أخبار عاجلة
موسكو: مستعدون لتنفيذ مخرجات قمة هلسنكي -
كيف سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الحج؟ (فيديو) -

شرور الرأسمالية الأيديولوجية القابعة خلف أزماتنا

شرور الرأسمالية الأيديولوجية القابعة خلف أزماتنا
شرور الرأسمالية الأيديولوجية القابعة خلف أزماتنا

مدارس مزدحمة بالطلبة وباصات مختنقة ومكتظة بالركاب، مستشفيات تلقي بالمرضى إلى الشوارع لعدم وجود أسرّة لاستقبالهم وغياب الكوادر الطبية، عمالة مسرحة بعد انتهاء عقد العمل المؤقت، أجور زهيدة وأسعار مرتفعة، غليان شعبي يقابله خطابات رسمية وعظية بضرورة الصبر وتحمل قساوة الوضع الاقتصادي.

قد تبدو هذه الملامح عادية ومألوفة للجميع في صميم اليومية لملايين البشر في العالم العربي، إلا أن المثير هو ذلك الخط الناظم الجامع لهذه الأزمات والمتهم الرئيسي في هذه الشرور والمآسي المتعمدة والتي تتفاقم يومًا بعد يوم بوتيرة سريعة، هي الرأسمالية المتطرفة بنسختها المعولمة التي غيرت بعمق الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في جزء معتبر من ربوع العالم.

متهم مع وقف التنفيذ

تنص الرأسمالية المعولمة في فلسفتها على ضمان الربح ومراكمته بأي وسيلة والحفاظ على سيرورة خلق الثروات الخاصة دون اعتبار للتبعات الاجتماعية أو الأخلاقية أو حتى الإنسانية، فما هي إلا فلسفة تسعى لتكريس هيمنة الأقلية على الأغلبية وترسيخ التفاوتات الاجتماعية بينهما وتعميق الأزمات الاجتماعية يصفها ميشيل شوسود فيسكي في كتابه عولمة الفقر:

فعولمة الفقر في أواخر القرن العشرين لم يسجل لها مثيل في التاريخ العالمي غير أن هذا ليس نتيجة ندرة الموارد البشرية والمادية بل هو بالأحرى نتيجة نظام من فائض العرض العالمي القائم على البطالة والخفض العالمي لتكاليف العمل إلى حد أدنى.

في عالم يزداد تقاربًا وتشابكًا في جميع المجالات تتعمق أكثر تلك التفاوتات، فلقد أفسح ذلك المجال أمام تسيد الرأسمالية المعولمة وهيمنتها المطلقة لحد وصف سطوتها بنهاية التاريخ، ومكنها من إعادة رسم العلاقات الدولية لصالحها وهيكلة الاقتصاد العالمي من خلال مؤسساتها الدولية خاصة صندوق النقد الدولي على أساس مبدأ الحرية الاقتصادية تحرير الأسواق وحركة الرساميل وتحرير التجارة العالمية وتنشيط قوى الإنتاج والمبادرة الخاصة والحد من رقابة الدول القومية وإلزامها بإلغاء الرسوم والتعريفات الجمركية على سلعها وحماية استثماراتها.

غير أن مفهوم الحرية الاقتصادية المروج له يحمل في طياته تناقضًا بنيويًا ينفي ذلك الارتباط الوثيق بين الحرية والمساواة، حيث يلغي حق الآخر ويجعل منه أداة ومادة استعمالية لضمان وخدمة المصالح بفرضه توزيعًا للأدوار والعلاقات الإنتاجية بين شمال صناعي متقدم وجنوب متخلف يهيمن عليه الريع كما يرسخ تبعية الأخير للأول، ويناقض في جوهره العدل في توزيع الثروة بتركيزها لدى الأقلية المتنفذة وحرمان السواد الأعظم من أبسط الحاجيات والحقوق الاجتماعية.

وكعقيدة اقتصادية ووصفة تنموية تركت بصماتها على حياة جزء معتبر من البشرية بشكل مستديم وعابر للحدود القارية، يمكن أن نرجعه إلى عوامل متضافرة في مقدمتها تزايد أبعاد العولمة وتشابك دول العالم ماليًا واقتصاديًا، وكذلك نتيجة لوجود ظروف خاصة ساعدت على انتشارها وهيمنتها على العالم.

إن تنامي الرأسمالية المعولمة واستفحال نفوذ المؤسسات المالية الدولية بشكلها المتطرف، تم بفضل وجود الحرس والوكلاء الذين اضطلعوا بمهمة تنزيلها في إطار تقاسم للمهام والأدوار والمصالح وتواطؤهم على مصائر شعوبهم رغم درايتهم بخطورتها.

تولي المؤسسات المالية العالمية باعتبارها ممثلة للرأسمال العالمي وكبرى الشركات أهمية بالغة للأنظمة السلطوية، بالتحالف معها تارة والتغاضي عن انتهاكاتها الحقوقية والضغط عليها تارة أخرى لتنزيل توصياتها وفتح المجال أمام ولوج الرساميل والسلع وضمان أسواق جديدة لقوى إنتاجها، وبدورها تيسر هذه الأخيرة ذلك من خلال إقرار التشريعات والقوانين الضرورية في شكل تعديل قوانين الشغل وتقديم الحوافز المالية والضريبية لصالح أرباب العمل.

تتحول الدولة بذلك إلى كيان معبر عن مصالح الطبقة المهيمنة فجميع أجهزتها في خدمة الرأسمال الأجنبي وامتداده المحلي، وهي مستعدة في سبيل ذلك لتدجين التنظيمات العمالية والحد من فعاليتها بشراء ولائها وترسيخ الهوة بين قواعدها وقيادتها التي باتت أكثر رأسمالية من أرباب العمل بدفاعها الشرس عن السياسات والبرامج النيوليبرالية والاكتفاء بدور الشريك الخجول المفتقر للقدرة على التأثير والحسم بل والمتورط مع أجهزة الدولة في تمرير مشاريع وتوصيات المؤسسات المالية مقابل امتيازات ضد مصالح قواعدها العمالية.

وتستند إلى نخبة برجوازية محلية مرتبطة وجوديًا بالرأسمال الأجنبي تستقوي به وتعتمد عليه لتدعيم نفوذها مقابل خدمة المصالح الأجنبية عوضًا عن القومية فلم تكن يومًا طبقة وطنية ملتزمة بواجبها الوطني في التنمية بقدر ما كانت طفيلية ووظيفية إلى أبعد الحدود مساهمة في اغتيال اقتصاديات بلادها بالمشاركة في تدمير القواعد الإنتاجية في أوطانها وإفساح المجال لتحويلها بلدانها إلى أسواق استهلاكية.

الاغتيال الاقتصادي للشعوب

التفاوت الحقيقي أو المزعوم كان دائمًا وأبدًا سببًا يدفع المواطنين إلى القيام باضطرابات وثورات أرسطو القرن الثالث ق. م.

إن فهم طبيعة التحول العميق الذي حصل في بنية الرأسمالية منذ أواخر القرن العشرين يكشف عن تناقض واضح في خطاباتها وتباين جلي بين الظاهر والباطن، ففي الوقت الذي تدعي فيه مؤسسات الرأسمال المعولم ضرورة الالتزام بتوصياتها المالية للحكومات الراغبة في الحصول على خدماتها لإنقاذ اقتصادياتها المتداعية والحد من مديونيتها المتفاقمة، سنجد في الآن ذاته أن تكاليف الإصلاح لا تتم إلا باستنزاف الشعوب وتعميق مديونيتهم.

والحاصل أن انصياع الحكومات لسياسات هذه المؤسسات المالية في إطلاق البرامج التقشفية وفتح المجال أمام غزو السلع والرساميل الأجنبية قد كبدها خسائر جسيمة وعرضها لأزمات عميقة طالت كل المجالات وفي النهاية لم يقد ذلك إلا نحو مزيد من القلاقل والاضطرابات.

تجد الدول القومية نفسها حاليًا تحت سطوة الرأسمال المعولم أمام وصاية اقتصادية مفروضة عليها تفقد معها أهم مقوماتها كجهاز وهي استقلالية القرار الاقتصادي وحتى السياسي، إذ تجد نفسها مجبرة على قبول شروط مجحفة لإعادة هيكلة اقتصادياتها المتأزمة نظير الحصول على قروض هي في الأصل غير مخصصة للمشاريع التنموية بل فقط لتمويل المشتريات أو لسد عجز الموازنة العامة.

شروط المؤسسات الدولية تحمل في طياتها نية مبيتة للإجهاز على اقتصاديات العالم النامي والإبقاء عليها ضمن دائرة التبعية المفرغة وإعادة إنتاج التخلف، فحينما تفرض تحرير التجارة وإلغاء الحواجز الجمركية وخصخصة القطاعات الاقتصادية وتفكيك القطاع العام فهي تستهدف ضمان الوصول إلى أسواق استهلاكية والحصول على إمدادات القوى البشرية والموارد الطبيعية بأقل كلفة، وفي المقابل تقوض الإنتاج المحلي وتصيبه بالإفلاس وتعرض الملايين للبطالة والتشرد والفقر وتدمير القدرة الشرائية وتحرم الحكومات من العائدات الضريبية ومن فائض رساميلها وثرواتها ويحرمها من تطوير قطاعات اجتماعية لتحسين مستوى عيش مواطنيها ورعايتهم وضمان الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.

ينعكس التدمير الممنهج لاقتصاديات دول العالم على مصائر الملايين من البشر وأوضاعهم الاجتماعية بدفعها نحو مزيد من التأزيم والتفقير وانتهاك آدميتهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم الاجتماعية، فيتحول المواطن إلى مستهلك ملزم بدفع المقابل المادي للحصول على تعليم وخدمات صحية وخدمات النقل وتحمل أسعار المواد الأساسية والاستهلاكية والقبول بمنظومة أجور منخفضة ومجمدة وعقود عمل تحوله إلى قن فاقد للحرية وللكرامة الإنسانية، فالعمل الذي لا يلبي إلا الحاجيات الضرورية هو في الواقع شكل من أشكال العبودية الحديثة.

استمرارية هذه السياسات ستساهم في ترسيخ اللامساواة بين الطبقات الاجتماعية وفي تقليص منسوب الثقة بين المواطن وحكومته وفي فقدان الإيمان بمؤسسات بلاده وخلق حالة من اليأس الجماعي وزيادة احتمالية اندلاع اضطرابات وثورات أكثر عنفًا يؤكدها أرنست فولف في كتابه صندوق النقد الدولي قوة عظمى:

أن السياسة الليبرالية الحديثة حتمت علينا أن نعيش في مستوى بارز من اللامساواة… والملاحظ أيضًا أن التوترات الاجتماعية تتزايد بسرعة لا قرينة لها في التاريخ.

والحقيقة المؤكدة أن الغليان الشعبي والعداء المتصاعد تجاه هذه السياسات الاقتصادية سيقود نحو زيادة فرص الصدام المؤكد بين الشعوب وحكومتها ويهدد في الصميم ذلك الاستقرار الهش الذي يخفي وراءه نذر الانهيار التام وصورة عن مستقبل أكثر قتامة وسوداوية والأمل معقود على الإمكانيات الخلاقة للجماهير فوحدها القادرة على .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (شرور الرأسمالية الأيديولوجية القابعة خلف أزماتنا) من موقع (ساسة بوست)"

السابق المحنة السورية وغياب التضامن العالمي
التالى طهران: أي دولة تحاول انتزاع حصة إيران فــي سوق النفط ترتكب خيانة وستدفع ثمنها