٌ غربيٌ وضع الأسس لمستقبلٍ يضمن مصالحه، التي وجدها فــي تسليم فلسطين إلــى أغراب اتّبعوا استراتيجيّة والترويع لتشريد شعبها فــي أطراف المعمورة.
بعد أن هجرته الأمكنة واقتلع البطل مــن أرضه، تمسّك الكاتب بما شعّ مــن فسيفساء الذاكرة ليكون صاعقاً فجّر حلم العودة واستنجد بذاكرة الجماعة لتكون الخرطوشة الأخيرة فــي معركة تحقيق الحلم فــي ظلّ تشرّدٍ عانى منه الأمرّين، وحضور مهدّد بالامّحاء والذوبان فــي مجتمعاتٍ جديدة بحثاً عـــن لقمة العيش وأملاً فــي تأمين مستقبل للأجيال القادمة مبنيٍّ عــلـى أرض الواقع وإن كان جافّاً، لا فــي فيافي الأحلام، وإن كانت جناناً. لذلك بدت هذه الذاكرة وكأنّها صرخة رفضٍ ضدّ خطر الذوبان والغربة الداهمة، «فعندما تكون ذاكرتك حصينة لا تشعر بالغربة»(ص99) فهل الذاكرة نعمة أم نقمة؟
يبدو أنّ عبد العال فضّل أن يكون لسان الفلسطينيين قبل أن يصابوا بذاكرتهم الجماعيّة، فراح فــي روايته يستنطق لحظات ثمينة محفوظة فــي ردهات الذاكرة، ويتقمّص رجالات الأمس مــن الجرحى والقتلى جرّاء الاحتلال الإسرائيلي، يصوّر بمرارة أبطال الماضي مــن الأطفال الذين أحرقوا وشوّهوا ورميت أجسادهم بـيـن الجثث، ليرسم مسارات النزوح الفلسطيني ّان النكبة، مسطّراً حال السكّان وأغلبهم مــن الفلّاحين والرعاة المعتمدين عــلـى أرضهم وطبيعة بلادهم المعطاء لتكون باب رزقهم، فيؤرّخ لبطولات ويسجّل مدوّنات مــن النكسات المتتالية كادت تدخل طيّ النسيان، قائلاً: «عدت لأحفر فــي التاريخ لا لكي أدفنه»(ص42) ويستعين بذلك بذاكرة الجماعة قبل أن ترحل إلــى غير رجعة، عــلـى أمل أن يتبيّن مــن خلال تسجيلاته لذاكرة فلسطين الخيط الأبيض مــن الأسود، فيظهر الحليف مــن العدوّ، فهل ينبت مــن الزعتر الأخير زعترٌ آخر؟
فلسطين هي نقطة الارتكاز الوائيّة مـــع تلميع صورة الأنا عــلـى التفاعل مـــع ماضيها عبر لملمة شتات الذاكرة، ورفض سلطة الواقع والحلم المحروق بالعودة. إنّها الذاكرة فــي محاولة للملمة شتاتها وبناء مشاهد مــن فيلم العودة المنتظر، مثلما يعتمد الطبيب النفسيّ فــي علاجه عــلـى أسلوب التداعي الحرّ للذكريات المطمورة بعناية، فيساعد بأسئلته المركّزة عــلـى أن تطفو مــن جديد فيتحرّر المريض مــن وطأتها، كذلك استقرأ عبد العال الذاكرة الجماعيّة ليحرّر قومه ويساعدهم عــلـى تزفيت حلم العودة ورسم خارطته عبر استقراء الذاكرة المعتمة المشوّهة والمشوّشة جرّاء التشرّد. وعدوّه فــي ذلـك اثنان: الزمن والغرب، الأوّل خفيٌّ لا يأبه لتشرّده وضياعه ولا يفقه عذابه، والعدو الثاني هو الغرب الذي مهّد لهذا الظلم وغضّ الطرف عـــن جرائم النزوح العنصريّ والإقليميّ، وسلّم الصهاينة أرضاً غالية تكفيراً عـــن ذنوبٍ ارتكبها، وأسّس للوباء القاتل الذي استوطن أرض العرب ليحقّق أحلامه بأرض الميعاد ويسلخ أحلام أهلها بالأمان.
وكأنّنا فــي حضرة هذه الرواية فــي غمرة استرجاع لكينونة الإنـســـان الذي تناسى أصله، أو قل فــي حفل استرجاعٍ للانتماء الكونيّ، فجاءت لتطارد ذاكرتنا المطموسة، ولم تتوقّف عند الاسترجاع الذاكريّ القريب، بل للتذكير بالماضي الإنسانيّ المشرّد حديثاً فــي أصقاع متطلّبات حضاريّة باستطاعتنا ببساطة التخلّي عـــن معظمها، فالكماليّات قد تحوّلت إلــى ضروريّات وبتنا أسرى لمتطلّبات مستحدثة تكبّلنا أكثر ممّا تحرّرنا، وتحجزنا أكثر ممّا تطلق سراحنا وتبهجنا، وطمرت الحقيقة عـــن أعيننا ونسي ابن آدم أصله مــن أديم الأرض واحتقر حيوانات سخّرها الخالق لخدمته، وراح يطالب بالأخذ متناسياً العطاء.
لقد وظّف عبد العال روايته لخدمة إيقاعين: إيقاعٌ وطنيّ وآخر إنسانيّ كونيّ، فــي خشونة قد تصدم القارئ فتهزّه مــن سباته، ليتنبّه إلــى حميميّة العلاقة المنسيّة مـــع الطبيعة وكائناتها، وكأنّ الكاتب فــي رحلة استعادة حلم العودة، قد حمله يراعه إلــى العودة إلــى زمن البراءة الأولى، زمن العماء. فلماذا التركيز عليه وقد استحوذ القسم الأكبر مــن «الزعتر الأخير»؟ أهو لتذكير حضارة الغرب بالماضي وأخذ العبرة؟ أم هو رسالة شرقيّة موجّهة للغرب الصاعد والمنهمك بحماسه لاحتواء الـــعــالــم؟ أم أنّ عبد العال أراد أن يرشق الجميع بكمشة زعتر لعلّ عطرها الأخّاذ يدفعهم إلــى الاستيقاظ ورؤية الأمور مــن منظورٍ غير نفعيّ، فما مــن حضارة سادت إلّا بادت، ولن تبقى سيادة الكون بيد شعبٍ واحد، وسرعان مـــا يختطف المشعل شعبٌ آخر وفق المفهوم الخلدونيّ، وعلى أمل ألّا يكون الزعتر الأخير الصرخة الأخيرة قبل أن يضيع الأمل فــي تحقيق حلم العودة ويتبخّر وتتغبّش صورته وتصبح ملحمة الزعتر طيف ذكرى يلفّها الضباب.

مروان عبد العال: «الزعتر الأخير»
دار الفارابي، بيروت 2017
294 صفحة.

فسيفساء الذاكرة الجماعيّة بـيـن الالتزام الوطنيّ والانتماء الكونيّ
«الزعتر الأخير» رواية الفلسطيني مروان عبد العال:
د. هلا الحلبي

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (فسيفساء الذاكرة الجماعيّة بـيـن الالتزام الوطنيّ والانتماء الكونيّ) من موقع (القدس العربي)

السابق ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى
التالى ترامب يقع ضحية مقلب مــن ممثل كوميدي