أخبار عاجلة
موسكو: مستعدون لتنفيذ مخرجات قمة هلسنكي -
كيف سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الحج؟ (فيديو) -

ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى

ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى
ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى

الأحد 1 يوليو 2018 12:14 صباحاً

- القاهرة ـ « الـــعــربـي»: «لست فــي حاجة إلــى أن أعيش فــي ، ولا أن أكتب بالعربية، فإن مصر هي ذاكرتي» (ألبير قصيري).
رغم رحيل ألبير قصيري (3 تشرين الثاني/نوفمبر 1913 ــ 22 حزيران/يونيو2008) عـــن القاهرة فــي العام 1945، إلا أنه لم يستطع أن يحيا ــ كشخوصه ــ إلا مــن خلال القاهرة وعالمها، ربما ناقما عليها وعلى مترفيها وأفاقيها، وفـــي الأول والأخير السُلطة التي تحكم وتتحكم فــي مخاليق الله.
ورغم روايات عدة جسد فيها قصيري قاهرة الأربعينيات مــن وجهة نظر شخصياته المتفلسفة عــلـى الدوام، مثل «شحاذون ومعتزون» و»الـــعـنـف والسخرية»، إلا أن قاهرة الإسمنت ونهر البشر الذي فاق نهر النيل، والجو الخانق المميت، وجد صداه فــي روايته «ألوان العار» كاستشراف وشعور عميق بمدى التحولات التي حدثت فــي المجتمع المصري بعد انهيار منظومة الستينيات. وقد برع قصيري، الذي كان يرى القاهرة مــن خلال ذاكرته، أكثر مــن روائيين وأدباء يعيشون فــي القاهرة ويتبارون فــي صخب فج بمدى معرفتهم بأحوال الـــبـلاد والعباد، بل ويتبجحون بأنهم حرّاس الـــمــديـنـة الرمادية. وبمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل قصيري، نظم المركز الثقافي الفرنسي فــي القاهرة ــ مــن دون أن نسمع لوزارة الثقافة المصرية ذكرا له، فقصيري ضد السلطة وضد الأناشيد الرنانة والعبارات التافهة، التي يرددها خدم السلطة فــي كل وقت ــ احتفالية بهذه المناسبة، تضمنت قراءة فقرات لبعض أعماله، وعرض فيلم «شحاتين ونبلاء»، وإصدار رواية «شحاذون ومعتزون» فــي صيغة الرواية المصورة، ومعرضاً لمخطوطات روايات قصيري ومراسلاته، وروايته الأخيرة التي لم تكتمل، وفـــي الأخير ندوة عـــن الرجل وعالمه، شارك فيها العديد مــن المهتمين بالأدب الفرانكفوني وأعمال قصيري فــي الأساس، منهم إيرين فينوجليو، مديرة بحوث فخرية فــي المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وحاصلة عــلـى دكتوراه فــي أعمال قصيري، جويل لوسفيلد، ناشرة أعمال قصيري، مترجمة الرواية المصوّرة منى صبري، الناقد والمترجم بشير السباعي، الصحافي الفرنسي كريستوف عياد، وحنان منيب، التي تعرّفت إلــى قصيري وأصدرت مؤلفاً عنه وعن شخوصه.

أن يكون هو!

بداية أشارت إيرين فينوجليو إلــى أن قصيري طوال حياته لم يكن يبحث عـــن شهرة أو أي شكل مــن أشكال السخف التي يهرول خلفها الأدباء عــلـى اختلاف أعمارهم وتجاربهم. فهذه اختارها عـــن قناعة تامة، فهو كما قـــال عـــن نفسه «أكتب لإمتاع ذاتي»، وهو بذلك كان يطبق أفكاره عــلـى نفسه أولاً ومن خلال مواقفه مــن الحياة، وهو موقف ثقافي تجاه الحضارة المادية، التي تمسخ الفرد، وتسعى إلــى تنميطه وتحويله إلــى شيء ضمن مفرداتها، وبالتالي تمحو فرادته، فالرجل كان موقفه موقف وجود فــي الأول والأخير.

واقعية قصيري

الأمر نفسه أكده بشير السباعي، الذي يرى أن قصيري مــن القِلة فــي عالم الأدب الذي طبّق أفكاره مــن خلال نفسه أولاً، فهو ليس مثل كثيرين يتحدثون عـــن الإنـســـان ومأساته، لكنهم فــي الحقيقة مجرد لصوص أكثر خِسة مما يحاربونهم عــلـى الورق، ويتحدثون بلسان الفقراء، لكنهم يزدادون شهرة وثراء بحديثهم الزائف هذا. الأمر الآخر الذي أكده قصيري والخاص بجماعة «الفن والحرية» ــ لسان حال الحركة السريالية المصرية ــ أن الحركة كانت تضم جنسيات مختلفة، وكــانت عــلـى تواصل دائم بالسريالية العالمية، لذا لم تكن تهتم بالقوميات، أو تنزع كغيرها مــن الحركات إلــى الشوفينية المقيتة، التي فــي الأغلب تولد عمياء وأصولية، وتجعل مــن الآخر مختلفاً. فقد كانت الحركة تضم مصريين وأجانب، يكتبون بأكثر مــن لغة ويهتمون بالقضايا الاجتماعية، مثل المرأة وتحريرها، والعادات والتقاليد، ونقد المرجعية فــي الثقافات التقليدية. إلا أن قصيري رغم اشتراكه وهذه الجماعة، ونشره لنصوص فــي مجلة «التطور» إلا أنه لم يكن سريالياً، بل يميل إلــى تجسيد الوقائع مــن خلال رؤيته الخاصة جداً، والتي تختلف عـــن معظم مَن ادعوا الكتابة عـــن الواقع. ويستشهد السباعي بشخصيات حقيقية عرفها قصيري وكتب عنها ــ جسدها ــ كشخصية يكن، فــي روايته الأشهر «شحاذون ومعتزون»، وهو الشاعر فولاذ يكن، وهو ابن الشاعر ولي الدين يكن، وعمه الـــسـيـاسـي المصري عدلي يكن. وقد التقى قصيري فــي ثلاثينيات القرن الفائت، والذي انحدرت حياته، ومات فــي العام 1947 بسبب جرعة زائدة مــن الأفيون.

دائماً مصر

ويضيف كريستوف عياد ملمحا آخر مــن ملامح قصيري، فيصفه بأنه رجل عجيب، يكتب بالفرنسية عـــن عالم غير فرنسي، عالم مــن ذاكرته فقط، لكنه حي وصادق إلــى حدٍ بعيد. فهو كان يعيش فــي بإحساس الشخص (المنفي) وليس بإحساس (المغترب). الأمر نفسه أكدته حنان منيب، التي التقت قصيري مرّات عدة، فهو لم يحصل عــلـى الجنسية الفرنسية وقد عاش فــي أكثر مــن نصف قرن، وكـــان دائماً يحمل جواز سفره المصري، رغم عرض الجنسية الفرنسية عليه أكثر مــن مرّة. وقد حاز عــلـى جوائز فرنسية، كما كانت أعماله قياساً إلــى غيره معروفة تماماً ومحتفى بها دوماً فــي الأوساط الأدبية الفرنسية، رغم أنه يحدثهم عـــن عالم وثقافة لا يعرفونها.

المتخفي وراء شخوصه

وألمحت منيب إلــى أن قصيري دوماً مـــا كان يتحدث بذاته مــن خلال الشخصية الرئيسية فــي رواياته، فهو المتفلسف والمعتزل الحياة، وقد كتب نفسه مــن خلال هيكل فــي الـــعـنـف والسخرية، إلا أن جوهر فــي «شحاذون ونبلاء» هو أقرب شخص يمثله ويكاد يطابقه مــن خلال خياله الروائي. هنا قصيري يصرّح بأفكاره فــي وضوح شديد، ويسخر مــن السلطة ورجالها، بل يصل به الأمر حد الانتقام، فاللحظة الوحيدة التي يتحقق فيها الضابط نور الدين إنسانياً، عندما يخلع زيّه الرسمي، وينضم إلــى جوهر فــي المقهى يتأمل الـــعــالــم مــن حوله، وقد أدرك فــي النهاية حقيقة وتفاهة مـــا يحياه.

ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى
كتب بالفرنسية عـــن عالم غير فرنسي:
محمد عبد الرحيم

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى) من موقع (القدس العربي)

السابق دراسة: إصــــابــة بالسكري مــن كل سبع سببها تلوث الهواء
التالى تحسّن العلاقات بـيـن إريتريا وإثيوبيا: أسمرة تعيد فتح سفارتها فــي أديس أبابا