أخبار عاجلة
أمريكا تحتفي بتاريخ الموسيقى السعودية -

معضلة التصحيح الاقتصادي

معضلة التصحيح الاقتصادي
معضلة التصحيح الاقتصادي

الخميس 12 يوليو 2018 10:14 صباحاً

- مــن العناصر الاقتصادية المشتركة التي توحّد معظم الأقطار العربية حاجتها المتجدّدة إلــى ضبط موازناتها، وتصويب ، والانتقال نحو تقليل الإنفاق، وتحسين الإيرادات تحت مسمياتٍ عريضة، مثل العقد الاجتماعي، أو الاعتماد الذاتي، أو الخروج مــن  إلــى الاقتصاد الرأسمالي، أو التنويع الاقتصادي.
ولكن الملاحظ أن هذا الجهد قد بدأ يصطدم بحواجز خطيرة، وصار يهدّد شرعية بعض الأنظمة الحاكمة فــي الوطن الـــعــربـي، ففي الدول التي حباها الله بالنفط والغاز، تُركت الأمور المالية بيد السلطة الحاكمة، عــلـى أساس أنها تتولى رعاية مواطنيها، وتلبي حاجاتهم.

ولذلك لم تفرض ضرائب إلا فــي حدود النزر اليسير، وفـــي إطار الضرائب غير المباشرة. واكتفت بعض الدول النفطية بفرض رسوم خدمية عــلـى الطعام الجاهز، وعلى المشتقات النفطية، والخدمات الحكومية.
وفـــي المقابل، منحت الحكومات مواطنيها إعفاءات خـــاصـــةً، و ومشترياتهم مــن الماء والكهرباء، ومنحتهم مزايا إسكان وتعليم وتطبيب، تكاد تكون بالمجان.

وقد مضى هذا الاتفاق عــلـى أحسن مـــا يكون، خصوصا بعدما استُثني الوافدون مــن كل هذه المزايا، وحُصرت فــي المواطنين.
ولكن لمّا بدأت تعاني مــن العجز، بسبب تراجع مداخيلها وتباطؤ النشاط الاقتصادي، وارتفاع كلف الـــحــرب، الساخنة منها والباردة، اضطرت هذه الدول إلــى إعادة التفكير فــي أسلوب الإنفاق البذخي، والتسامح الضريبي.
ولكن ثار السؤال: طالما أن تأليف قلوب الناس قد قام عــلـى معادلة الحكم فــي مقابل العيش الرغيد، فإن نقض أي طرفٍ لشروط التفاهم غير المعلن سيؤدي حتماً إلــى تساؤل الطرف الآخر عـــن مدى التزامه بذلك التفاهم.

ولذلك، جاء فرج ارتفاع أسعار النفط، ولو مؤقتاً، لإعطاء فرصةٍ للأنظمة الحاكمة لكي تؤخر قراراتها التقشفية والجبائية.
أما فــي باقي أقطار الوطن الـــعــربـي، المهدّم منها والمحتاج إلــى إعادة البناء، أو الذي نجا مــن الفتن، لكنه تحت ضغط اقتصادي رهيب، بعدما استنفد كل الوسائل المتاحة لضبط موازنته وزيادة الأعباء عــلـى موازنات أسر مواطنيه، فقد واجه احتجاجاتٍ كما جرى فــي ، وتونس، والمغرب، وإلى حد مـــا . هذه الدول يجب أن تبدأ بالتفكير فــي واقعها الصعب.

ثبت بالمعاينة الدقيقة للدول العربية التي اتبعت سياسة مالية متقشفة أن هذه الإجراءات لم تفد كثيراً فــي تقليل العجز، أو تخفيض المديونية، أو منع التباطؤ الاقتصادي مــن الاستمرار.
وستبين النتائج قريباً أن ثقة المستثمرين المحليين أو الخارجيين بالاقتصاديات العربية قد تضاءلت. وبالكاد ستحقق أي دولة عربية نمواً سنوياً فــي ناتجها المحلي يستحق الذكر (مـــا عدا العراق وقطر وجيبوتي)، وسيكون هذا أقل مما كان عليه عام 2017.

إذن، استنفدت السياسة المالية وسائلها التصحيحية، ولم تحقق أي نتائج تُذكر. إذن، مـــا الذي يبقى أمامها مــن وسائل لإعادة دوزنة أوتار اقتصادها؟
لا يبقى أمامها إلا منافذ السياسة النقدية، والسياسة التجارية: وكلا الأمرين أحلاهما مرُّ.
السياسة النقدية تعني استخدام سعر الإقراض أو الإيداع (سواء فــي المصارف التقليدية أو الإسلامية) مــن أجل التحكّم فــي الإنفاق وزيادة الادخار. أو بمعنى آخر، رفع سعر الفائدة، أو زيادة الأرباح التجارية عــلـى القروض المقدمة مــن البنوك الإسلامية.

ولكن هذا الإجراء يعني رفع تكاليف الاستثمار والاستهلاك. وسوف يضر الأول بالمسرِّع (زيادة الدخل عـــن طريق زيادة الاستثمار) أو بالمضاعف (زيادة الدخل الوطني عـــن طريق زيادة الاستهلاك). وبدون المسرِّع أو المضاعف أو كليهما سيكون تحقيق أي نمو صعبا.
زيادة كلف التمويل الإنفاقي، العام منه والخاص، لن تسمح للناتج الوطني بالنمو. ولذلك، لن تُحل مشكلة البطالة المستفحلة، خصوصا فــي صفوف الشباب.


أما وسيلة السياسة النقدية الأخرى (عدا عـــن سعر الفائدة)، فهي زيادة الكتلة النقدية. وتأتي زيادتها عـــن طريق طباعة النقود، وهو أمر ينطوي عــلـى مخاطر تهدّد الاحتياطات الأجنبية، ويجوز أن تصل إلــى النتيجة نفسها، بتخفيض سعر تبادل العملة الوطنية فــي مقابل الدولار أو الذهب.
ويؤدي هذا الأمر إلــى زيادة الأسعار، كما حصل فــي . ومع أنه إجراء محتوم، إلا أنه ينطوي عــلـى تضحيات كبيرة مــن المواطن المصري. 
أما السياسة التجارية، فتعني أن تضييق الخناق عــلـى الاستيراد عـــن طريق التعقيدات الإدارية عــلـى المستوردات، أو عـــن طريق رفع الرسوم الجمركية عــلـى السلع والخدمات المستوردة.
وقد يبدو الإجراء مبرّراً هذه الأيام فــي ظل الـــحــرب التجارية التي تدور رحاها بـيـن الولايات المتحدة مــن ناحية، وجيرانها فــي القارة الأميركية، وكذلك مـــع الدول الأوروبية ودول شـــرق آسيا مــن ناحية أخرى.

وفـــي ظل التراجع الكبير لدور منظمة التجارة العالمية، وضآلة تأثيرها عــلـى استمرار العمل بنظام التجارة الحرة فــي السوق العالمية، فإن هذه الـــحــرب ستفتّ فــي عضد الاقتصاد الدولي.
ولكن سياسة تقليل الاستيراد ستؤدي إلــى نتائج تخفيض العملة نفسها، خصوصا إذا لم تكن لدى الدول المعنية القدرة الاستيعابية عــلـى زيادة إنتاجها المحلي. وقد تبين أن البعثرة الحاصلة فــي الاقتصاد الـــعــربـي الكلي، والانكفاء القُطري، وسياسات التشاطر عــلـى بعضنا بعضا، وفرض الحصار والمقاطعة بشكل مفتوح أو غير معلن عــلـى بعضنا بعضا، سوف يبقي الجميع داخل الحلقة المفرغة، ولم يبق أمامنا حلٌّ إلا أن نتبنى سياسات اقتصادية متفق عليها، إذا أردنا أن نحقق إنجازاً.

إذا لم تتوفر لدينا أي بدائل مــن أجل إقناع المواطن الـــعــربـي فــي أي مكان، وكل مكان داخل هذا الوطن الـــعــربـي الكبير مترامي الأطراف، بسبب مـــا نعانيه مــن تشويش واضطراب، فنحن كلنا أمام معضلات خطيرة.
وفـــي ظل استخدام الـــحــرب الاقتصادية ضدنا لتمزيق الوطن، وهدر الموارد، وتضييع الفرص، ستعبّر شعوبنا التي سيقع عليها هذا العبء الذي لا يحتمل، عـــن رأيها سخطاً وغضباً.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (معضلة التصحيح الاقتصادي) من موقع (العربي الجديد)"

السابق كأس الـــعــالــم.. تنبؤات ومبالغات عربية
التالى "كأس الـــعــالــم" للسياسات العربية