أخبار عاجلة
دور "النصرة" فــي تخريب الثورة -
كشف "صفقة" بـيـن روسيا وإسرائيل -

أطفال النعمة السوريون

أطفال النعمة السوريون
أطفال النعمة السوريون

الأحد 1 يوليو 2018 03:53 صباحاً

- الزمن فــي سورية لا يداوي الجراح، بل يصنعها ويبتكرها يوما بعد يوم، وأكبر عنوان للألم السوري المُتجدد هم أطفال سورية، مــن يتأمل وجوههم فــي مخيمات اللجوء البائسة، أو وجوههم وعدسة الكاميرا تلاحقهم، لإعداد برامج عنهم، وهم مادةٌ خصبةٌ للربح، يُصاب بالذهول، إذ عــلـى الرغم مــن هول معاناة هؤلاء الأطفال، فإنهم لا يزالون قادرين عــلـى الابتسام وعلى اللعب، وعلى التحدّث عـــن طفولتهم التي سُرقت منهم، وحل مكانها إحساسٌ دائمٌ بالخوف والذعر. مــن يتأمل وجوههم بعمق يدرك أنهم أطفال نعمة، كانوا يعيشون تحت سقف، ويلعبون مـــع رفاقهم فــي حديقةٍ لم تُحرق أشجارها، ولم تتحول إلــى سور مــن الحواجز، أو كانوا يلعبون فــي باحة مدرسةٍ، وهم باللباس المدرسي الأنيق النظيف، وفـــي حقيبتهم المدرسية كتب ودفاتر وقصائد فرح وسندويشات شهية.
مــن يتأمل وجوه أطفال سورية النازحين المُروعين مــن هول الإجرام يرى مـــا لا يُرى، يرى أبعد مــن الواقع المُخزي الوحشي، يرى طفولةً منطويةً عــلـى ذاتها، مختبئة فــي دهاليز الروح العميقة، تقتات عــلـى ذكرياتٍ رائعةٍ، قُصفت بومضة عين. تشعر أن هؤلاء الأطفال يتذكّرون طفولتهم الآمنة كل لحظة، ينطوون عــلـى ذاتهم، ويهربون مــن الواقع الذليل المهين، باستعادة ملامح مــن طفولةٍ آمنةٍ عاشوها ذات يوم، وصارت بعيدةً عنهم، وكأن دهرا فصلهم عنها، لكنهم لا يزالون يحتفظون بأناقة أرواحهم الطاهرة، وفرح الطفولة الخام النقي.. لا يزالون، عــلـى الرغم مــن الألم الشديد الذي يفوق قدرتهم عــلـى الاستيعاب (مــن حسن حظهم) قادرين عــلـى أن يعبروا مــن عتبة الألم إلــى عتبة الحلم، إلــى عالمٍ سعيدٍ آمنٍ، عرفوه يوما، حين كانوا لا يزالون يعيشون تحت سقفٍ، ويستحمون بماء ساخن، ويأكلون طعاما لذيذا، ويحلمون بمستقبل ومهنة وموهبة.
تلك الذكريات الأشبه بالوشم لا تزال محفورةً فــي ذاكرة أطفال سورية، تُقوّيهم، وتمدّهم بقوةٍ 
"أطفال سورية، أطفال النعمة، يفضحون، بوجوههم السمحة الجميلة، انحطاط الـــعــالــم الأخلاقي"
سحريةٍ عــلـى تحمل مـــا لا يُحتمل ولا يُطاق. لا يحتاجون دعما مــن الكبار. إنهم يستخفون بكل مــن يُعدّ عنهم دراساتٍ وبرامج، ومن يتفاصح لتقديم خطط لدعمهم نفسيا، وتخفيف الآثار الرهيبة للمجازر التي شهدوها!
يحتمي أطفال سورية بمخزون ذاكرتهم مــن موسيقى، وقراءةٍ ولعبٍ وحلم، ليهربوا مــن وحشية الواقع والبشر، يستنهضون قوةً مُذهلةً مــن أرواحهم النقية نقاء نور فجرٍ يبدّد ظلمات كثيفة، يرفعون نظرهم إلــى السماء، ويتجاهلون سرب الطائرات التي تقصف، وترمي براميل مُتفجرة، ولا يرون إلا سرب عصافير تزقزق فرحا بالحياة. يتظاهرون بأنهم يحتمون بخيمةٍ، لكن مسكنهم الحقيقي طفولة بكامل بهائها وقوتها، لا تزال فــي قلوبهم الممتلئة بحب . القوة الحقيقية هي السعادة.
مــن يحدّق بدقةٍ فــي وجوه أطفال سورية يستكشف روحهم الحقيقية، صامدة قوية وأنيقة، تشع مــن وجوههم نعمة وأملا بالحياة. لستُ واهمة ولا أكتب إنشاءً. ولكن أعترف بكل نزاهة أنه لطالما أذهلتني وجوه أطفال سورية فــي مُخيمات النزوح، أو وجوههم والعدسة تصورهم كيف يحملون أكياسا وبقايا ألعاب، ويسيرون فــي طرقاتٍ وعرة تحت القصف، ووسط الجثث وأشلاء بشر. .. كيف لا يزالون يملكون القدرة عــلـى الوقوف والمشي، وعلى التحديق فــي الكاميرا والابتسام، ابتسامة مــن يتجاوز الكارثة، مــن يترفع عنها ويحتقرها، ولا يعترف بوجودها. لا يُنسى مشهد طفلة فــي الثالثة مــن عمرها تسير خلف والدتها وإخوتها، يذرعون الآفاق سُدى، آملين الوصول إلــى مكانٍ لا رصاص فيه، ولا دبابات، ولا براميل مُتفجرة. توقفت تلك الطفلة لحظاتٍ، لتُحكم وضع ربطة شعرها، بعد أن سرحته بأصابعها البضّة. لعلها كانت تتخيل مرآتها الصغيرة فــي بيتها الآمن، قبل أن ينهار سقفه عــلـى مــن فيه. طفلة فــي الثالثة مــن عمرها تملك القوة، لتمشي فــي طريق الحياة الوعرة، بعد أن شهدت المجازر. لا أنسى هبة الطفلة ذات السنوات العشر، والتي حكت لي كيف شاهدت الصاروخ يهدم بيت جيرانهم فــي حلب. دمعت عيناها، وهي تصف القطة الجميلة التي كانت تعيش معها فــي بيت آمن، هبة التي نزحت إلــى اللاذقية، وعاشت مـــع أسرتها فــي خيمةٍ بائسةٍ، لكنها تقرأ طوال الوقت، وتحلم أن تصير طبيبة.
ترى فــي وجوه أطفال سورية، خصوصا مــن فــي مخيمات النزوح مـــا لا يُرى، ترى النعمة وأناقة روحٍ طفوليةٍ لم تتشظّ بالرصاص والأحقاد. تدرك أي قوةٍ هي الابتسامة، الابتسامة التي تعني رغبتهم فــي البقاء عــلـى قيد الحياة، وعيش حياة كريمة تليق بهم، واستعادة طفولةٍ ينتهكها الـــعــالــم أجمع.
أطفال سورية، أطفال النعمة، يفضحون، بوجوههم السمحة الجميلة، انحطاط الـــعــالــم الأخلاقي، ويؤكدون أن السياسة وعمل رجـــال العصابات شيء واحد، أو وجهان لعملة واحدة.)

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (أطفال النعمة السوريون) من موقع (العربي الجديد)"

السابق كاتب مصري يكشف مصير "سامي عنان".. يصارع الموت
التالى رئـيـس «هيئة الأمر بالمعروف»: كشف المرأة وجهها محل خلاف