بـيـن أتاتورك وأردوغان: المفارقة الكردية

بـيـن أتاتورك وأردوغان: المفارقة الكردية
بـيـن أتاتورك وأردوغان: المفارقة الكردية

الأحد 1 يوليو 2018 12:20 صباحاً

- فــي كتابها « الجبهة الأمامية: النزاع فــي قلب »، تروي الصحافية والأكاديمية التركية إيزغي بشاران فصولاً مبكرة مــن تاريخ الخيانات التركية للحقوق الإنـســانـيـة والقومية والثقافية الكردية، بعد قطع الوعود ومنح العهود؛ وذلك خلال هيمنة مصطفى كمال أتاتورك نفسه هذه المرّة، وليس أياً مــن الزعماء الأتراك القوميين أو جنرالات الانقلابات العسكرية.
ومن المعروف والمدوّن أنّ ذلـك التاريخ يبدأ مــن مثال أول، لعله الأشهر والأشدّ انطواء عــلـى الإجحاف، وربما الغدر أيضاً؛ حين توصل أتاتورك، فــي سنة 1919، إلــى اتفاق مـــع البرلمان (العثماني، ساعتئذ) يقرّ الاستقلال الذاتي للكرد، الذين حاربوا تحت الراية التركية خلال الـــحــرب العالمية الأولى. يومها كانت خريطة تركيا، كما رسمها أتاتورك، تضمّ مناطق الموصل وكركوك والسليمانية، بالنظر إلــى الأغلبية السكانية الكردية فيها، ولأنّ أتاتورك كان يعتبر الأتراك والكرد «لا انفصام» بينهما. لكنّ الاتفاقية ظلت حبراً عــلـى ورق، بل أُبقيت سرّية تماماً فلم يُكشف النقاب عنها إلا فــي الستينيات، وفـــي الأثناء واصلت السلطات التركية إعادة توطين الكرد، كما تابعت قمع انتفاضاتهم الشعبية عشرات المرات؛ ليس دون تواطؤ مـــع بعض زعماء الكرد الإقطاعيين والموالين والعملاء مــن جهة، والقوى الإمبريالية فــي وبريطانيا والولايات المتحدة مــن جهة ثانية.
مثال آخر، يعكس تبدّل النظر إلــى التاريخ بـيـن حقبة وأخرى، أنّ صبيحة غوكشين، ابنة أتاتورك بالتبني، كانت أوّل امرأة طيّارة تقود مقاتلة حربية فــي حملة قمع انتفاضة درسيم، 1937 ــ 1939، التي تُعدّ ثاني أكبر انتفاضات الكرد بعد ثورة الشيخ سعيد التي اندلعت سنة 1925. وهنا أيضاً، كان محرّك الانتفاضة هو رفض سياسة إعادة التوطين وتواطؤ الزعماء الإقطاعيين المحليين، فــي منطقة ذات غالبية كردية وعلوية. الأرقام تشير إلــى قرابة 14 ألف قتيل، وإجلاء 11 ألف آخرين؛ الأمر الذي لم يمنع الاحتفاء بالحفيدة المقاتلة، واستقبالها كبطلة قومية. وأمّا المفارقة، فقد تمثلت فــي أنّ رجب طيب أردوغان، ولكن فــي أواخر 2011 مــن موقع رئـيـس الـــوزراء، كان هو الذي اعتذر عـــن هذه المذبحة، واعتبرها «واحدة مــن أكثر الأحداث المأسوية فــي تاريخ تركيا».
هذه وقائع لا غنى عـــن استذكارها فــي أية مراجعة موضوعية، ورصينة تتكئ عــلـى المعطيات الملموسة وليس الانحيازات المسبقة، للحال الراهنة التي تعيشها الديمقراطية التركية. سجلّ حـــقــوق الإنـســـان فــي انحدار متواصل، قوامه التذرع بحالة الطوارئ، التي فُرضت أصلاً بذريعة محاولة الانقلاب العسكري. لكنّ أحداً، خـــاصـــة فــي صفوف المعارضة، لا يزعم بأنّ الانتخابات شهدت أيّ تزوير أو تلاعب أو إكراه؛ الأمر الذي يعني ببساطة أنّ أردوغان هو بالفعل رجل أغلبية الـ52% مــن أبناء الشعب التركي، وأنّ هذه النسبة لن تردع ــ بل المنطق يفيد أنها سوف تعزز ـ طموحاته الإمبراطورية والأوتوقراطية.
هي اعتبارات تعني أيضاً، وربما تفيد أوّلاً، أنّ النظام الديمقراطي التركي ليس الملام فــي هذا، خـــاصـــة بعد اعتراف المرشح المنافس الأوّل، محرم إنجي، بنتائج الانتخابات؛ ونجاح «حزب الشعوب الديمقراطي» المقرّب مــن الكرد، فــي الوصول إلــى البرلمان مجدداً. ومن الإجحاف، استطراداً، مقارنة هذه الديمقراطية بما تشهده مــن فصول التبادل الرئاسي بـيـن فلاديمير ودميتري ميدفيديف، أو النسب العالية التي يحصل عليها الأوّل فــي كلّ دورة انتخابية.
 ومع ذلـك فإنّ المفارقة الصارخة تبقى قائمة: الرجل الذي اعتذر عـــن مذبحة درسيم ضدّ الكرد، هو ذاته الذي يشنّ اليوم الحملات ضدهم فــي عفرين ومنبج، ويهدد باقتحام جبال قنديل؛ وهو، فــي الآن ذاته، الشعبي والشعبوي الذي أفلح شخصياً فــي تجاوز النسبة التي حصل عليها حزبه عــلـى صعيد الانتخابات التشريعية. وتلك علامة عــلـى أنّ الديمقراطية التركية، مثل كلّ ديمقراطية أخرى فــي الواقع، ليست كاملة، ولا هي خالية مــن المثالب؛ والعيوب الكبرى أحياناً.

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (بـيـن أتاتورك وأردوغان: المفارقة الكردية) من موقع (القدس العربي)

السابق منظمو مونديال 2022: ندرس جدوى مشاركة 48 منتخبا
التالى ترامب يصف الاجتماع مـــع بوتين بأنه "نجاح كــــبـيـر"