أخبار عاجلة
موسكو: مستعدون لتنفيذ مخرجات قمة هلسنكي -
كيف سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الحج؟ (فيديو) -

خصوصية اللون وعموم المعنى فــي أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني

خصوصية اللون وعموم المعنى فــي أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني
خصوصية اللون وعموم المعنى فــي أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني

الأحد 1 يوليو 2018 12:14 صباحاً

- تتفاعل الذات المبدعة مـــع الواقع فــي عنفوان هدوئه الصاخب بالمعاني، لترتسم عــلـى اللوحة بلغة اللون واشتقاقاته وانشقاقه عـــن الهوية وصراعاتها وانصراعاتها فــي احترابات تاريخ الإنـســانـيـة الذي شكل بإشكالاته مادة تعبيرية فنية مؤرخة لقصة الإنـســـان بجمال عنفه وعنف جماله. فليس الإبداع التشكيلي بأقل قدرة عــلـى اختراق عتم الظواهر ومبهماتها ليقدم لنا رؤى جمالية تصيح بمضمون القضية فــي مراتع لذة النظر وسرور التعبير.
كل هذا وغيره يتجلى بوضوح فــي أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني التي ينزع الانطباع لديها إلــى الغوص فــي أعماق العوالم حيث تندس سرائرها، أين تستخرج بريشتها جميل مـــا شكلته مــن صيد الخيال السابح فــي ملكوت الجمال، عبرت فيه عـــن صرخة الأنثى عــلـى أرض صهباء عطشى مــن سيل ظل المرأة، فجل الأعمال تتبدى فيها رغبة الحضور وانزياح الغياب الذي سببه اكتساح صوت الذكورة فــي منافي الثقافة العربية بأرضها وزمنها لكل مرافئ الإبداع.
شمس صهباني، التي تجمع فــي تكوينها المعرفي والفني بـيـن لغتي الفن الأدبية منها اهتماما والتشكيلية ممارسة، تشرق بحر ألوانها فــي سماء التشكيل الـــعــربـي والمغاربي لتضيء محفل القضايا وبطول إشعاعها الإبداعي لتطل بضيائه هناك عــلـى الضفاف القصية خلف البحار، أين تقفز الريشة فــي ممشى تطور فلسفتها بشكل جنوني يوما بعد يوم فــي التزام تام مـــع تطور نسق المعرفة الفنية ، تلامس كل القضايا المؤجلة حلحلتها أو حتى خلخلتها بسبب سيادة المسكوت عنه أو المعبر عنه باحتشام فــي وعائنا الثقافي الخاص، وهذا بصوت الأولين الأعنف والأغزى للرؤية وللتأمل، لكن بلمسات فنية تذيب صخر اللون فينساب ناعما فــي أخيلة التأويل والتذوق للمتلقي. فكل التشظيات الشكلية تلبس فــي لوحات شمس، القتامة اللونية بتكثيف متقصد فــي المركز، فــي حين تغدو منفرجة، خافتة فــي الأطراف فــي سلاسة تعبيرية تغري بالتماهي أو حتى التناهي إلــى عمق ومركز اللوحة وبؤرة لونها الحار!
ومن دون إسفاف أو إسراف فــي محاولة تفسير ذلـك الافراط الملاحظ فــي استعمال الألوان الحارة للتعبير فنيا عـــن مكنونات الذات المخاطبة والمسائلة لفلسفة الواقع وواقع الفلسفة، وإحالة ذلـك للتكوين النفسي للمبدع، وفق مـــا يمليه المنهج النقدي النفسي، حيث كثيرا مـــا يشطط فــي تقييم الأعمال الفنية وملازم ذات المبدع بموضوعاته قسرا، فإن طبيعة مجتمع النشأة وبناه الثقافية ومنظومته المجتمعية والسياسية، لا بد وأن تترسب كمعيار ومعطى معرفي فــي التكلم فنا عــلـى سطح الإبداع. شمس صهباني لا تشكل الاستثناء، فكل تعبيراتها هي صدى مرئي بدوي القتامة وانسيابية اللون عــلـى اللوح المعروض فــي أكثر مــن قاعة للعرض.
ليست تختزل معاناة الأنثى الشرقية فــي دهاليز الهامش حيث الصوت الصائح والنائح يرى ولا يسمع، فهي تعيد وفق لعبة الألوان بشظايا أشكالها لملمة أجزاء الهوية المنشطرة التي شكلت بانشطارها حالة اغتراب للإنسان تستلزم عنف الجمال أحيانا منه عنف اللون كي يصحو وعيه فــي جمالية تراتبية الحضارة وترتيب أشياءها وما يشيع منه مــن انبهار، الجمال الحار هو أبرز آلية للتعبير عـــن القضية عندما تغرب الذات وتسقط شمسها فــي حمأة الغربة داخل الديار خـــاصـــة.
وعلى الرغم مــن أولوية الانتماء بلا مواربة للمدرسة الكونية والاندراج فــي الخطاب التشكيلي الإنساني، الذي تؤكد عليه مــن خلال إنتاجها، فإن ثمة أيضا حضور صارخ للون البيئة الشعبية بل والإبداعية أيضا لشمس الصهباني، وهو مـــا يؤكد النزوع التلقائي الفطري إلــى عبقرية المكان، وقيمة أشيائه التاريخية فــي التعبير عـــن الذات الفنية والملكة الجمالية الموروثة بتلقائية الانتماء والتنشئة، الأمر يتعلق هنا بخصيصة الاختيار والتوزيع اللوني الذي تنزع إليه الهوية الأمازيغية حين تروم الارتسام المادي والانصرام مــن فراغات التهميش الذي عادة مـــا تلاقيه وســـط تقاطع الثقافات الحية وتفاعلها الجدلية والمتواصلة فــي الحظيرة الفنية المغاربية، الأولون فــي التعبير الفني عبر كل أجناس الفن لها خصوصيتها بل وقدسيتها، مـــا جعلها ترتبط ارتباطا وثيقا بالهوية وتغدو تعبيرا دلاليا متصلا بكل الأحقاب عليها، وربما مــن حيث تدري شمس صهباني أو لا تدري، غاصت ريشتها فــي حض هاته الألوان الخاصة أكثر مما غاصت فــي باقي الأحواض الأخرى المعبرة عـــن ثقافات الزمان والمكان لقومها.
تؤكد صهباني أن «الانتماء إلــى الثقافة الخاصة ليس يصادم فــي مسار توظيفه الإبداعي، ولا ينبغي له ذلـك، الثقافة الإنـســانـيـة، بل يُستلزم أن يكون رافدا يصب فــي المصب الإنساني الكبير والأعم، حتى وإن كانت النزعة للخاص طاغية عــلـى الخطاب الفني للمبدع، ذلـك لأن أي عالمية أو إنسانية إنما تتفتق مــن الأماكن الضيقة والخاصة لا سيما فــي هوامش الحضر والمدن الصاخبة بخرس الليل وضجيج النهار».
لذا فهي تحمل معها فــي كل غاليريات الـــعــالــم التي حفلت بعرض لوحاتها، صوت الثقافة المغاربية والعربية لا مــن حيث خصوصيتها بل مــن حيث كونها رمقا إنسانيا نابض الحيوية، يروم بلوغ الأفق الكلياني العام حيث يكتمل الإنـســـان بذاته بوصفه إنسانا واعيا بالفن ومتفننا بالوعي، ويكتمل ويتكامل بتنوعه ويتنوع بكماله. شاركت بحرّ لوحاتها فــي معارض كبرى فــي أقاصي الأرض وتصر عــلـى أن مكنون الثقافة العربية ومخاضات قضاياها الاشكالية عــلـى كل صعد الوجود الـــعــربـي، هي مادة فنية دسمة تحتاج فقط إلــى حركة نقد وعرض منظمة، مكثفة وخاصة مدعمة مــن كل الأطراف.
  

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (خصوصية اللون وعموم المعنى فــي أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني) من موقع (القدس العربي)

السابق «سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام
التالى ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى