أخبار عاجلة
منظمو مونديال 2022: ندرس جدوى مشاركة 48 منتخبا -
مفاجآت بالتشكيل المثالي لكأس الـــعــالــم 2018 -
بسبب الملل.. مدرب أيسلندا يعلن استقالته -
روسيا قد تنشئ محطة فضاء قريبة مــن القمر -

عــلـى حافة الحلم

عــلـى حافة الحلم
عــلـى حافة الحلم

الأحد 1 يوليو 2018 03:53 صباحاً

- هناك، عــلـى حافة الحلم كان الملتقى؛ لــقــاء لم يقترفه أحدهما عـــن سبق إصرار وترصد؛ وحده القدر يجيد رسم الحكايات وحَبْكَ المصائر، وقد يتوارى هناك باسما ينتشي؛ ليٌتِيحَ مجالا لبراءة الطفولة؛ عندما نحلّ أول يوم بالمدرسة، ونَجِدُنَا بـيـن أربعة جدران وتحت سقف واحد؛ بـيـن مخلوقات تشبهنا؛ وأرواحٌ نُصِبتْ عَرْضَ الحائط ولم تقترف جريمة، هذا الوحش البالغ الذي يتدثَّرُ بالبياض مرَّةً! أليست مــن جمعتنا به هنا؛ ساحرة يلقبونها صدفة؟ وهذا الطِّفلُ الكبيرُ يتسمَّرُ عند بَوَّابَةِ المقهى الصّغِيرِ؛ كَفَارِسٍ قبيلةٍ عاد مــن فنائه يتأهب عائدا للقتال؛ أيَّةُ مهانة وأيُّ حَنَقٍ يستبِدّ بنا حين نغادر فضاءاتنا الرحبة؛ حين تُغتصَبُ براءتُّنَا ويتسلّل مــن بـيـن أيدينا، كألوان الطيف، ربيعُنا الأغرّ؟ إنّه رَبِيعُ الطّفولة.
كالرّجُلِ الخُفَّاشِ يظهر بقميص صيفيّ بدا فيه وكأنه ارتداه خلسة؛ وأَفْرَدَ ساقيه للرّيح عــلـى غفلةٍ مــن شقيقه الأصغر، تداعب أنامِلُهُ سيجارة لعينة ويدُه اليمنى بـيـن فينة وأخرى تنتصب للمرافعة. وهذا الكهل الغامض الذي يشبه الضباب؛ يغوص الآن فــي كُرسِيّهِ يتظاهر بالإعياء؛ ينفث دخانه؛ يستثيره أمر مُستَجدّ، تراه كمريض غاب عنه وعيه، واللحظة قد حــضــر.
تحت حافة قبعته تلوح لك عينان تجتمع فيهما أشياء كثيرة؛ أقوام مــن هنا وهناك؛ أسطورة أمازيغية، حكاية رومانية، قصص غجرية، طلقات رصاص تمزق أستار الصمت هناك فــي صحاري غــــرب أميركا، محنة المسلمين واليهود فــي بلاد الأندلس والأفول إلــى الجنوب والمجهول. كانت نظرة واحدة يرسلها فــي اتجاه الشاب الحانق والحزين توحي لك بكل هذه الأشياء مجتمعة؛ يتأمله وينصت إليه كشيخ مولع بالشاي، مأخوذ بموسيقى السماع، يُذَكِّرُه هنا بالطفل الذي يسكنه مــن أمد بعيد يأبى الرحيل، حين غادر القرية ذات مساء؛ وظل يحدق فــي السيارات العابرة فــي انتظار حافلة تقل حبيبة تحمل إليه عزاء ولذيذ أمنيات، إذ يتذكر كيف مال عليه المعلم حينها بنظرة حانية ندية وشيء يلوح منهما يشبه الشرر، وقــال: إذن؛ هي لحظة الفراق قد أزفت؟
لم يكن للطفل خيار؛ كانت أسابيعه الأخيرة قبل انتقاله إلــى الإقامة والدراسة فــي حي هامشي فــي مـــديـنـة فاس. أما والداه فقد باعا قبل أيام بستان الزيتون وبيتا مــن تراب، لَعَلَّكَ تُغَالي أيها الشاب؛ أَوْ لنَقُلْ: هو منك سوء تقدير ليس إلا. صَحِيحٌ أنك حُزْتَ عــلـى شهادة عليا فــي علوم الالكترونيات وترى أنهم يحرمونك الآن مــن ممارسة لعبتك الأثيرة مذ أصابتك عــلـى غفلة مــن والدتك لسعة كهرباء. لكن أن تصير وحالتك هذه لعبة حياة أو موت فهنا عليك أن تعيد النظر. كذا أدلى الكهل الغريب بدلوه وأعقبها بابتسامة أَطَلَّتْ بعدها ابتسامة أخرى، ثم أردف: ثم إن لك، عــلـى عكس مـــا رَمَوْكَ به، صوتا شجيًّا يليق بالإذاعة؛ قل لي بربك: هل يملك الربيع أن يتبرّأ مــن آذار؟ وكيف حَكَمُوْا عندها وكيف تحكم الآن؟ لا يا صديقي، لَيْتَكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أخطأت الهدف وضيَّعْتَ الفكرة، فكرة ركوب قارب الموت، فهي كفكرة مــن يهديك سمًّا فــي العسل؛ أيُّ ٍ يُمسي حين يخاصمه الربيع ويرحل؟ ثم انظر أمامك إلــى الربيع كيف ولّى مــن هناك وأدبر؛ حِينَ أضعت معلّمي هناك عــلـى قارعة الطريق وَضِعْت؛ كَأَنِّي أراه فيك يحضر الآن لِيُجَدِّدَ اللِّقَاء، هكذا؛ وبعد سنوات مــن الغياب وصلني أنه غادر إلــى الشمال الأشقر.
هناك لبث يطارد حلمه كما لَبِثُّت هنا أقتفي أثر حلم آخر؛ شيء يشبه وجبة مخدِّر يُلْقِمُنَا منها طبيب جرّاح؛ وبعيد لحظات وبضع كلمات عذبة؛ تجدنا ننطلق فــي السفر، هي بغية واحدة وإن اتخذت لبوس أشياءٍ أُخَر، بُغْيَتُنَا أنثى؛ بقدر مـــا هي حكيمة؛ مراوغة تُجيدُ التَخفِّي ونصبَ الشِّرَاك ثم تَنْخرطُ فــي ضحك مكتومٍ تَمَامَا كما يفعل الأطفال.
يدلي بدلوه رجل يشبه الطيف عــلـى يمين رجل الضباب: أيها الشاب ربما عليك المغادرة، وأردف: أشعر أن رفقتك ليست كما يجب؛ لو سمحت تنحّ إلــى الأعالي؛ فهناك مـــا يكفي مــن الهواء؛ هواء طازج يملؤك بالحياة. تراه مــن يكون شبح رجل للتو قد حــضــر؟ أوّاه إنه صديقي الأثير! أواه؛ كيف أضعتك قبل أن يقودك الموت للسفر! كيف يطيب لك الآن نزفي وتَطْرَبُ لِلْعِتَاب؟
بوجه تعلوه ابتسامة ظفرٍ ويَدٍ صوَّبَتْ إلــى الأمام قُبَّعَتَهُ الثّائِرَة؛ تقدّم الشاب الواعد ليؤدي فريضة الوداع ثم أرسل ابتسامة أخرى كأنه يلعب دور صبيّ شارد فــي الفصل يخشى العقاب: سؤالي الأخير لك يا صديقي رجل الضباب: هناك لا شك قد طال بك المقام فــي كثير مــن البلدان؛ هناك المال والمجد كما الشراب والنساء؛ مـــا الذي عاد بك بعد كل هذا الغياب؟ وماذا دهاك لتغادر فردوسي المفقود؟
تطلّع إليه الغريب برهة وأجاب: كنت ضائعا هناك دونك، فتشت طويلا؛ والآن قد وجدتك!

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (عــلـى حافة الحلم) من موقع (العربي الجديد)"

السابق بوفون يودع جماهير يوفنتوس برسالة مؤثرة
التالى مــــراســل قناة تونسية يطرد مشجعين بسبب العلم الإسرائيلي