أخبار عاجلة
موسكو: مستعدون لتنفيذ مخرجات قمة هلسنكي -
كيف سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الحج؟ (فيديو) -

«سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام

«سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام
«سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام

الأحد 1 يوليو 2018 12:14 صباحاً

- «مــن شأن الأفكار الغريبة أن ترمي حجرا فــي المياه الراكدة».
انطلاقا مــن العبارة السابقة، تحضر فكرة الغاليري الذي يبنيه سراج، فــي مـــديـنـة عمان، وفـــي جبل اللويبدة تحديدا بعد عودته إليها قادما مــن إثر حادثة تفجير البرجين 2001. ويبدو أنه اختار هذا البناء رغبة منه فــي مجابهة هذه الهندسة المعمارية الشرهة التي أصابت عمان. أما أن يتخذ الغاليري شكل امرأة «فلأن الـــمــديـنـة لا يمكن أن تنمو دون حرية نسائها أو دون شرفات تسقي النساء فيها الورد». وحين يتخصص كل طابق فــي الغاليري للتعبير عـــن حاسة مـــا، فلأن الرواية أرادت أن تطرح الأسئلة التالية: هل بإمكاننا النجاة مــن الخراب المحيط بنا باستخدام الحواس؟ إلــى أي حد يمكن أن تكون حواسنا ضوءا فــي حقل مظلم نعيش فيه؟ هل بإمكاننا مواجهة وحوش الزمن الجديد بالفنون التي تعبر عـــن حواسنا؟
بطل الرواية الآنف الذكر سراج، مــن مواليد عام 1970، كان أبوه قد رسم صورة استثنائية للوطن، لكنها بدأت بالتداعي شيئا فشيئا، ففي العام الذي ولد فيه سراج أصيب الأب برصاصة حالت بينه وبين الإنجاب مرة أخرى. لنبقى فــي إطار سلسلة مــن الخيبات، يبدو أن ثلة مــن الرجال الذين يخونون الوطن هم أول مــن يتحمل مسؤوليتها، ذلـك أنهم مـــا فتئوا يحملون الأفكار الكبرى ومن ثم يتراجعون عنها لصالح صفقات تدر عليهم الربح، يستمدون قوتهم مــن بشر يمكن بسهولة شراء ذممهم، ولا أدل عــلـى هذه المعادلة مــن بطل هذا الفساد سليمان الطالع، ولكأنه الطالع السيء الذي رافق سراج منذ الطفولة حين ضربه ابنه وهو طالب فــي المدرسة، وظل هذا الطالع يلاحقه حين تسبب فــي دخول أبيه للسجن ومن ثم وفاته، ليأتي الأسوأ بعدها حين يكون سببا فــي انتزاع امرأته وحبيبته منه.
وإذ يختار النص السردي صيغة المذكرات، فإنه يثبت أكثر مــن مرة أن نار الذاكرة لا تخبو، وأنها تختبئ فقط وتستريح ألسنتها، أما نهضتها فمجنونة. ومع هذه الصيغة تحضر أكثر مــن امرأة؛ الأولى زوجة سراج ريفال، التي خانته مـــع الرجل المتنفذ سليمان كي تصل الثانية وداد، ربة بيته التي تحبه. الثالثة كندة، وهي زوجة لصحافي انقلب عــلـى مبادئه وأصبح مستشارا إعلاميا لسليمان مــن أجل المال، الرابعة المغنية سوار، التي تقيم علاقات غير مشروعة انتقاما مــن زوجها. وأخيرا الخامسة غادة، أم أحد الأطفال الذي كان يبيع المحارم عــلـى الطرقات، والذي يشبه سراج فــي حب الرسم وفـــي كثير مما يتعلق بحواسه. الرواية إذن تضعنا أمام عالم النساء الذي يموج بالأحاسيس والعذابات الإنـســانـيـة المتنوعة التي يكون الرجل سببا فيها، كل واحدة تحكي قصتها التي تعيننا عــلـى معاينة الـــمــديـنـة وفقا لعبارة «إذا أردنا أن نعاين مـــديـنـة لا بد أن نعرف كيف تعيش النساء فيها».
فــي هذا السياق وعلى الرغم مما ذكرت سابقا، فإني لا أخفي إحساسي بقدر مــن نرجسية ذكورية فــي علاقة سراج مـــع كل النساء اللواتي التقى بهن، بل وانتابني شعور فــي لحظات معينة أنني أمام عملية كتابة جديدة لتاريخ شهريار، خصوصا حين لاح لي أنه كان يرى فــي وجه كل امرأة يلتقيها وجها أضاعه، لدرجة أن ملامح هؤلاء النساء كانت تختلط بملامح امرأة سراج التي خانته. «كلكن تحملن الصفات نفسها». مــن هنا حضرت المرأة الشهوانية، وتلك التي تجري وراء الشهرة والمال. مــن هنا أيضا وقفنا عــلـى خيانات تعددت أسبابها، فلدينا تلك التي تخون ردا عــلـى خيانة زوجها لها، أو تلك التي تخون لأن زوجها لم يتقبلها أن تكون فنانة وسخر منها، وأخرى لأنها غير مشبعة جنسيا، حتى كاتبة القصص التي تتحدث مـــع سراج عبر التشات كانت خائنة، وبالمثل فإن مديرة المنزل تخونه مـــع حارس القصر. مــن هنا يحضر الثعلب مرارا وتكرارا فــي الرواية رديفا لفعل المكر والخيانة غير المنفصلة عـــن الشخصية الميكافيللية، ومعها لا يعدم الخائن تبريرا لخيانته، كما هو منطق الـــسـيـاسـي الذي يخون وطنه ويتنطع بحبه.
مـــع هذا التكرار لفعل الخيانة يصبح بإمكان القارئ تلمس حالة رمزية تحضر فيها الـــمــديـنـة كما الحبيبة التي يمد متنفذ يده إليها ويسرقها، وكما إن الخيانة العاطفية فساد، فكذلك الخيانة السياسية. وفـــي كلتيهما وجع يصيبنا حين نشعر بأياد تتسلل لتعلن فينا الانهيار «مؤلم أن تحس بأن النهر الذي كنت تعول عــلـى جريانه الأبدي ينقطع مرة واحدة». يبقى لافتا أن الرواية وإن كانت تدين فعل الخيانة، إلا أنها تفتح بابا للتسامح حين أعطتنا علامات بأن الوقوع فــي غرام عمان، واقع لا يمكن التخلص منه، كما وقوع سراج فــي غرام ريفال التي خانته. علما أن الخيانة بغض النظر عـــن مصدرها (الـــمــديـنـة أو المعشوقة) يقف وراءها رجـــال نهبوها يكونون أول مــن يغادرها حين تتعرض للخراب. مـــا تقوله الرواية أننا لو أعجبتنا مدن أخرى فإننا لا نقع إلا فــي غرام مـــديـنـة واحدة، وكذلك بالنسبة للمرأة، وفـــي الحالتين لا نملك إلا أن نسامح، لذلك فمهما غبنا عـــن الوطن، فإننا عائدون إليه رغم أشجار تحترق، عــلـى أمل أن تطفئ الجذوع شيئا مــن هذه النار. لكن لا ننسى مـــا تقوله الرواية نفسها مــن «أن الثعلب لو رأى وجه الصياد وهو يحمل بندقيته سيهرب».
مـــا يهمنا مــن ناحية أدبية وفنية أن الرواية إذ ترتكز عــلـى الحدث، فإنها لا تهمل اللغة الأدبية، لذلك وجدناها تستدعي محسوسات لا تنتمي إلــى طبيعتها العضوية أو حتى طبيعتها الفيزيائية، وبالتالي يصبح بإمكاننا متابعة سلسلة مــن الانحرافات أو الانزياحات التي تخرج الدال عـــن مدلوله المادي المباشر إلــى آخر يدخل فــي إطار الوظيفة الفنية الجمالية. وعليه فإن الأنف يشتم رائحة الحب والحزن والخوف والفرح والكذب، والعين ترى «دمعة تختبئ وراء ابتسامة عريضة، فتصاب بحيرة تخلفها تلك الابتسامة، وهي تعاند دمعة تنفح فــي ناي الأسى». ومما يلفتك هنا أن الحواس كلها تتعاون وتتعالق مـــع بعضها البعض «السمع ليس هنا فــي الأذن، ولا فــي أجزائها الــداخــلـيـة فقط، إنه جهد كل أعضاء الجسد وتآلفها مـــع بعضها لتنجز هذه المهمة». مــن هذا الباب كان للأصوات ملمس الحرير، والعطر يتحول مقطوعة موسيقية. وفـــي هذا تعزيز لفكرة أن الأشياء فــي جوهرها متشابهة وهي تحدث فــي النفس انفعالات متشابهة؛ مــن هذا الباب كانت حركة الأشجار والورود توحي بتدفق موسيقي لا يمكن لأحد ان يسمعه سوى مــن يراقب الأشياء عبر روحه.
لا يفوتنا ملاحظة مـــا تضمه الرواية مــن تشخيص ترتفع فيه الأشياء إلــى مرتبة الإنـســـان مستعيرة صفاته ومشاعره، ومن هذا الباب نرى «العطر مهرا أبيض يركض فــي مرج أخضر». وكذلك استحالت لوحة السقف «سكاكين تهبط عــلـى صدر سراج». ولا غرابة إذ تتعالق رائحة زهر البرتقال والرمان والليمون بصوت البيانو، أو عبق العود والمسك وخشب الأرز بصوت تشيللو، وكثيرا مـــا تستخدم الرواية المكان بديكوراته المكانية ليلعب دور المنبه المثير لحواس الشخصيات ومن ثم لحركتها النفسية الــداخــلـيـة. كما حين نشم فــي المكان رائحة عطر تجعل المخيلة تذهب باتجاه شخص بعينه. ونجد فــي الرواية مـــا يدلل عــلـى أن قوة الحواس مــن ضعفها هي مفتاح للشخصية تدلل عليها، كما حين ظهر سراج ضعيفا بالتوازي مـــع فقده لحواسه، «يضغط عــلـى مفاتيح البيانو فلا يسمع صوته. تسقط زجاجة العطر فلا يشم أي رائحة. يفقد رائحة التذوق».
مــن بـيـن مـــا يذكر عـــن الرواية أنها تحمل إيقاعا بوليسيا، بمعنى أنها تستثمر مكونات الرواية البوليسية أو الحبكة البوليسية مــن دون أن تكون قصة بوليسية كما حددها منظرو هذا الجنس الأدبي. وحتى دون نية كتابتها. ومن خلال هذه الحبكة سعت للتعبير عـــن أسئلة وتناقضات المجتمع والتعقيدات المرتبطة بالحياة. مــن هذا الباب تابعنا سفاح عمان واختفاء النساء وتوالي الأحداث الملغزة التي رافقتها عمليات مطاردة مــن الشرطة، بما يرفع مــن عنصر التشويق الذي يحضر بالمثل ونحن نستقبل الشخصية الأولى فــي الرواية، بكل مـــا يكتنفها مــن أسرار، وبالذات تلك المتعلقة بأسرار ثروته. كذلك يحضر المكان غير بعيد عـــن الغموض الذي لمسناه فــي البطل؛ فلدينا
(القصر والممر الذي يضم ست غرف لا يدخلها غير سراج والتي تضم زجاجات عطر نسائي. كل يوم جمعة يأوي إلــى واحدة منها). ويلفتك فــي هذا السياق عملية ربط التحليل النفسي بالمحكي البوليسي، لكن وللحق هنا، فإن عودة النساء المفاجئ فــي النهايات لم تجد مـــا يبررها عــلـى الصعيد النفسي ذاته الذي اختطته الرواية، وترك فجوة مـــا فيها.
يبقى أن الرواية، وإن كانت قد انتهت بلحظات تراجيدية واكبت فعل التفجير الإرهابي، فظني أنها تريد أن تقول إن الـــعــالــم ربما يتهاوى فــي لحظة واحدة، دون أن نكون قادرين عــلـى فعل أي شيء، وأن الأحلام فــي المدن مــن الممكن أن تموت بتأثير مــن أيد خفية تعمل عــلـى اختطافها وإعادتها جثثا هامدة. وظني أن «سيدة الحواس الخمس» رغم هذا الاحتفاء الكبير بالحواس تفاجئنا بالتشكيك فيها، لتظهر وكأنها خدعة، لذلك ينهار الغاليري بكل محمولاته الجميلة.

جلال برجس: «سيدة الحواس الخمس»
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2017
400  صفحة.

«سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام

د. رزان إبراهيم

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر («سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام) من موقع (القدس العربي)

السابق بوغدانوف للتلفزيون العبريّ: لن ننقل سفارتنا للقدس وصفقة القرن ستفشل والتواجد الإيرانيّ بسوريّة يهدف للقضاء عــلـى الإرهاب والكيميائيّ مسرحيّةً ممجوجةً
التالى أوباما يحذّر مــن “أوقات غريبة وغامضة” فــي حفل تكريمي لمانديلا فــي جــــنـوب أفريقيا -(فيديو)