أخبار عاجلة
قانون "يهودية الدولة" -
الكنيست يصادق عــلـى قانون يهودية الدولة -

صديقي الذي ضيّعه الحب وأنقذته الكُرة (1)

صديقي الذي ضيّعه الحب وأنقذته الكُرة (1)
صديقي الذي ضيّعه الحب وأنقذته الكُرة (1)

الخميس 12 يوليو 2018 01:44 صباحاً

- يمر عــلـى بالي فأذكره بكل خير، ويهفُّني الشوق إليه أحياناً فأسأل عـــن أراضيه بعض مــن بقيت عــلـى اتصال بهم مــن زملاء الدراسة، ومع أنه صار بعيداً عـــن العين، إلا أنه ظل حاضراً فــي البال كلما أردت أن أتخذ مثلاً عـــن الإنـســـان حين ينقذه شغفه، وإن بدا للآخرين شغفاً فــي غير محله، وهوساً بتفاصيل لا تسمن ولا تغني مــن جوع وبطالة.

فــي بدايات معرفتي به فــي عامنا الجامعي الأول كان يعطيك إحساساً بالكِبر والتناكة، سرعان مـــا اتضح أنه إحساس خادع، وأنه كان يخفي خلف ملامحه المتجهمة قلباً يَسَع مــن الحبايب عشرين، وأنه قادر بكلمات قليلة عــلـى تحويل قرفه مــن كل شيء، إلــى سخرية تنقض الوضوء مــن فرط قدرتها عــلـى الإضحاك، لكنه لم يكن يمنح بسهولة للآخرين ذلـك الوجه منه، ولذلك انضم متأخراً إلــى "شِلّتنا" الأزلية، التي كانت مـــع منتصف العام الدراسي الثاني قد اكتمل تكوينها مــن عشرة أفراد، لكنها حملت لقب (شِلّة العَشَرة) لسبب لا علاقة له بعدد مكونيها بل بعادات أغلبهم، وحين توثقت صداقتنا وأصبحنا نعرف تفاصيل علاقاتنا العاطفية، حملت الشلة لقباً آخر هو (الصابونجية)، ولم يكن للقب علاقة بالاستخدام الشائع للصابون فــي ذلـك السن، بل لأن الخيبة العاطفية كان يشيع وصفها بـ (الصابونة)، ولأن أغلبنا كان قد أخذ صابونة أو صابونتين ـ أخذ البعض أربعة واكتشف البعض أنه حلّوف مخلوق بدون غدة الحب ـ فقد صارت حكايات الصابونة وأسرار مانحاتها، تجمعنا وتعزينا عـــن آلام الغرام التي تبدو فــي ذلـك السن قاتلة وأبدية، ثم سرعان مـــا يتضح أنها ليست أبدية أبداً، حتى وإن كانت قاتلة.

كنا نعُدُّه أثقلنا وأعقلنا فــي الغرام، وقد كان كذلك بالفعل، وكـــان يبدو الأقرب إلــى نيل مراده الغرامي، والزواج بمن أحبها مبكراً فــي عامنا الجامعي الأخير، لكن وقعته لم تكن لتخطر عــلـى بال أحد، حتى أننا قررنا إخراجها مــن فئة (الصابونة) التي يصح بل ويجب التندر عليها، إلــى فئة (الجرح النافذ) الذي لا يصح رش الملح عليه بل ولا يجب الاقتراب منه. كنت قد سبقته إلــى الالتحاق بفئة (الجرح القطعي) الذي يصح رش الملح عليه بعد الاستئذان، والعجيب أن مــن منحتني ذلـك الجرح، كانت فتاة جمعني معه الغرام بها فــي عامنا الجامعي الثالث. لم تكن تجربة عــلـى طريقة هشام عباس فــي أغنيته: "عمّال يحكي لي عنها عمّال يوصف لي فيها وكلامه هز قلبي خلاني حلمت بيها"، والتي خرجت إلــى النور فــي ذلـك العام، وكــانت تليق بعصر مـــا قبل كاميرات الهواتف المحمولة، بحيث يصح منطقياً تصديق نهايتها الأليمة: "مش عايز أشوف حبيبتك، إوعى توريها لي"، كانت تجربتنا أشد بلاهة مــن ذلـك، لكن موقفه خلالها زادني محبة له.

"
انتهى خصامنا القصير، حين أقسم لي عــلـى المصحف أن مـــا قاله كان كذباً ارتجله ليخرج مــن غرابة الموقف، والغريب أنني تأثرت كثيراً بقَسَمه، كأنه كان ينفي لي إمكانية حدوث علاقة مدنسة بالإنسانة التي كنت أحلم بالارتباط بها

"

كان ستة منا قد قرروا البيات فــي منزل أحدنا العامر، لِهَرس منهج مادة ثقيلة الظل قبل امتحانات التيرم الأول، كنا فــي ليلة شتاء قارس البرد، مصابين بعد إرهاق المذاكرة بحالة مــن الشجن جعلتنا نثقل فــي العشاء الذي جلبناه مــن مطعم ردئ، لأن والدة زميلنا كانت قد طفشت وتركت لنا البيت وثلاجته الفارغة، وحين تصاعدت الأبخرة الناتجة عـــن سوء الهضم، كنت أقرأ عــلـى رفاق المبيت قصيدة غرامية جديدة كتبتها فــي حبيبتي المجهولة، التي كان يفترض أن أسلمها القصيدة فــي اليوم التالي، ولأنني كنت قد دخلت فــي تجربة غرامية عابرة ومفرطة فــي البلاهة قبلها، ونالني بسببها كم وافر مــن السخرية الأليمة، فقد جاهدت فــي كتمان حبي هذه المرة، فاحتار أصدقائي فــي معرفة اسم "ربّة شعري"، وحين كاد البكاء مــن فر الشجن يغلبني فــي نهاية القصيدة، وأخذوا فــي التصفيق إعجاباً بشعري أو تعاطفاً مـــع حالتي، قلت لهم أنني كتبت هذه القصيدة وأربعة عشر قصيدة فصحى وثلاث قصائد عامية قبلها فــي زميلتنا فلانة، لينظر اثنان منهما إليه، قبل أن يرتميا عــلـى الأرض مــن الضحك، ويظل هو فــي حالة "تبليم" لم تستمر طويلاً، قبل أن يقطعها قائلاً: "خلاص اتفضلها إنت أولى بيها"، فيلحق اثنان آخران بالمتمرمغين عــلـى الأرض ضحكاً وشخراً، وأبقى أنا وهو ناظرين لبعضنا ببلاهة، قبل أن يبادر هو إلــى احتضاني وطمأنتي: "مـــا تقلقش والله أنا مـــا كلمتهاش حتى، ده حب مـــع نفسي، وبعدين ده أصلا مش حب والله، إنما اللي انت بتعمله ده هو الحب عــلـى أصوله، ده حب لا أنا ولا أي خرية مــن دول يعرف يحبه"، ولكي يقطع الشك باليقين، ويثبت دناءة مشاعره الأرضية التي لا ترقى إلــى حبي السامي، صارحني أنه استمنى عــلـى حبنا المشترك مرتين، ولم يفهم لماذا شعرت بالإهانة، بل وصممت عــلـى الخروج مــن البيت فــي أنصاص الليالي، لكي لا أجاور مــن اعتدى بعشقه الفاني عــلـى عشقي الروحي، الذي اتضح بعدها أن له آخر، عــلـى عكس عشق الجسد، وهو مـــا كان يعرفه محمد عبد الوهاب أكثر مــن غيره.

انتهى خصامنا القصير، حين أقسم لي عــلـى المصحف أن مـــا قاله كان كذباً ارتجله ليخرج مــن غرابة الموقف، والغريب أنني تأثرت كثيراً بقَسَمه، كأنه كان ينفي لي إمكانية حدوث علاقة مدنسة بالإنسانة التي كنت أحلم بالارتباط بها، لكنني كنت أراها حزمة نور سماوي لا يمكن أن يقترب الإنـســـان منه بمشاعره الأرضية، وربما كان مــن حسن حظها وحظي أن تلك العلاقة لم تكتمل، وأنها وجدت مــن يراها بشكل أرضي بشري، فأنجبت منه ثلاثة أطفال وعاشت معه أسعد ثلاث سنوات فــي حياتها، قبل أن تخلعه فــي محكمة أرضية، وهو مـــا لم أكن أتصوره أنا وهو فــي ذلـك الوقت الذي تسود فيه المشاعر المشبوبة، ويرى الإنـســـان كل شيء يخص الحب بأبعاد مضخّمة تشبه أبعاد مرآة السيارة، ولذلك وحده نسيت نفسي وحالتي الضنك، وسارعت إلــى التقدم لطلب يد حبيبتي فــي نهاية العام الجامعي الثالث، قبل أن يكون لدي أكثر مــن ثلاثة غيارات داخلية وبنطلونين، وسارع هو إلــى الاتفاق مـــع حبيبته "الجديدة" عــلـى الزواج فــي منتصف العام الرابع، برغم رفض أهلها للفكرة.

أمه التي كان نور عينيها بعد وفاة أبيه المبكرة، تعاملت مـــع جنونه العاطفي بحكمة، وقــالـت إنها ستوافق عــلـى أي شيء يسعده، فرأينا فــي استسلامها لطلبه، رغبة منها فــي عدم الدخول فــي "وجع قلب" لا لزوم له، خـــاصـــة أنها كانت فــي العام الـــســـابـق مباشرة، قد دخلت فــي غيبوبة دامت أكثر مــن ستة أشهر، ظللنا فيها نتناوب زيارته فــي مستشفى عين شمس الجامعي، حيث كان يلازمها بالتناوب مـــع أخته، فنعطيه مـــا فاته مــن المحاضرات، ونخبره بما يجب عليه أن يحضره مــن "سكاشن" وتدريبات عملية، وحين اصطدم بدكتور فظ رآه سرحاناً فــي محاضرته، فقال له إنه سرحان فــي مصير أمه التي ترقد فــي غيبوبة، ليرد عليه الدكتور بجلافة قائلاً أنه لا داعي لأن يكون هو أيضاً فــي غيبوبة كالتي ترقد فيها أمه، وحينها تضامنّا جميعاً معه ولحقنا به خارجين مــن المحاضرة، ليتوتر الموقف ويتصاعد بتقديم شكوى إلــى إدارة الكلية، وتذهب الفتاة التي أحبها إلــى الدكتور لتشرح له حالة الأم الصحية، وكيف أنها تعني له كل شيء لأنها جاهدت فــي تربيته هو وأخته بعد وفاة والده، ليذهب الدكتور إلــى زيارته فــي المستشفى، ويعفيه مــن حضور المحاضرات، ويطلب منه اللجوء إليه فــي أي خدمة يطلبها، حتى تقوم الوالدة بألف سلامة.

وقتها تحولت تلك الغيبوبة إلــى شبح يطاردني فــي كوابيسي الليلية والنهارية، فقد كنت قبلها أتابع بحزن أخبار إصــــابــة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين بأزمة مرضية حادة، جعلته يدخل فــي حالة غيبوبة، بعد أن غزا العراق الكويت، ولأنه لم يكن هناك وقتها جوجل ولا يحزنون، فقد عانيت فــي البحث فــي المكتبات عـــن الأسباب التي تجعل الشخص يدخل فــي غيبوبة، تجعله معلقاً بـيـن الموت والحياة لسنوات، يطلب فيها أحبابه له ولأنفسهم راحة الموت، لأصل إلــى تفسير يجمع بـيـن حالة أحمد بهاء الدين وحالة والدة صديقي، وهو أن "شيل الهم" أكثر مــن اللازم والطاقة والتوحد الدائم معه، سواءاً كان هماً عاماً أم شخصياً، يفضي بك حتماً إلــى الغيبوبة حين يعجز مخك عـــن التأقلم مـــع مـــا تلقيه عليه مــن حُمول ثقيلة، لذلك لن ينجيك مــن الغيبوبة وما هو أسوأ منها، إلا التعامل العبثي بقدر المستطاع مـــع الهموم العامة والخاصة لتخفيف حملها عــلـى النفس والعقل، شريطة أن لا تفرط فــي ذلـك فتعيش فــي غيبوبة موازية تفصلك عـــن واقعك تماماً.

"
كان الغرام الجامح قد عــمــل عمايله فــي صديقنا التوّاق إلــى الارتباط عقب التخرج، خـــاصـــة وأنه الوحيد فينا الذي يملك داخل القاهرة بدل الشقة شقتين، صحيح أنه لم يكن يملك أياً منهما، لكنه كان يعتبرهما تحت تصرفه

"

لكن تلك الكوابيس وما ارتبط بها مــن تأملات لم تستمر طويلاً، فقد شفى الله والدة صديقنا بشكل مفاجئ يقارب المعجزة، بعد أن ناءت الأسرة بأثقال تكاليف العلاج، لينتعش صديقنا كما لم ينتعش مــن قبل، خصوصاً وأنه لم يعد محاطاً فقط بمحبتنا نحن شِلّته الصغيرة، ولا بمحبة أفراد الدفعة الذين أغدقوا عليه مــن المودة والاهتمام، بل صار غارقاً فــي محبة زميلتنا التي حلت أزمته مـــع الدكتور، وكــانت تواظب عــلـى زيارته بمفردها فــي المستشفى حاملة له مــن الورود مـــا ثقل حمله وغلا ثمنه، وتظل معه عــلـى الهاتف بالساعات حتى ينام، وتكتب له ملخصات محاضرات لم يكن يدعنا نراها، لكي لا نرى مـــا تكتبه مــن رسائل غرامية عــلـى هامشها، لكنه كان يرينا نهاية كل ملخص، حيث كانت تكتب بعض الأوراد التي تنقلها مــن عمها المتصوف العتيد، والذي قـــال لها إنها أوراد لا تخيب فــي شفاء المريض مهما كان مرضه عضالاً، ولذلك لم يكن لديه أدنى شك فــي فعالية تلك الأوراد التي حملتها له المحبوبة، حين أفاقت والدته فجأة مــن غيبوبتها، وبشكل أدهش الدكاترة والممرضات ونزلاء الغرف المجاورة الذين رأى أن أقل مـــا يجب فعله مــن أجلهم، منحهم نسخة مــن تلك الأوراد، ليتم الله الشفاء عــلـى مرضاهم.

كنا نجتمع كثيراً فــي تلك الأيام السعيدة، فــي شقة صديقنا القريبة مــن ميدان باب الشعرية، كانت فــي الواقع شقة جدته التي كان يقيم معها ليصبح أقرب إلــى جامعة القاهرة، فــي حين كانت أخته تقيم مـــع والدته فــي شقة أسرته القريبة مــن مطار القاهرة، وحين كانت جدته تذهب إليهما فــي نهاية الأسبوع، كان يطيب لنا أن نبيت لديه، وأزعم أن أجمل أيام الجمعة التي قضيتها فــي حياتي، كانت فــي تلك الشقة العتيقة الكائنة فــي تلك العمارة القديمة، التي لم تتغير محبتنا لها ولا إقبالنا عليها، حين أعلنت إدارة الحي أنها عــلـى مشارف الدخول فــي فئة (منزل آيل للسقوط) بعد فترة مــن زلزال 1992 لا أعاده الله. ربما كان جزء مــن لا مبالاتنا بالامر مستمداً مــن جدته الجميلة، التي أيقنّا جميعاً أن غرابة أطواره كانت مستمدة مــن نبعها الأصلي، والتي كانت ترى أن البيت راسخ متين، وأن الشرخ الظاهر فــي واجهته اصطنعه ملاك البيت لكي يقوموا بهدمه وبيع أرضه، وكــانت تلك موضة قد بدأت الانتشار بعد كارثة الزلزال، لكن جدته فــي الوقت ذاته كانت تمنع الجميع مــن الخروج إلــى البلكونة لكي لا تنزل بهم إلــى الأرض، فــي حين تدخلها بكل ثقة لنشر الغسيل وجلب الثوم ومسح البلاط ووضع الماء والحَبّ للعصافير، مبررة ذلـك بأن جسمها خفيف وروحها أخف عــلـى عكسنا، كما كانت تقول فــي حواراتها النادرة معنا، فقد كانت تقضي طيلة الوقت معتكفة فــي غرفتها، تستمع إلــى الراديو الذي تعشقه فــي حين تكره التلفزيون "المتلقّح فــي الصالة"، والذي كنا نجتمع فيه لنشاهد مباريات الكرة بحماس تعلمنا مـــع الوقت أن ننزع منه طقس الدبدبة بالأقدام، حفاظاً عــلـى مشاعر "الناس اللي تحت" الذين لم يكونوا أقل حباً للبيت والمنطقة مــن صديقنا وجدته، لكنهم كانوا أكثر خوفاً وثقة فــي تحذيرات إدارة الحي.

كان الغرام الجامح قد عــمــل عمايله فــي صديقنا التوّاق إلــى الارتباط عقب التخرج، خـــاصـــة وأنه الوحيد فينا الذي يملك داخل القاهرة بدل الشقة شقتين، صحيح أنه لم يكن يملك أياً منهما، لكنه كان يعتبرهما تحت تصرفه، خصوصاً شقة باب الشعرية التي قــالــت له جدته فــي مبادرة رائعة إنها ستتركها له حين يتزوج، وأنها ستحرص عــلـى أن تموت بعد قراءة الفاتحة مباشرة، لكي يظل لديه فترة كافية لنسيان أحزانه والدخول عــلـى عروسته فــي الشقة بعد تجديدها، وبالطبع لم يأخذ كلامها بجدية، واتفق مـــع أمه عــلـى أن تنتقل جدته إلــى الإقامة معها، فــي الوقت الذي يقوم فيه بتشطيب شقة باب الشعرية، والمساهمة فــي ترميم العمارة إن استدعى الأمر ذلـك، لتتكرر زياراته إلــى شقة صديقنا القاطن فــي الدرب الأحمر، للإطلاع عــلـى أحوال عمارته القديمة التي كانت قد بدأت تتعرض للتنكيس لمواجهة آثار الزلزال.

"
لم تطل مقاومة جدته له طويلاً، حيث أعلنت استسلامها لرغبته فجأة، وقــالـت له فــي حضورنا ذات صباح جمعة إنها لن يهون عليها زعله، وإنها لن تنتظر الموت حتى يعيش حياته، ولذلك ستنتقل إلــى شقة الأم فور كتب الكتاب

"

كان لا بد أن يصحب استعداداته المادية استعدادات معنوية بدأها بالإفراط فــي الحديث مـــع حبيبته عـــن فضائل باب الشعرية، وأبرز مــن سكنها مــن مشاهير الأدب والفن وموقعها القريب مــن كل مكان فــي القاهرة وسهرها الدائم ودفء ناسها الاستثنائي وجدعنتهم المدهشة، لكنه اكتشف أنها لم تكن معنية بالعبق والدفء والحميمية و"مين اللي مَحني لك عمار؟ عُمّالك الطيابة" وسائر تلك الأشياء التي تعجب شعراء العاميّة، وأنها لا ترضى بالسكن خارج الجديدة وحدودها بديلاً، فانتقل عــلـى الفور إلــى الخطة (ب)، وهي تذكير والدته وأخته بفضائل باب الشعرية وأيامها الجميلة ودفئها الذي فقدوه فــي "الهوّ" الذي سكنوه. كانت أخته عــلـى وشك الانتقال إلــى بيت عريسها فلم تتدخل فــي الأمر، وأمه كانت منذ شفاها الله تتعامل معه بهدوء شديد، عرفنا فيما بعد أنه حكمة وبعد نظر، ولذلك قــالــت إنها بعد كتب الكتاب ستأخذ إجراءات نقلها مــن مقر عملها القريب إلــى مكان مـــا فــي وســـط البلد، وحين قــالــت له حبيبة القلب إنها لم تحب المنطقة التي تقع فيها شقته القريبة مــن المطار، لأنها منطقة مقبضة، كما أنها فاقدة الهوية، فلا هي تنتمي إلــى مصر الجديدة بشكل كامل، ولا هي تنتمي إلــى مـــديـنـة نصر التي تكرهها كراهة التحريم، وأنها تفضل أن يتأجل مشروع ارتباطهما حتى يصبح قادراً عــلـى السكن داخل الحدود التاريخية لمصر الجديدة، انتقل عــلـى الفور إلــى مشروع آخر، هو مشروع بيع شقة باب الشعرية لورثة المالك الطمعان فــي الأرض، ووضع مـــا يأتي مــن بيعها كمقدم لشقة ترضى عنها الحبيبة، وهو مـــا واصلت الأم التعامل معه بحكمة حين قــالــت إنها موافقة عليه، شريطة أن يقنع جدته، التي أصبحت فجأة العقبة الكؤود أمام هنائه العاطفي، فدخل معها فــي مواجهة قـــال فيها غاضباً إنها لا يجوز لها أن تربط انتقالها مــن باب الشعرية بالموت، لأنها كما يبدو مــن علامات صحتها الموفورة ستدفنهم جميعاً، يكفي أنها لم تشاهد التلفزيون منذ أن قاطعته عقب مـــقــتــل المذيعة سلوى حجازي، وهو مـــا يضيف إلــى عمر أي إنسان طبيعي عشرين عاماً فما بالك لو كان فوق ذلـك إنساناً خارقاً مثلها، لا يأكل عقب السادسة مساءاً أي شيء، ولا يأكل اللحوم والدواجن، ويمشي فــي الساعات الأولى مــن الصباح كل يوم ساعة يلف فيها أرجاء باب الشعرية، لتخاصمه الجدة بعد تلك المواجهة، وتزيد مــن ساعات اعتكافها فــي غرفتها، ثم تقرر التصعيد بالامتناع عـــن الذهاب إلــى أمه وأخته فــي نهاية الأسبوع.

لم يكن قد أخبرنا بتلك التطورات، ولذلك استيقظنا فــي السابعة مــن صباح الجمعة التالية عــلـى صوت صرخة حادة أطلقها مــن كنا نظنه أشرسنا، حين فتح عينيه فرأى الجدة تعبر الصالة متجهة إلــى البلكونة وهي تحمل "سَبَت" الغسيل، ولأنه لم يكن قد رآها مــن قبل، فقد ظنها لضآلة حجمها وحدة ملامحها ونكشة شعرها، شبحاً مــن أشباح البيت الذي هجره أغلب سكانه، لندخل فور معرفة الحكاية فــي كريزة ضحك كانت الأطول فــي تاريخنا، لم يقطعها إلا شخط الجدة فينا، لكي نرسل معها اثنين ليصحباها فــي جولتها الصباحية ويحملا معها حاجة البيت بدلاً مــن جلوسنا مثل قِلّتنا، لتبدأ منذ تلك اللحظة صداقة عميقة جمعت بـيـن أغلبنا وبينها، فبتنا ننحاز إليها فــي مواجهاتها المستمرة معه، والتي تتهمه فيها بجحود القلب، وتذكره بملاءات السرير التي كان يتبول فيها خوفاً مــن المدرسين، وكــانت تغسلها له فــي صمت لكي لا يعرف أحد، وبالأكلات التي كانت تتفنن فــي عملها له بكل محبة، لكي يرمّ عضمه الذي زاده طبيخ أمه الموظفة هشاشة وتلفاً، وبالدعوات التي لولاها لما نفخ اللي فــي صورته فــي امتحانات الثانوية العامة ليدخل إلــى كلية القمة محققاً حلم أبيه فــي أن يراه صحفياً قد الدنيا، وحين يفيض بها الكيل لا تعمل لوجودنا حساباً، فتذكره بسماحها بتحويل البيت إلــى مركز تقوية للمقاطيع مــن زملائه، لنأخذ فيه دروس مادة الإحصاء التي كان يعطيها لنا فــي شقته معيد المادة، والذي تزعم الجدة أنه كان سبب مـــا تعرض له البيت، لأنه كان لا يكف عـــن إبداء انبهاره بقدم العمارة وسقف شققها العالي وجمال درابزين سُلّمها ونقوش باب مدخلها، وحين احتدمت المواجهة بينها وبينه، قررت تصعيد مقاومتها السلبية، بحرماننا مــن روائع طبيخها الذي كنا نتلذذ به، فعدنا للاكتفاء بعمل البيض بالبسطرمة وسندوتشات الجبنة الرومي السايحة، التي كنا نحضر موادها الخام مــن بقال عظيم مجاور لقصر السكاكيني.

لم تطل مقاومة جدته له طويلاً، حيث أعلنت استسلامها لرغبته فجأة، وقــالـت له فــي حضورنا ذات صباح جمعة إنها لن يهون عليها زعله، وإنها لن تنتظر الموت حتى يعيش حياته، ولذلك ستنتقل إلــى شقة الأم فور كتب الكتاب، وستساعده بما لها مــن دلال عــلـى ورثة المالك الذين عرفتهم منذ طفولتهم، لكي يحصل عــلـى أعلى سعر لبيع الشقة، ليجري نحوها جاثياً عــلـى الأرض ومقبلاً قدميها، وننخرط جميعاً فــي بكاء جميل مــن ذلـك الذي لا تحب له أن ينتهي، حتى أنني ذهبت ليلتها إلــى السنترال لكي أتصل بجدتي فــي الاسكندرية، فأفزعتها دون مناسبة، ولم تصدق أنني أتصل فقط للاطمئنان عليها وسماع صوتها، ولم تغلق إلا بعد أن أقسمت لها بالمصحف الشريف وبحياة أمي ورحمة جدي، أنني لم أقع فــي ورطة جعلتني أتصل لكي يخرجني أخوالي منها، وبالطبع لم يكن مفاجئاً لنا أن نعلم منه فــي اليوم التالي أن تغيير موقف جدته العنيد، تحقق بفضل ورد هداية العاصي الذي أعطته له حبيبته نقلاً عـــن عمها المتصوف، والذي دأب عــلـى قراءته طيلة أسبوعين كان يصلي فيهما ركعتين لقضاء الحاجة، مـــع أنه مثل أغلبنا لم يكن يركع باقي الصلوات، إلا فــي موسم الامتحانات، ومن هنا بدأت حكاية أوراد العم المتصوف تتحول إلــى أسطورة، بعد أن تجاوزت أفراد شلتنا لتصل إلــى بعض أفراد دفعتنا، وأزعم أنها كانت لو امتلكت بعض الوقت لتحولت إلــى أسطورة تعم جامعة القاهرة وتتجاوز أسوارها، لكن الطعنة الغادرة التي تلقاها، كسرت بهاء الأسطورة، وحولتها إلــى تفصيلة درامية فــي مأساة مبكية، سرعان مـــا حولها الزمن كعادته إلــى ملهاة لا تخلو مــن عظة وعبرة.

نكمل الحكاية فــي الأسبوع القادم بإذن الله.

يمر عــلـى بالي فأذكره بكل خير، ويهفُّني الشوق إليه أحياناً فأسأل عـــن أراضيه بعض مــن بقيت عــلـى اتصال بهم مــن زملاء الدراسة، ومع أنه صار بعيداً عـــن العين، إلا أنه ظل حاضراً فــي البال كلما أردت أن أتخذ مثلاً عـــن الإنـســـان حين ينقذه شغفه، وإن بدا للآخرين شغفاً فــي غير محله، وهوساً بتفاصيل لا تسمن ولا تغني مــن جوع وبطالة.

فــي بدايات معرفتي به فــي عامنا الجامعي الأول كان يعطيك إحساساً بالكِبر والتناكة، سرعان مـــا اتضح أنه إحساس خادع، وأنه كان يخفي خلف ملامحه المتجهمة قلباً يَسَع مــن الحبايب عشرين، وأنه قادر بكلمات قليلة عــلـى تحويل قرفه مــن كل شيء، إلــى سخرية تنقض الوضوء مــن فرط قدرتها عــلـى الإضحاك، لكنه لم يكن يمنح بسهولة للآخرين ذلـك الوجه منه، ولذلك انضم متأخراً إلــى "شِلّتنا" الأزلية، التي كانت مـــع منتصف العام الدراسي الثاني قد اكتمل تكوينها مــن عشرة أفراد، لكنها حملت لقب (شِلّة العَشَرة) لسبب لا علاقة له بعدد مكونيها بل بعادات أغلبهم، وحين توثقت صداقتنا وأصبحنا نعرف تفاصيل علاقاتنا العاطفية، حملت الشلة لقباً آخر هو (الصابونجية)، ولم يكن للقب علاقة بالاستخدام الشائع للصابون فــي ذلـك السن، بل لأن الخيبة العاطفية كان يشيع وصفها بـ (الصابونة)، ولأن أغلبنا كان قد أخذ صابونة أو صابونتين ـ أخذ البعض أربعة واكتشف البعض أنه حلّوف مخلوق بدون غدة الحب ـ فقد صارت حكايات الصابونة وأسرار مانحاتها، تجمعنا وتعزينا عـــن آلام الغرام التي تبدو فــي ذلـك السن قاتلة وأبدية، ثم سرعان مـــا يتضح أنها ليست أبدية أبداً، حتى وإن كانت قاتلة.

كنا نعُدُّه أثقلنا وأعقلنا فــي الغرام، وقد كان كذلك بالفعل، وكـــان يبدو الأقرب إلــى نيل مراده الغرامي، والزواج بمن أحبها مبكراً فــي عامنا الجامعي الأخير، لكن وقعته لم تكن لتخطر عــلـى بال أحد، حتى أننا قررنا إخراجها مــن فئة (الصابونة) التي يصح بل ويجب التندر عليها، إلــى فئة (الجرح النافذ) الذي لا يصح رش الملح عليه بل ولا يجب الاقتراب منه. كنت قد سبقته إلــى الالتحاق بفئة (الجرح القطعي) الذي يصح رش الملح عليه بعد الاستئذان، والعجيب أن مــن منحتني ذلـك الجرح، كانت فتاة جمعني معه الغرام بها فــي عامنا الجامعي الثالث. لم تكن تجربة عــلـى طريقة هشام عباس فــي أغنيته: "عمّال يحكي لي عنها عمّال يوصف لي فيها وكلامه هز قلبي خلاني حلمت بيها"، والتي خرجت إلــى النور فــي ذلـك العام، وكــانت تليق بعصر مـــا قبل كاميرات الهواتف المحمولة، بحيث يصح منطقياً تصديق نهايتها الأليمة: "مش عايز أشوف حبيبتك، إوعى توريها لي"، كانت تجربتنا أشد بلاهة مــن ذلـك، لكن موقفه خلالها زادني محبة له.

"
انتهى خصامنا القصير، حين أقسم لي عــلـى المصحف أن مـــا قاله كان كذباً ارتجله ليخرج مــن غرابة الموقف، والغريب أنني تأثرت كثيراً بقَسَمه، كأنه كان ينفي لي إمكانية حدوث علاقة مدنسة بالإنسانة التي كنت أحلم بالارتباط بها

"

كان ستة منا قد قرروا البيات فــي منزل أحدنا العامر، لِهَرس منهج مادة ثقيلة الظل قبل امتحانات التيرم الأول، كنا فــي ليلة شتاء قارس البرد، مصابين بعد إرهاق المذاكرة بحالة مــن الشجن جعلتنا نثقل فــي العشاء الذي جلبناه مــن مطعم ردئ، لأن والدة زميلنا كانت قد طفشت وتركت لنا البيت وثلاجته الفارغة، وحين تصاعدت الأبخرة الناتجة عـــن سوء الهضم، كنت أقرأ عــلـى رفاق المبيت قصيدة غرامية جديدة كتبتها فــي حبيبتي المجهولة، التي كان يفترض أن أسلمها القصيدة فــي اليوم التالي، ولأنني كنت قد دخلت فــي تجربة غرامية عابرة ومفرطة فــي البلاهة قبلها، ونالني بسببها كم وافر مــن السخرية الأليمة، فقد جاهدت فــي كتمان حبي هذه المرة، فاحتار أصدقائي فــي معرفة اسم "ربّة شعري"، وحين كاد البكاء مــن فر الشجن يغلبني فــي نهاية القصيدة، وأخذوا فــي التصفيق إعجاباً بشعري أو تعاطفاً مـــع حالتي، قلت لهم أنني كتبت هذه القصيدة وأربعة عشر قصيدة فصحى وثلاث قصائد عامية قبلها فــي زميلتنا فلانة، لينظر اثنان منهما إليه، قبل أن يرتميا عــلـى الأرض مــن الضحك، ويظل هو فــي حالة "تبليم" لم تستمر طويلاً، قبل أن يقطعها قائلاً: "خلاص اتفضلها إنت أولى بيها"، فيلحق اثنان آخران بالمتمرمغين عــلـى الأرض ضحكاً وشخراً، وأبقى أنا وهو ناظرين لبعضنا ببلاهة، قبل أن يبادر هو إلــى احتضاني وطمأنتي: "مـــا تقلقش والله أنا مـــا كلمتهاش حتى، ده حب مـــع نفسي، وبعدين ده أصلا مش حب والله، إنما اللي انت بتعمله ده هو الحب عــلـى أصوله، ده حب لا أنا ولا أي خرية مــن دول يعرف يحبه"، ولكي يقطع الشك باليقين، ويثبت دناءة مشاعره الأرضية التي لا ترقى إلــى حبي السامي، صارحني أنه استمنى عــلـى حبنا المشترك مرتين، ولم يفهم لماذا شعرت بالإهانة، بل وصممت عــلـى الخروج مــن البيت فــي أنصاص الليالي، لكي لا أجاور مــن اعتدى بعشقه الفاني عــلـى عشقي الروحي، الذي اتضح بعدها أن له آخر، عــلـى عكس عشق الجسد، وهو مـــا كان يعرفه محمد عبد الوهاب أكثر مــن غيره.

انتهى خصامنا القصير، حين أقسم لي عــلـى المصحف أن مـــا قاله كان كذباً ارتجله ليخرج مــن غرابة الموقف، والغريب أنني تأثرت كثيراً بقَسَمه، كأنه كان ينفي لي إمكانية حدوث علاقة مدنسة بالإنسانة التي كنت أحلم بالارتباط بها، لكنني كنت أراها حزمة نور سماوي لا يمكن أن يقترب الإنـســـان منه بمشاعره الأرضية، وربما كان مــن حسن حظها وحظي أن تلك العلاقة لم تكتمل، وأنها وجدت مــن يراها بشكل أرضي بشري، فأنجبت منه ثلاثة أطفال وعاشت معه أسعد ثلاث سنوات فــي حياتها، قبل أن تخلعه فــي محكمة أرضية، وهو مـــا لم أكن أتصوره أنا وهو فــي ذلـك الوقت الذي تسود فيه المشاعر المشبوبة، ويرى الإنـســـان كل شيء يخص الحب بأبعاد مضخّمة تشبه أبعاد مرآة السيارة، ولذلك وحده نسيت نفسي وحالتي الضنك، وسارعت إلــى التقدم لطلب يد حبيبتي فــي نهاية العام الجامعي الثالث، قبل أن يكون لدي أكثر مــن ثلاثة غيارات داخلية وبنطلونين، وسارع هو إلــى الاتفاق مـــع حبيبته "الجديدة" عــلـى الزواج فــي منتصف العام الرابع، برغم رفض أهلها للفكرة.

أمه التي كان نور عينيها بعد وفاة أبيه المبكرة، تعاملت مـــع جنونه العاطفي بحكمة، وقــالـت إنها ستوافق عــلـى أي شيء يسعده، فرأينا فــي استسلامها لطلبه، رغبة منها فــي عدم الدخول فــي "وجع قلب" لا لزوم له، خـــاصـــة أنها كانت فــي العام الـــســـابـق مباشرة، قد دخلت فــي غيبوبة دامت أكثر مــن ستة أشهر، ظللنا فيها نتناوب زيارته فــي مستشفى عين شمس الجامعي، حيث كان يلازمها بالتناوب مـــع أخته، فنعطيه مـــا فاته مــن المحاضرات، ونخبره بما يجب عليه أن يحضره مــن "سكاشن" وتدريبات عملية، وحين اصطدم بدكتور فظ رآه سرحاناً فــي محاضرته، فقال له إنه سرحان فــي مصير أمه التي ترقد فــي غيبوبة، ليرد عليه الدكتور بجلافة قائلاً أنه لا داعي لأن يكون هو أيضاً فــي غيبوبة كالتي ترقد فيها أمه، وحينها تضامنّا جميعاً معه ولحقنا به خارجين مــن المحاضرة، ليتوتر الموقف ويتصاعد بتقديم شكوى إلــى إدارة الكلية، وتذهب الفتاة التي أحبها إلــى الدكتور لتشرح له حالة الأم الصحية، وكيف أنها تعني له كل شيء لأنها جاهدت فــي تربيته هو وأخته بعد وفاة والده، ليذهب الدكتور إلــى زيارته فــي المستشفى، ويعفيه مــن حضور المحاضرات، ويطلب منه اللجوء إليه فــي أي خدمة يطلبها، حتى تقوم الوالدة بألف سلامة.

وقتها تحولت تلك الغيبوبة إلــى شبح يطاردني فــي كوابيسي الليلية والنهارية، فقد كنت قبلها أتابع بحزن أخبار إصــــابــة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين بأزمة مرضية حادة، جعلته يدخل فــي حالة غيبوبة، بعد أن غزا العراق الكويت، ولأنه لم يكن هناك وقتها جوجل ولا يحزنون، فقد عانيت فــي البحث فــي المكتبات عـــن الأسباب التي تجعل الشخص يدخل فــي غيبوبة، تجعله معلقاً بـيـن الموت والحياة لسنوات، يطلب فيها أحبابه له ولأنفسهم راحة الموت، لأصل إلــى تفسير يجمع بـيـن حالة أحمد بهاء الدين وحالة والدة صديقي، وهو أن "شيل الهم" أكثر مــن اللازم والطاقة والتوحد الدائم معه، سواءاً كان هماً عاماً أم شخصياً، يفضي بك حتماً إلــى الغيبوبة حين يعجز مخك عـــن التأقلم مـــع مـــا تلقيه عليه مــن حُمول ثقيلة، لذلك لن ينجيك مــن الغيبوبة وما هو أسوأ منها، إلا التعامل العبثي بقدر المستطاع مـــع الهموم العامة والخاصة لتخفيف حملها عــلـى النفس والعقل، شريطة أن لا تفرط فــي ذلـك فتعيش فــي غيبوبة موازية تفصلك عـــن واقعك تماماً.

"
كان الغرام الجامح قد عــمــل عمايله فــي صديقنا التوّاق إلــى الارتباط عقب التخرج، خـــاصـــة وأنه الوحيد فينا الذي يملك داخل القاهرة بدل الشقة شقتين، صحيح أنه لم يكن يملك أياً منهما، لكنه كان يعتبرهما تحت تصرفه

"

لكن تلك الكوابيس وما ارتبط بها مــن تأملات لم تستمر طويلاً، فقد شفى الله والدة صديقنا بشكل مفاجئ يقارب المعجزة، بعد أن ناءت الأسرة بأثقال تكاليف العلاج، لينتعش صديقنا كما لم ينتعش مــن قبل، خصوصاً وأنه لم يعد محاطاً فقط بمحبتنا نحن شِلّته الصغيرة، ولا بمحبة أفراد الدفعة الذين أغدقوا عليه مــن المودة والاهتمام، بل صار غارقاً فــي محبة زميلتنا التي حلت أزمته مـــع الدكتور، وكــانت تواظب عــلـى زيارته بمفردها فــي المستشفى حاملة له مــن الورود مـــا ثقل حمله وغلا ثمنه، وتظل معه عــلـى الهاتف بالساعات حتى ينام، وتكتب له ملخصات محاضرات لم يكن يدعنا نراها، لكي لا نرى مـــا تكتبه مــن رسائل غرامية عــلـى هامشها، لكنه كان يرينا نهاية كل ملخص، حيث كانت تكتب بعض الأوراد التي تنقلها مــن عمها المتصوف العتيد، والذي قـــال لها إنها أوراد لا تخيب فــي شفاء المريض مهما كان مرضه عضالاً، ولذلك لم يكن لديه أدنى شك فــي فعالية تلك الأوراد التي حملتها له المحبوبة، حين أفاقت والدته فجأة مــن غيبوبتها، وبشكل أدهش الدكاترة والممرضات ونزلاء الغرف المجاورة الذين رأى أن أقل مـــا يجب فعله مــن أجلهم، منحهم نسخة مــن تلك الأوراد، ليتم الله الشفاء عــلـى مرضاهم.

كنا نجتمع كثيراً فــي تلك الأيام السعيدة، فــي شقة صديقنا القريبة مــن ميدان باب الشعرية، كانت فــي الواقع شقة جدته التي كان يقيم معها ليصبح أقرب إلــى جامعة القاهرة، فــي حين كانت أخته تقيم مـــع والدته فــي شقة أسرته القريبة مــن مطار القاهرة، وحين كانت جدته تذهب إليهما فــي نهاية الأسبوع، كان يطيب لنا أن نبيت لديه، وأزعم أن أجمل أيام الجمعة التي قضيتها فــي حياتي، كانت فــي تلك الشقة العتيقة الكائنة فــي تلك العمارة القديمة، التي لم تتغير محبتنا لها ولا إقبالنا عليها، حين أعلنت إدارة الحي أنها عــلـى مشارف الدخول فــي فئة (منزل آيل للسقوط) بعد فترة مــن زلزال 1992 لا أعاده الله. ربما كان جزء مــن لا مبالاتنا بالامر مستمداً مــن جدته الجميلة، التي أيقنّا جميعاً أن غرابة أطواره كانت مستمدة مــن نبعها الأصلي، والتي كانت ترى أن البيت راسخ متين، وأن الشرخ الظاهر فــي واجهته اصطنعه ملاك البيت لكي يقوموا بهدمه وبيع أرضه، وكــانت تلك موضة قد بدأت الانتشار بعد كارثة الزلزال، لكن جدته فــي الوقت ذاته كانت تمنع الجميع مــن الخروج إلــى البلكونة لكي لا تنزل بهم إلــى الأرض، فــي حين تدخلها بكل ثقة لنشر الغسيل وجلب الثوم ومسح البلاط ووضع الماء والحَبّ للعصافير، مبررة ذلـك بأن جسمها خفيف وروحها أخف عــلـى عكسنا، كما كانت تقول فــي حواراتها النادرة معنا، فقد كانت تقضي طيلة الوقت معتكفة فــي غرفتها، تستمع إلــى الراديو الذي تعشقه فــي حين تكره التلفزيون "المتلقّح فــي الصالة"، والذي كنا نجتمع فيه لنشاهد مباريات الكرة بحماس تعلمنا مـــع الوقت أن ننزع منه طقس الدبدبة بالأقدام، حفاظاً عــلـى مشاعر "الناس اللي تحت" الذين لم يكونوا أقل حباً للبيت والمنطقة مــن صديقنا وجدته، لكنهم كانوا أكثر خوفاً وثقة فــي تحذيرات إدارة الحي.

كان الغرام الجامح قد عــمــل عمايله فــي صديقنا التوّاق إلــى الارتباط عقب التخرج، خـــاصـــة وأنه الوحيد فينا الذي يملك داخل القاهرة بدل الشقة شقتين، صحيح أنه لم يكن يملك أياً منهما، لكنه كان يعتبرهما تحت تصرفه، خصوصاً شقة باب الشعرية التي قــالــت له جدته فــي مبادرة رائعة إنها ستتركها له حين يتزوج، وأنها ستحرص عــلـى أن تموت بعد قراءة الفاتحة مباشرة، لكي يظل لديه فترة كافية لنسيان أحزانه والدخول عــلـى عروسته فــي الشقة بعد تجديدها، وبالطبع لم يأخذ كلامها بجدية، واتفق مـــع أمه عــلـى أن تنتقل جدته إلــى الإقامة معها، فــي الوقت الذي يقوم فيه بتشطيب شقة باب الشعرية، والمساهمة فــي ترميم العمارة إن استدعى الأمر ذلـك، لتتكرر زياراته إلــى شقة صديقنا القاطن فــي الدرب الأحمر، للإطلاع عــلـى أحوال عمارته القديمة التي كانت قد بدأت تتعرض للتنكيس لمواجهة آثار الزلزال.

"
لم تطل مقاومة جدته له طويلاً، حيث أعلنت استسلامها لرغبته فجأة، وقــالـت له فــي حضورنا ذات صباح جمعة إنها لن يهون عليها زعله، وإنها لن تنتظر الموت حتى يعيش حياته، ولذلك ستنتقل إلــى شقة الأم فور كتب الكتاب

"

كان لا بد أن يصحب استعداداته المادية استعدادات معنوية بدأها بالإفراط فــي الحديث مـــع حبيبته عـــن فضائل باب الشعرية، وأبرز مــن سكنها مــن مشاهير الأدب والفن وموقعها القريب مــن كل مكان فــي القاهرة وسهرها الدائم ودفء ناسها الاستثنائي وجدعنتهم المدهشة، لكنه اكتشف أنها لم تكن معنية بالعبق والدفء والحميمية و"مين اللي مَحني لك عمار؟ عُمّالك الطيابة" وسائر تلك الأشياء التي تعجب شعراء العاميّة، وأنها لا ترضى بالسكن خارج مصر الجديدة وحدودها بديلاً، فانتقل عــلـى الفور إلــى الخطة (ب)، وهي تذكير والدته وأخته بفضائل باب الشعرية وأيامها الجميلة ودفئها الذي فقدوه فــي "الهوّ" الذي سكنوه. كانت أخته عــلـى وشك الانتقال إلــى بيت عريسها فلم تتدخل فــي الأمر، وأمه كانت منذ شفاها الله تتعامل معه بهدوء شديد، عرفنا فيما بعد أنه حكمة وبعد نظر، ولذلك قــالــت إنها بعد كتب الكتاب ستأخذ إجراءات نقلها مــن مقر عملها القريب إلــى مكان مـــا فــي وســـط البلد، وحين قــالــت له حبيبة القلب إنها لم تحب المنطقة التي تقع فيها شقته القريبة مــن المطار، لأنها منطقة مقبضة، كما أنها فاقدة الهوية، فلا هي تنتمي إلــى مصر الجديدة بشكل كامل، ولا هي تنتمي إلــى مـــديـنـة نصر التي تكرهها كراهة التحريم، وأنها تفضل أن يتأجل مشروع ارتباطهما حتى يصبح قادراً عــلـى السكن داخل الحدود التاريخية لمصر الجديدة، انتقل عــلـى الفور إلــى مشروع آخر، هو مشروع بيع شقة باب الشعرية لورثة المالك الطمعان فــي الأرض، ووضع مـــا يأتي مــن بيعها كمقدم لشقة ترضى عنها الحبيبة، وهو مـــا واصلت الأم التعامل معه بحكمة حين قــالــت إنها موافقة عليه، شريطة أن يقنع جدته، التي أصبحت فجأة العقبة الكؤود أمام هنائه العاطفي، فدخل معها فــي مواجهة قـــال فيها غاضباً إنها لا يجوز لها أن تربط انتقالها مــن باب الشعرية بالموت، لأنها كما يبدو مــن علامات صحتها الموفورة ستدفنهم جميعاً، يكفي أنها لم تشاهد التلفزيون منذ أن قاطعته عقب مـــقــتــل المذيعة سلوى حجازي، وهو مـــا يضيف إلــى عمر أي إنسان طبيعي عشرين عاماً فما بالك لو كان فوق ذلـك إنساناً خارقاً مثلها، لا يأكل عقب السادسة مساءاً أي شيء، ولا يأكل اللحوم والدواجن، ويمشي فــي الساعات الأولى مــن الصباح كل يوم ساعة يلف فيها أرجاء باب الشعرية، لتخاصمه الجدة بعد تلك المواجهة، وتزيد مــن ساعات اعتكافها فــي غرفتها، ثم تقرر التصعيد بالامتناع عـــن الذهاب إلــى أمه وأخته فــي نهاية الأسبوع.

لم يكن قد أخبرنا بتلك التطورات، ولذلك استيقظنا فــي السابعة مــن صباح الجمعة التالية عــلـى صوت صرخة حادة أطلقها مــن كنا نظنه أشرسنا، حين فتح عينيه فرأى الجدة تعبر الصالة متجهة إلــى البلكونة وهي تحمل "سَبَت" الغسيل، ولأنه لم يكن قد رآها مــن قبل، فقد ظنها لضآلة حجمها وحدة ملامحها ونكشة شعرها، شبحاً مــن أشباح البيت الذي هجره أغلب سكانه، لندخل فور معرفة الحكاية فــي كريزة ضحك كانت الأطول فــي تاريخنا، لم يقطعها إلا شخط الجدة فينا، لكي نرسل معها اثنين ليصحباها فــي جولتها الصباحية ويحملا معها حاجة البيت بدلاً مــن جلوسنا مثل قِلّتنا، لتبدأ منذ تلك اللحظة صداقة عميقة جمعت بـيـن أغلبنا وبينها، فبتنا ننحاز إليها فــي مواجهاتها المستمرة معه، والتي تتهمه فيها بجحود القلب، وتذكره بملاءات السرير التي كان يتبول فيها خوفاً مــن المدرسين، وكــانت تغسلها له فــي صمت لكي لا يعرف أحد، وبالأكلات التي كانت تتفنن فــي عملها له بكل محبة، لكي يرمّ عضمه الذي زاده طبيخ أمه الموظفة هشاشة وتلفاً، وبالدعوات التي لولاها لما نفخ اللي فــي صورته فــي امتحانات الثانوية العامة ليدخل إلــى كلية القمة محققاً حلم أبيه فــي أن يراه صحفياً قد الدنيا، وحين يفيض بها الكيل لا تعمل لوجودنا حساباً، فتذكره بسماحها بتحويل البيت إلــى مركز تقوية للمقاطيع مــن زملائه، لنأخذ فيه دروس مادة الإحصاء التي كان يعطيها لنا فــي شقته معيد المادة، والذي تزعم الجدة أنه كان سبب مـــا تعرض له البيت، لأنه كان لا يكف عـــن إبداء انبهاره بقدم العمارة وسقف شققها العالي وجمال درابزين سُلّمها ونقوش باب مدخلها، وحين احتدمت المواجهة بينها وبينه، قررت تصعيد مقاومتها السلبية، بحرماننا مــن روائع طبيخها الذي كنا نتلذذ به، فعدنا للاكتفاء بعمل البيض بالبسطرمة وسندوتشات الجبنة الرومي السايحة، التي كنا نحضر موادها الخام مــن بقال عظيم مجاور لقصر السكاكيني.

لم تطل مقاومة جدته له طويلاً، حيث أعلنت استسلامها لرغبته فجأة، وقــالـت له فــي حضورنا ذات صباح جمعة إنها لن يهون عليها زعله، وإنها لن تنتظر الموت حتى يعيش حياته، ولذلك ستنتقل إلــى شقة الأم فور كتب الكتاب، وستساعده بما لها مــن دلال عــلـى ورثة المالك الذين عرفتهم منذ طفولتهم، لكي يحصل عــلـى أعلى سعر لبيع الشقة، ليجري نحوها جاثياً عــلـى الأرض ومقبلاً قدميها، وننخرط جميعاً فــي بكاء جميل مــن ذلـك الذي لا تحب له أن ينتهي، حتى أنني ذهبت ليلتها إلــى السنترال لكي أتصل بجدتي فــي الاسكندرية، فأفزعتها دون مناسبة، ولم تصدق أنني أتصل فقط للاطمئنان عليها وسماع صوتها، ولم تغلق إلا بعد أن أقسمت لها بالمصحف الشريف وبحياة أمي ورحمة جدي، أنني لم أقع فــي ورطة جعلتني أتصل لكي يخرجني أخوالي منها، وبالطبع لم يكن مفاجئاً لنا أن نعلم منه فــي اليوم التالي أن تغيير موقف جدته العنيد، تحقق بفضل ورد هداية العاصي الذي أعطته له حبيبته نقلاً عـــن عمها المتصوف، والذي دأب عــلـى قراءته طيلة أسبوعين كان يصلي فيهما ركعتين لقضاء الحاجة، مـــع أنه مثل أغلبنا لم يكن يركع باقي الصلوات، إلا فــي موسم الامتحانات، ومن هنا بدأت حكاية أوراد العم المتصوف تتحول إلــى أسطورة، بعد أن تجاوزت أفراد شلتنا لتصل إلــى بعض أفراد دفعتنا، وأزعم أنها كانت لو امتلكت بعض الوقت لتحولت إلــى أسطورة تعم جامعة القاهرة وتتجاوز أسوارها، لكن الطعنة الغادرة التي تلقاها، كسرت بهاء الأسطورة، وحولتها إلــى تفصيلة درامية فــي مأساة مبكية، سرعان مـــا حولها الزمن كعادته إلــى ملهاة لا تخلو مــن عظة وعبرة.

نكمل الحكاية فــي الأسبوع القادم بإذن الله.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (صديقي الذي ضيّعه الحب وأنقذته الكُرة (1)) من موقع (العربي الجديد)"

السابق "أوبك" تتوقع تراجع الطلب عــلـى نفطها مـــع زيادة إمدادات المنافسين
التالى قمة الأطلسي كرست الخلافات مـــع واشنطن فــي يومها الأول