أخبار عاجلة
موسكو: مستعدون لتنفيذ مخرجات قمة هلسنكي -
كيف سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الحج؟ (فيديو) -

القفز عــلـى النقدية الأدبية العراقية

القفز عــلـى النقدية الأدبية العراقية
القفز عــلـى النقدية الأدبية العراقية

الأحد 1 يوليو 2018 12:20 صباحاً

- مــن الجدارة أن نكتب عـــن نقدية جادة ورصينة بقصد التنويه عنها والإشادة بها كمطلب نقدي ووظائفية لا يمارسها سوى مــن امتلك مؤهلات التشخيص والرصد بوصفهما فعلين نقديين ينطويان عــلـى القصد الواعي فــي التلقي والاستجابة للنصوص النقدية والتمكن مــن فحصها وتحليلها.
ولكي لا تكون الممارسة لهذين الفعلين أعني التشخيص والرصد، جزافية أو مجانية لا بد مــن سلسلة آليات تتخلل الإجراءات بما يجعل عملية الفحص النقدي موضوعية وعلمية.
أقول هذا وأنا بصدد المقدمة التي كتبها الروائي علي بدر لكتاب الأستاذ الدكتور شجاع العاني الموسوم «قراءات فــي الأدب والنقد» ولا خلاف أن المغامرة النقدية المتمثلة فــي تقديم كاتب ميدان اشتغاله التخييل، لناقد مسيرته مغمسة بحصافة النظر وعلمية الطرح ودقة التنظير وبراعة الإجراء ليست بالأمر اليسير، لا مــن ناحية لا مألوفية هذا النوع مــن التقديم؛ وإنما مــن زاوية مـــا اعترى هذه المقدمة مــن قفزات تنتقل مــن هنا إلــى هناك، محتفية تارة وهدفها المؤلف الدكتور شجاع العاني وقد تكون القفزة تارة ثانية توجيهية هدفها قارئ الكتاب وثالثة تكون القفزة تعضيدية هدفها النص النقدي وتارة رابعة تكون استعراضية هدفها كاتب المقدمة نفسه.
وهذا مـــا يجعل المغامرة محفوفة بالمخاطر لأنها تموضع نفسها فــي شرك الاسقاطية التي هي أشرس أعداء النقد المتحري للعلمية والموضوعية لما فــي هذا الشرك مــن مطبات وهفوات ودهاليز ومزالق ومتاهات تواجه مــن يعتلي منصة النقد بجزاف ومغامرة.
وإذ تقف الفقرتان الافتتاحية والختامية للمقدمة عند الناقد د. شجاع العاني وتشيد بعطائه ومسيرته الجليلة وتجربته الفريدة والمميزة فــي عالم النقدية العراقية فإن المتبقي مــن تلك المقدمة سيتخذ مسارا يبحث فــي تاريخ النقد العراقي أولا ليقفز منه إلــى الثقافة العربية ولينط منها اخرا إلــى المشروع الغربي.
وكـــان حريا بالمقدمة أن تعطي لمؤلف الكتاب مساحة أوسع تختزل عبرها قدرات الناقد الباهرة وما انمازت به مــن الحدية والجاذبية والعلموية والحيادية ليكون واحدا ممن أسسوا للنقدية العراقية المعاصرة وبنوا دعائمها بصدق وإخلاص حقيقيين.
ولو تركنا مسألة الإشادة بالناقد التي هي مــن أن تستعرضها مقدمة بصفحتين، وأنصع مــن أن يسلّط عليها نظر نقدي بسبب مـــا فيها مــن عطاء علمي غزير، فإننا سنتجه صوب الطرح الذي تضمنته سطور الصفحتين اللتين حوتهما المقدمة وقد بدا بعض مــن هذا الطرح اسقاطيا يتمنطق تارة ويتخندق أخرى بقفزات سياقية وثقافية، وكالآتي :
مـــا أدعاه الـــمــقــدم مــن أن وعي د. شجاع المسبق فــي التأسيس للبنيوية والمزج بـيـن مختلف المناهج ينم عـــن يوتوبية للاقتراب مــن روح النص. ومعلوم أن اليوتوبية تعني رسم صورة دنكشوتية للمثال الذي لن يتحقق والمفترض الحلمي الذي لن يتاح له أبدا التجسد عــلـى أرض الواقع إلا تخييلا. وهو مـــا لا تقبله المقايسة مـــع عطاء د. شجاع وما دشنه فــي نقوده التطبيقية مــن طروحات صارت فــي أغلبها بمثابة نصوص مؤسسة وريادية، ومؤلفاته تشير إلــى حقيقة واحدة دامغة وهي أن العمل عــلـى إيجاد مقاربات منهجية وتنويعات نقدية أمر لم يغب عـــن بال الناقد، بل ظل حاضرا لديه بقصد جمالي ووازع واع وحصيف.
القفز مــن مجال التمثيل الذي موضوعه الناقد إلــى المسيرة النقدية العراقية برمتها وعلى مدى قرن كامل لتبدو هذه المسيرة بحسب الـــمــقــدم نتاج مشروع رومانطيقي سحري يوتوبي وهنا نتساءل هل كان النقد العراقي طيلة قرن يراوح فــي مكانه لتكون «النزعة الرومانطيقية حاضرة دون حدود»؟
القفز نحو النقد النصي وكيف جابه نوعا مــن الارتياب حتى كان «صيغة وحيدة ومطلقة فــي النقد العراقي الراهن ووصل النقد الذي جابهها إلــى نتائج صادمة وفاضحة» ص6 وهنا نقول أليس مــن الطبيعي أن يواجه الجديد المنهجي صدا مــن ناقد وانبهارا عند آخر ليكون التجريب مفضيا فــي النهاية إلــى التقعيد أو القاعدية؟ ألا يكون فــي الارتياب والمجابهة والصدم والفضح إصرار وقصدية تكون نتيجتها صيغة ليست فيها البنيوية هي المنهج النهائي سيما ان النقد الراهن ـ بالمفهوم الزمني الذي قصده الـــمــقــدم ـ تجاوز البنيوية إلــى منهجيات مـــا بعد نصية؟
قفزة اعتراضية تنسف مـــا تقدم ضاربة بالنقد النصي العراقي عرض الحائط قائلة: «لقد وقف النقد العراقي التقليدي أواسط الثمانينيات مندهشا أمام الموجة التي تجاوزته بما لا يقاس موجة النقد الجديد القادمة مــن بلدان الـــعــربـي فــي شتى المجالات».
قفزة تنتقل مــن النقاد العراقيين إلــى النخبة العراقية المثقفة لتبدو هذه النخبة فــي موضع الانجذاب والاستغراب ليس فــي العقد الذي تتناوله المقدمة وهو الثمانينيات وإنما ترتد بطفرة مارثونية لتصل إلــى الربع الأول مــن القرن العشرين فيغدو المثقف العراقي متجذرا بالمضامين فهل هذا التحصيل مبني عــلـى وقوف بانورامي مؤرشف لدائرة التأليفات كلها أم انه مجرد إسقاط؟
قفزة تبحث فــي أسباب تأخر الثقافة العراقية فــي تبنيها للمقاربات الحديثة واعتبار ذلـك استجابة لعوائق ابستمولوجية تخص نشأة هذه الثقافة أصلا. فهل هذا يعني أن تأسيسنا الثقافي كان باطلا بسبب معيقات معرفية اعترته؟ وكيف لم تقدر الانتلجينيسيا العراقية عــلـى مواجهته؟
القفز نحو الثقافة العربية هذه المرة بما يرسم صورة مركزية لها لكنها بالمقابل تُهمش للأسف الثقافة العراقية لنقرأ «فــي الواقع لم تكن بغداد يوما مــن الأيام واحدة مــن هذه المراكز المولدة للثقافة العربية إنما كانت تستقبل الثقافة القادمة مــن المراكز الثقافية العربية وتعيد إنتاجها بشكل ممتاز وهذه المراكز كانت عــلـى التعاقب القاهرة بيروت الرباط» ص8. القفز الفنتازي الذي يعلمنا أن النقد المصري ترك مركزيته للنقد اللبناني بسبب صعود الفكر القومي الـــعــربـي ولهذا «وجد المثقفون أنفسهم فــي موقف مأزقي» ص9. ثم يتبع هذا الموقف بفضيحة عصر الأنوار التي تسبق عنده فلسفة عصر الأنوار، كيف؟ لا ندري.
القفزة إلــى الثقافة المغربية وأن النقد المغربي هو الذي» أنعش بعض آليات النقد الانغلوسكسوني داخل الأكاديميات العراقية وبذر البذور الأولى لنشأة النقد البنيوي «ص9 ولو كان الأمر هكذا فلماذا إذن عدت كتب النقاد العراقيين فــي ميدان النقد البنيوي والسوسيونصية مراجع تدرّس فــي جامعات والمغرب ككتب الأستاذ فاضل ثامر والدكتور شجاع العاني؟
إن هذا النسف لم يكن القصد منه تصوير حالة الاحتراز التي رافقت دخول البنيوية إلــى المشهد النقدي فحسب بل التوسع به إلــى المشهد الثقافي العراقي بدءا مــن مطلع القرن العشرين إلــى ثمانينياته ليكون مربط الفرس وبيت القصيد هو أن ولبنان والمغرب هي المراكز المولدة للثقافة التي منها أخذ النقد العراقي حركيته وعليها عول فــي تطوره. وكأن الناقد العراقي كان جالسا فــي الظل واضعا ساقا عــلـى ساق ومسندا راحة يده عــلـى خده، منتظرا مــن يجود عليه بنقد أدبي استوعب النقد الغربي وغربله وفلتره كفلسفات ونظريات ومنهجيات، ليتناوله هو لقمة سائغة عــلـى شاكلة المثل الشعبي (تنبل أبو رطبة).
لا غرو مـــا فــي هذا الطرح مــن شطب لتاريخ النقد العراقي مــن خلال تصويره كهامش ينتظر مــن المركز أن ينقل الثقافة إليه، وهنا نتساءل ألم يطور الناقد العراقي خطابه السوسيوثقافي فترجم وألف وحاز عــلـى منح وبعثات معيدا إنتاج ثقافة الآخر؟
وهل يعقل أن ناقدنا لم يصارع مــن أجل التأسيس للتنوير بقوة وإخلاص وأنه لم يدخل معتركات ممارسا التجريب فــي حقول نقدية تمظهر خلالها متفردا متطلعا إلــى غايات جمالية؟
نحن لا نريد مــن المتصدي لتاريخ النقد العراقي الحديث أن يكون محتفيا أو ناسفا ولا أن يكون متحاملا أو متصاديا إلا بالحقائق الدامغة التي ليس بلوغها بالأمر اليسير لأنه لا بد أن يبنى عــلـى ببلوغرافيا شاملة لمجمل النتاج النقدي مــن نهايات القرن التاسع عشر إلــى يومنا هذا.
وهذا بالتأكيد عــمــل جمعي مهم ينبغي أن تستنفر له الطاقات البحثية العراقية وهو مـــا كنت قد طرحته كمشروع لأرشفة النقد العراقي وتحليله نقد نقديا فــي أكثر مــن مناسبة.
وليس عيبا أن يتأثر نقدنا بالآخر لكن المعيب هو القصور فــي تشخيص هذا التأثر الذي قد يوصلنا إلــى تحصيل ادعاءات غير دقيقة مــن قبيل أن الثقافة العراقية مـــا كان لها مشروعها لأنها كانت تنتظر مـــا يترحل إليها مــن الثقافة الغربية بعد أن تفلتره الثقافة العربية والنتيجة أن» النقد فــي العراق برمته متأثر بهذا المشروع التحديثي» ص8.
وما هذا الشطب أو النسف إلا واهمية تتناسى أن نازك الملائكة مــن أوائل النقاد العرب الواعين للتحديث الشعري والنقدي وما كتابها» قضايا الشعر المعاصر» إلا محاولة أولى ريادية عــلـى درب البنيوية.
وإذا كانت القفزة الأولى قد انطلقت مــن الارتياب بالنقد العراقي والمثقفين العراقيين الذين كانوا «يتعرضون لإغراء اليوتوبيا والأسطورة الرومانطيقية التي ورثوها جيلا بعد جيل» ص10 فان آخر قفزة ستكون عند حقبة التسعينيات التي أنهت معاناة النقد البنيوي حسب علي بدر.
وكأن مشهدنا النقدي فــي هذه الحقبة وما قبلها لم يتجاوز البنيوية إلــى المناهج مـــا بعد النصية ليكون سباقا فــي تبني التفكيكية والسيميائية والنقد الثقافي والتلقي ونظريات القراءة وغيرها.
وعود عــلـى بدء، فإن معاينة تجربة ناقد مــن نقادنا ينبغي أن تخضع لرؤية منهجية تجعل التقديم وحتى الإعداد والتحرير أفعالا نقدية متحصنة مــن الشطحات والإسقاطات والتهيؤات والخيالات، مـــع ابتغاء النظام والبعد عـــن الفوضى والمجانية. لأن ذلـك هو الطريق للإلمام بكل شاردة وواردة عـــن تاريخ النقدية العراقية التي تضعنا أمام صورة مؤرشفة حازمة ودقيقة لها لا تنفذ إليها الانطباعات والمماحكات ولا تتسلل نحوها الاطلاقات والتعميمات الناسفة والمشوهة والمصادرة فــي عصر أهم سماته انه انفتاحي متعدد ومتنوع يفتت المتربوليات ويتعالى عليها فــي مختلف ميادين المعرفة الإنـســانـيـة.

٭ كاتبة مــن العراق

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (القفز عــلـى النقدية الأدبية العراقية) من موقع (القدس العربي)

السابق المحنة السورية وغياب التضامن العالمي
التالى الـــجــيـش الاردني فــي مهمة انسانية بالعمق السوري وبغطاء روسي : نجاح فــي ترتيب سيناريو تفكيك المعارضة وخدمات طبية واغاثة انسانية داخل الارض السورية للنازحين