أخبار عاجلة

الدكتور محمد جواد علي: قراءة فــي قصيدة “رجل لا يناسبه الانحناء” للشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة

الدكتور محمد جواد علي: قراءة فــي قصيدة “رجل لا يناسبه الانحناء” للشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة
الدكتور محمد جواد علي: قراءة فــي قصيدة “رجل لا يناسبه الانحناء” للشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة

الخميس 12 يوليو 2018 12:30 مساءً

– تحضر (الأنا الشاعرة) غالباً فــي كثير مــن قصائد الشعراء القدامى والمحدثين، وذلك لأن القصيدة تعبر دائماً عـــن حالة إنسانية تختص بها الأنا الشاعرة، مــن أجل أن تقدم رؤيتها الشعرية مــن خلال حشد العواطف والمشاعر الخاصة بالتجربة الشعرية التي تحملها القصيدة، وثمة شعراء يبالغون أحياناً فــي حضور الأنا فــي قصائدهم إلــى درجة النرجسية والغرور، لكنهم فــي الأحوال كلها يقدمون رؤية شعرية يمكن أن تكون معبرة عـــن تجربة الذات حصراً، أو تعبر عـــن تجربة ذوات أخرى تحيط بهذه الذات. الشاعر (عزالدين المناصرة) أحد كــبـار الشعراء الفلسطينيين يستحضر ذاته الشعرية فــي الكثير مــن قصائده، وهي ذات شعرية فردية فــي سياق، وذات فلسطينية وطنية فــي سياق آخر، وذات عربية قومية فــي سياق ثالث، ثم ذات إنسانية عامة فــي سياق رابع، وفـــي الأحوال كلها فهو مــن الشعراء الذين يعتزون كثيراً بذواتهم عــلـى أكثر مــن صعيد. – قصيدته الموسومة بـ(رجل لا يناسبه الانحناء) تنتمي إلــى جوهر الذات الشاعرة انتماء مطلقاً، وذلك مــن خلال حرارة التعبير والتصوير والتدليل الشعرية التي لا يمكن إلا أن تكون بهذا القدر مــن الانتماء إلــى الذات، فالعبارة العنوانية مؤلفة مــن خبر مفرد نكرة هو (رجل)، يأتي بعده فعل مضارع منفي ينفي المناسبة لحالة معينة، ومن ثم يأتي الفاعل (الانحناء) ليعبرعن موطن النفي ويثبت عكسه، بمعنى أن الرجل الذي لا يناسبه الانحناء إنما يناسبه الرفعة والعلوّ والشموخ وكل مـــا مــن شأنه الاعتزاز بالذات. – عتبة الاستهلال الشعري هي عتبة مخصوصة تستمد خصوصيتها مــن الطبيعة الجسدية والروحية المتعلقة بشخصية الرجل المشار إليه فــي عتبة العنوان: عيّروه بأنفٍ يشقُّ عنانَ السماء وبالنرجسِ الدمويِ الذي فــي الضلوع وبالصمتِ والكبرياء. فالجملة الشعرية الأولى فــي عتبة الاستهلال تبدأ بداية اجتماعية تقليدية كثيراً مـــا تحصل فــي مجتمعاتنا التي تتعامل بصورة مباشرة وشكلية مـــع الأشياء (عيّروه بأنف)، وبما أن الأنف هو جزء مــن خلق إلهي لا يحسن نقده أو التعبير به، فقد جاء الردّ الشعري مناسباً،حين استكمل الشاعر بعبارة (يشقّ عنان السماء)، مــن أجل الإيجاء بأن موطن المعايرة الخاص بصورة الأنف هو فــي الوقت نفسه مصدر فخر واعتزاز، مــن خلال علوّه وارتفاعه نحو الأعلى دلالة عــلـى القوة والصلابة فــي الشخصية التي تحمله، ولا يكتفي فــي رسم الصورة الاستهلالية عند هذا الحد بل يمضي باتجاه عطف هذه الصورة عــلـى صور أخرى تضاعف مــن قيمة الصورة الاستهلالية الأولى وقوة حضورها. الصورة الثانية المعطوفة فــي عتبة الاستهلال هي: (وبالنرجس الدموي الذي فــي الضلوع)، وهنا يتجاوز الشاعر حساسية الصورة الأولى وردّ فعله الشخصي عليها، ويمضي فــي سياق تشكيل صورة شعرية مجازية تقوم عــلـى تحويل الجسد إلــى كائن ملتحم بالطبيعة فــي أوج تدفقها، فعبارة (النرجس الدموي) تزاوج بـيـن (النرجس) الذي يمثل زهر الطبيعة فــي ربيعها، وبين (الدم) الذي يسري فــي عروق الجسد، وبأن هذا النرجس الدموي الذي يتحرك فــي الضلوع هو دم الشاعر المبدع رمز حضارة الشعب والأمة، وبأن أنفه الشامخ يناسب هذا النوع مــن النرجس الدموي ويتفاعل معه مــن أجل عطاء شعري وثقافي أكبر. – ثم تأتي الصورة الاستهلالية المعطوفة الثالثة (وبالصمت والكبرياء)، كي تضيف إلــى التشكيل العام للصورة الاستهلالية قيماً جديدة، القيمة الأولى هي (الصمت) بوصفها قيمة تعبيرية تتصل بالتأمل والسكون والهدوء، والقيمة الثانية هي(الكبرياء) الذي يجعل مــن الشخصية شخصية استثنائية تستكمل شروط الصورة فــي هيأتها العامة الكاملة. – تفضي العتبة الاستهلالية إلــى متن شعري محتشد بشبكة مــن الصور الشعرية المتعلقة بشخصية الرجل الذي قدمته عتبة العنوان، حيث يسعى الشاعر فــي كل صورة إلــى بناء ملمح معين مــن ملامح شخصية هذا الرجل. الصورة المتينة الأولى تصف الـ(الرجل) فــي شكله الشعري الخاص الذي يتميز بالشرود والانتماء إلــى الفضاء الخارج عـــن الواقع: رجلٌ شاردٌ دائماً فــي حنايا الفضاء أما الجملة الخبرية بالوصف (رجل شارد)، والشرود هنا صفة إيجابية تدل عــلـى خصوصية فــي النظر إلــى الكون والأشياء، وهي إحالة عــلـى شخصية شاعر فــي هذا السياق المحدود بقيمة ذات طبيعة تنمتي إلــى عالم الشعر، يعقبها بظرف ملازم للظرفية هو (دائماً) تعبيراً عـــن دوام الحضور والفعل والممارسة، وهذا الشرود  الدائم حتى يكون شعرياً لا بد له مــن مكان وزمن ورؤية تسنده وتحقق مبتغاه، لذا تأتي شبه الجملة المكملة للصورة (فــي حنايا الفضاء) حتى تبرر إيجابية النظرة إلــى حالة الشرود، وجعله ممارسة شعرية لا يتصف بها غير الشعراء، بمعنى أن الرجل الشارد هنا اكتسب صفة الشعرية حتماً. – الصورة المتنية الثانية هي استعادة لصورة العنوان كاملة وتكرارها إمعاناً فــي تثبيتها وتوفير فرصة قراءةمضاعفةلها: رجلٌ لا يناسبهُ الانحناء بحيث تبدو الصورة المكررة والمنتزعة مــن عتبة العنوان وكأنها صورة جديدة تسهم فــي توكيد نزعة الرفعة والكبرياء، مــن خلال نزع صفة الانحناء التي جرى شعرياً العمل عــلـى نفيها نفياً قاطعاً فــي عتبة العنوان وفـــي داخل المتن الشعري أيضاً. ينتقل المتن الشعري بعد ذلـك إلــى مرحلة جديدة مــن مراحل التعبير فــي بناء جملة القول المنسوبة إلــى الغائب فــي جملتين تنتميان إلــى الوصف الجسدي: قيلَ يشبهني فــي التقاطيع، قيل: خصوصاً سوادُ العيون الجملة القولية الأولى تحاور الشكل العام لصورة الشخصية فــي نموذجها الذاتي، إذ انتقل التوصيف الشعري مــن (رجل) مفرد نكرة إلــى منطقة الذات الشاعرة (قيل يشبهني)، فالفعل المبني للمجهول (قيل) يحيل عــلـى فاعل غائب، وتأتي شبه الجملة (فــي التقاطيع) لتدخل الصورة فــي فضائ الاحتمال، ثم تأتي الجملة القولية الثانية لتدهب إلــى التخصيص بعد التعميم، فمن كلمة (التقاطيع) وهي كلمة عامة إلــى التخصيص بوساطة (خصوصاً) نحو (سواد العيون)، إذ تنتهي هذه المرحلة مــن التوصيف الشعري وتدخل الذات الشاعرة بهذا التحديد التوصيفي للشكل المحتمل فــي جملتي القول، ويعود المتن الشعري مرة أخرى إلــى التوصيف النكرة المفرد لشخصية القصيدة بما يتلاءم مـــع عتبة العنوان. تتكون العودة الجديدة عــلـى فضاء الإفراد والتنكير لشخصية القصيدة مــن مجموعة جمل شعرية تعمل عــلـى استكمال صورة الشخصية، وتبدأ الجملة الأولى وقد احتشدت بثلاث صفات تبدو فــي فضاء التلقي الطبيعي للمعنى اللغوي متناقضة، غير أنها فــي مضمار التشكيل الشعري الذي يصف شخصية شعرية لا تبدو عــلـى هذا الشكل مــن التناقض، لأن الصفة الشعرية فــي الشاعر تجمع أساساً بـيـن المتناقضات. رجلٌ واضحٌ غامضٌ وحزينْ يتقدم الموصوف (رجل) محاطاً بثلاث صفات، الصفة الأولى (واضح)، وفـــي صفة أصيلة لابد منها فــي شخصية الشاعر حتى يلقى قبولاً  مــن لدنّ جمهور القراء والمتلقين، غير أن صفة الوضوح هذه سرعان مـــا تلحقها صفة تناقضها تماماً (غامض)، لكن شخصية الشاعر مــن دون صفة الغموض تفقد الكثير مــن حساسيتها وسحرها، يمعنى أن الصفتين المتناقضتين عــلـى الصعيد الواقعي الاجتماعي هما صفتان أصيلتان فــي شخصية الشاعر، لا بد للشاعر أن يكون واضحاً وغامضاً فــي وقت واحد، ولعل الصفة الثالثة المعطوفة عــلـى هاتين الصفتين (وحزين) تتحرك باتجاه جمعهما فــي كيان واحد، فالحزن خاصية شعرية منتجة لا يمكن أن تكون بعيدة عـــن شخصية الشاعر بأية حال مــن الأحوال. – الجملة الشعرية الأخرى التي تعمل عــلـى وصف شخصية القصيدة فــي صورتها النكرة المفردة (رجل) تكشف عـــن قيمة الممارسة اللغوية التي أنجزتها هذه الشخصية، ضمن سياق الفعالية الشعرية التي أداتها اللغة: رجلٌ ساهمٌ فــي (لعلّ)، (عسى) سابحٌ فــي بحارِ المنى إذ يتقدم الموصوف المكرر (رجل) مستنداً إلــى صفة (ساهم)، وهذه الصفة تتجه نحو (لعل) و(عسى)، فــي إشارة إلــى الانشغال بقضايا اللغة ومسائلها الإبداعية، تلحقها صفة أخرى هي (سابح) لتكوّن جملة مجازية عابرة للدلالة (فــي بحار المنى)، عــلـى نحو تستكمل فيه الصورة الشعرية كيانها التشكيلي للوصول إلــى صورة الشاعر، وتبقى لحظة التصريح النهائية بالكينونة التي يجب أن تصل إليها شخصية القصيدة التي بقيت مــن أول القصيدة حتى آخرها متشبثة بموصوف مفرد نكرة (رجل)،فما تلبث أن تأتي لحظة الحسم الشعرية، وتصرح الذات الشعرية بأنويتها الصريحة الظاهرة. إنّه – دونَ لفٍّ ولا دوران – أنا فيأتي التوكيد أولاً فــي جملة إن (إنه) للإشارة إلــى النكرة المقصودة (رجل)، التي تتحرر مــن نكرتها وتفصح عـــن انتمائها إلــى الأنا الشاعرة (أنا)، وقد فصلت بـيـن اسم إن وخبرها جملة اعتراضية تعمق الشعور بالإعلانية والاعتراف (- دون لف ولا دوران -)، وهي جملة أشبه بالمثل الشعبي المتداول بقوة للتعبير عـــن قوة وضوح الاعتراف بلا مبالاة. _______________________
  • الدكتور محمد جواد علي: مسارات الخطاب الشعري، دار غيداء، عمّان، 2017
(العراق)

بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر (الدكتور محمد جواد علي: قراءة فــي قصيدة “رجل لا يناسبه الانحناء” للشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة) من موقع (رأي اليوم)

السابق بوتين للأمريكيين: أسلحتنا الحديثة وصواريخنا المدمرة الجديدة ليست موجهة ضدّكم
التالى بوتين: اتهام روسيا بحالتي التسمم فــي بريطانيا "لا أساس له"