أخبار عاجلة
«العدل» تُعِدُّ قضاتها لمهام المحاكم العمالية -
متى تكون الحيوانات المنوية أفضل لدى الرجال؟ -
أوكرانيا.. نصب تذكاري لمرتش ذهبي! -

د. هشام أحمد فرارجة: عــلـى حافة الهاويةْ مآلات الـــحــرب التجارية المستعرة بـيـن ترامب والصين

د. هشام أحمد فرارجة: عــلـى حافة الهاويةْ مآلات الـــحــرب التجارية المستعرة بـيـن ترامب والصين
د. هشام أحمد فرارجة: عــلـى حافة الهاويةْ مآلات الـــحــرب التجارية المستعرة بـيـن ترامب والصين

الخميس 12 يوليو 2018 02:48 مساءً

-  

د. هشام أحمد فرارجة   تخضع العلاقات الدولية بـيـن الامم لاعتبارات المصلحة الوطنية حسبما تراه كل دولة يخدم أهدافها، عــلـى الاقل مــن الناحية النظرية. وما يميز دولة عـــن اخرى فــي تحديدها لمصلحتها الوطنية، بالدرجة الرئيسية، هو كيفية صياغة المصلحة، وأيضا اعتمادا عــلـى مــن يساهم فــي رسم معالم تلك المصلحة.   ففي بعض الدول، ينحصر تحديد ماهية المصلحة فــي شخصية الحاكم الفرد المتفردّ، الذي يعتبر الاعرف، والادرى والافهم بما يخدم مجتمعه. وفـــي مثل هذه الحالات، يركز القائد، الذي يرسم لنفسه صورة بأنه الفذ الملهم، عــلـى تدعيم مـــا يحافظ عــلـى ركائز وأدوات حكمه، سواء كانت عسكرية، أمنية، اعلامية، اقتصادية، أو نفسية تعبوية.   وفـــي حالات اخرى، تتصدر نخبة مــن الافراد المتنفذين عملية بلورة مفهوم المصلحة الوطنية فــي بلدانهم، بحيث تجدهم يحتكرون معظم، ان لم يكن جميع، مـــا فــي دولهم مــن أدوات القوة، بمختلف أشكالها، بهدف الحد مــن ظهور منازعين لهم عــلـى النفوذ، ومن ثم، عــلـى تحديد مـــا تعنيه المصلحة الوطنية بالنسبة لهم. وفـــي الدول التي يحتكم فيها لآراء النخبة فــي تحديد معنى المصلحة الوطنية، تنشأ عادة المؤسسات التي تعنى باعطاء الانطباع بايجاد علاقة ترابطية مستمرة بـيـن عامة الناس، مــن ناحية، وأعضاء النخبة، مــن ناحية اخرى، وذلك بهدف اضفاء الـــشــرعــيـة عــلـى كل مـــا تقوم به النخبة مــن نشاطات وما تساهم فــي اتخاذه مــن قرارات. وفـــي غالب الاحيان، تجد المنطلقات فــي مثل هذه الحالات أكثر مـــا تكون عقائدية، أيديولوجية، حيث تحتكر النخبة أنظمة الحكم ورسم السياسات، اعتمادا عــلـى مـــا تُعرّفه هي بالمصلحة الوطنية.   وفـــي نوع آخر مــن الدول، تتغنى أنظمتها السياسية بكونها ديمقراطية تشاركية، يستطيع فــي ظلها كافة المواطنين المساهمة فــي تـقــريـر مفهوم المصلحة الوطنية، عـــن طريق الانتخابات، والانخراط فــي مؤسسات فاعلة بهذا الخصوص، والتعبير الحر عـــن الرأي للتأثير فــي صناعة القرارات المنبثقة عـــن، والتي ينبثق عنها، مفهوم المصلحة الوطنية. وتحت حكم مثل هذا النوع مــن الانظمة السياسية، يمكن لعامة الناس، تبعا لطبيعة الثقافة السياسية السائدة بينهم، أن يؤثروا فــي بلورة السياسات العامة، دعما للنظام الحاكم، أو احتجاجا عــلـى ممارساته.   وأيا كان نوع النظام الـــسـيـاسـي المعمول به، فان مفهوم المصلحة الوطنية السائد يؤثر تأثيرا مباشرا فــي مختلف جوانب حياة المواطنين، كونه ينعكس بتأثيراته عــلـى درجة الاستقرار التي تحيط بهم، وعلى مدى توافر سبل العيش الكريم لهم، أو عدمه، وكذلك عــلـى مـــا يربط بلدهم مـــع غيرها مــن البلدان مــن علاقات تعاونية، أو تنافسية. بمعنى آخر، فان مفهوم المصلحة السائد فــي بلد مـــا هو الذي يقرّر، أكثر مــن غيره مــن العوامل، حالة السلم أو الـــحــرب التي يمكن للبلد أن ينعم بها، أو يضجر منها.   ففي مجتمع غربي، كالمجتمع الامريكي، حيث مفهوم المصلحة الوطنية، بمكوناتها المادية، تطغى عــلـى أية اعتبارات اخرى، كان مؤسس المدرسة الواقعية، والذي يعتبر الاب الروحي لها، هانس مورغنثاو قد أكــــد بشكل لا ضبابية فيه بعد الـــحــرب العالمية الثانية، فــي كتابه الهام والشهير “السياسة بـيـن الامم” أن أهم محدد للسياسة الخارجية لبلد مـــا هو مـــا تعرّفه لنفسها مــن مصلحة وطنية. وفـــي مــعــرض تحليله لمنطلقات، ومكونات، وكيفية بلورة، وانعكاسات مفهوم المصلحة الوطنية، يوضح مورغنثاو أن الحالة الصراعية فــي العلاقات الدولية تملي عــلـى الولايات المتحدة ضرورة تطوير أدوات قوتها، لا سيما العسكرية منها، لتحافظ عــلـى تفوقها وأفضليتها بـيـن باقي الدول. وان كان مورغنثاو قد ركز فــي مــعــرض تناوله للطبيعة الصراعية فــي الـــعــالــم عــلـى أدوات القوة العسكرية بشكل خـــاص، بسبب تعاظم حدة الـــحــرب الباردة، مباشرة بعد انتهاء زواج المصلحة أثناء الـــحــرب العالمية الثانية بـيـن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، اّلا أن منظّرين آخرين لنفس المدرسة الواقعية، وان باشتقاقات مغايرة، جاءوا لاحقا ليؤكدوا عــلـى مركزية أدوات قوة اخرى، خـــاصـــة الاقتصادية منها، اضافة الى الادوات العسكرية. وكـــان مــن أبرز هؤلاء المنظرين روبرت غيلبين الذي التقط أهمية مـــا أحدثته ألمانيا واليابان بعد الـــحــرب العالمية الثانية مــن تطور اقتصادي وتكنولوجي هائل، رغم مـــا حل بهما مــن دمار محقق أثناء الـــحــرب العالمية. فغيلبين كان مــن بـيـن أولئك الذين بدأوا ينبهون صناع القرار وراسمي السياسات فــي الولايات المتحدة الى أن احداث التفوق العسكري لوحده قد لا يؤتي الثمار المرجوة، اذا لم يترافق معه تفوق اقتصادي، كذلك. فرغم مـــا حل بألمانيا واليابان مــن هزيمة كبرى فــي الـــحــرب العالمية، اّلا أنهما تمكنتا مــن اللحاق بالولايات المتحدة اقتصاديا، بل والتنافس معها، ومن ثم الاقتراب مــن التفوق عليها، فــي فترة تقل عـــن عقدين مــن الزمن.   هذه الطفرة فــي الاجتهادات والتفسيرات لما قامت عليه المدرسة الواقعية مــن مبادئ، هذه المدرسة التي تعتبر ركيزة السياسة الامريكية الرئيسية، دفعت بمفكرين آخرين لكي يدلو بدلوهم، ويطرحوا نظرة أكثر شمولية تحاول المزج بـيـن كافة عناصر القوة، بما فيها مـــا يمكن للدبلوماسية الفاعلة أن تحدثه مــن تأثيرات لخدمة المصلحة الوطنية للبلد. وكـــان مــن بـيـن أهم هؤلاء أحد أهم صانعي السياسة الخارجية الامريكية وأكثرهم تأثيرا حتى الآن، مستشار الامن القومي ووزير الخارجية الاسبق، هنري كيسنجر الذي ترك بصمات محفورة بعمق فــي نسيج علاقات الولايات المتحدة مـــع أقطاب الـــعــالــم الاخرى.   ورغم تشعب امتدادات وتأثيرات سياسات كيسنجر الخارجية، يبقى أحد أهم جوانبها هو مـــا قام بهندسته مــن علاقات بـيـن الولايات المتحدة وجمهورية الشعبية، بعد قطيعة دامت أكثر مــن عقدين مــن الزمن. فبالرغم مــن كون الصين أكثر دول الـــعــالــم تعدادا بالسكان، اّلا أن الولايات المتحدة لم تقم حتى بمجرد الاعتراف بالنظام الـــسـيـاسـي الجديد فــي الصين بعد الثورة عام 1949، وذلك لاعتبارات أيديولوجية بالدرجة الرئيسية. اّلا أن هذه القطيعة مــن قبل الولايات المتحدة لم تَرُق لعبقرية كيسنجر السياسية، بحيث تمكن مــن اقناع الـــرئـيـس ريتشارد نيكسون بفتح الباب عــلـى الصين، وان سرّا فــي بداية الامر. وكـــان مــن أهم العوامل التي حدت بكيسنجر للاقدام عــلـى الفكاك مــن نمط السياسة الخارجية السابقة التي لا تعترف بالصين، هو ادراكه لأهمية مسألتين أساسيتينْ الاولى، تتمثل فــي رؤيته أن تنشيط علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية متبادلة مـــع البلد الاكثر سكانا فــي الـــعــالــم سوف يساهم فــي اضعاف أية نزعة نحو المواجهة العسكرية مــن قبل، ومع هذا البلد، حيث تبادل المصالح وتداخلها يصبح كفيلا بجسر الفجوات القائمة، مـــع الوقت. ومن ناحية ثانية، وانطلاقا مــن فهمه الكوني لخارطة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ارتأى كيسنجر أن الدفع باتجاه التقارب الامريكي-الصيني يمكن أن يساهم فــي التشجيع عــلـى التباعد الصيني-السوفيتي، الامر الذي كان يعتبر أحد أهم أهداف كيسنجر الخارجية.   وبحكم عمق تأثير فكر كيسنجر فــي المجتمع الـــسـيـاسـي الامريكي، يمكن القول أن طروحاته بقيت تشكل ركائز السياسة الخارجية الامريكية تجاه الصين حتى وصول الـــرئـيـس الامريكي، دونالد الى سدة الحكم فــي البيت الابيض، مطلع العام الماضي. فالسياسة التي أرسى قواعدها كيسنجر، والقائمة عــلـى جسر الفجوات مـــع الصين مــن خلال تعميق التبادلات التجارية والثقافية بدأت تتعرض لهزات واختلالات حقيقية، قد يكون مــن الصعوبة بمكان معرفة مـــا يمكن أن تؤول اليه مــن مخاطر، بالضبط.   وضمن التصنيف المبسط أعلاه لمصادر صياغة المصلحة الوطنية، يمكن ادراج الـــرئـيـس ترامب بـيـن النوع الاول والثالث. فهو يرى فــي نفسه الاقدر مــن كل مــن سبقوه عــلـى رسم السياسات التي تخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة الامريكية، لا سيما مـــا تعلق منها بالعلاقات مـــع الصين، كون محور هذه العلاقات تجاري بالدرجة الرئيسية، وكونه يصوّر نفسه عــلـى أنه الاكثر خبرة ودراية فــي هذا المضمار. ووفق هذا الاعتقاد، يرى ترامب فــي نفسه ذلـك القائد الفذ، الاذكى مــن غيره، والاقدر عــلـى حل مـــا يسميه اشكالات التجارة غير المتكافئة بـيـن الولايات المتحدة والصين. ففي مناسبات عديدة، أشار ترامب الى مـــا صوّره عــلـى أنه ممارسات تجارية غير عادلة بـيـن بلاده ودول اخرى فــي الـــعــالــم، وبشكل خـــاص مـــع الصين.   ومن ناحية ثانية، يجد ترامب نفسه مقيدا بما يمليه عليه الدستور الامريكي وقوانين عديدة اخرى مــن املاءات، بهدف احداث توازنات فــي الحكم مـــع مؤسسات الدولة الاخرى، تشريعية وقضائية. ولا يخفى عــلـى أحد أن ترامب يعتبر مــن أكثر الرؤساء الامريكيين، ان لم يكن أكثرهم، امتعاضا مما تفرضه عليه مثل هذه المتطلبات الدستورية والقانونية مــن قيود. وهو لا يألو جهدا فــي محاولاته لتحجيم دور سائر المؤسسات الاخرى وتهميشها، وأحيانا تحقير أعضائها وتعريضهم للاهانات، كما فعل مرارا وتكرارا مـــع عضو مـــجـــلـــس الشيوخ عـــن حزبه الجمهوري، جون ماكين.   ولذلك، يمكن القول بأن ترامب يبقى يتأرجح بـيـن رغباته ودوافعه الشخصية ليكون حاكما مطلقا لا يوازنه أحد، وبين مـــا عليه الامتثال له مــن متطلبات دستورية وقانونية. وهذا التأرجح لم يعد حبيس نفسه، أو مجرد خيال ينبع مــن اجتهادات فــي التفسير مــن قبل المحللين. وانما كان هو نفسه قد أفصح بصراحة عما يعتمل فــي داخله مــن خلجات بهذا الخصوص أكثر مــن مرة، والتي كان مــن أهمها عباراته أثناء مؤتمره الصحفي فــي سنغافورة بعد لقائه بزعيم كوريا الشمالية، كيم جون أون، بأنهْ “يرغب فــي أن يطيعه كل مــن يعمل معه”، كما الحال مـــع الـــرئـيـس كيم.   وانطلاقا مــن منهجية عمله العامة فــي ادارة الحكم، والتي تتصف عموما بالفردية والتمترس حول مـــا يعتقده هو مــن أفكار، تبرز معالم سياسته الاقتصادية التصادمية تجاه الصين. فترامب لم يخفِ ضغائنه ضد الصين، حتى قبل أن يتسلم مقاليد الرئاسة فــي الولايات المتحدة. ولا يكاد موضوع خارجي يطغى عــلـى تصريحاته الاعلامية قبل ترشحه، مثلما كان الامر بالنسبة لانتقاداته الموجهة للصين بسبب تغلغل وارداتها فــي الاقتصاد الامريكي. ولم يكن ترامب يتحفظ فــي توجيه عبارات السخرية اللاذعة لكل مــن سبقوه مــن الرؤساء، نظرا لعدم تمكنهم مــن الوقوف فــي وجه الاقتصاد الصيني المتمدد، حسب وجهة نظره. وقد يكون صعبا عــلـى الباحث أو الـــمــحــلــل أن يعثر عــلـى كثير مــن تصريحات ترامب قبل ترشحه التي لم يوجه فيها أقسى عبارات النقد والتهديد والوعيد للصين.   وبالتأكيد، لم تتوقف هذه الحملة الترامبية ضد الصين بعد أن أصبح ترامب مرشحا، ومن ثم، رئيسا. ولذلك، لم يكن مفاجئا بأي حال مــن الاحوال أن أقدم ترامب عــلـى فرض رسوم جمركية بنسبة 25% عــلـى مـــا هو أكثر مــن 200 مليار دولارا مــن الواردات الصينية فــي الولايات المتحدة، وأن هدّد بفعل ذات الشيء مـــع المزيد مــن الصادرات الصينية. ولم يكن مفاجئا أيضا أن قامت الصين باتخاذ خطوات مماثلة ضد صادرات أمريكية بذات المقدار الى الصين.   ورغم أن ترامب يبدو وكأنه هو صاحب اليد العليا للوهلة الاولى عند النظر الى اختلال كفة الميزان بـيـن مقدار الصادرات الصينية الى الولايات المتحدة، والتي تتجاوز قيمتها نصف تريليون دولارا، وبين الصادرات الامريكية الى الصين، والتي لا تتعدى ربع هذا المقدار، اّلا أن التقاء مجموعة مــن العوامل والمتغيرات الاقتصادية والسياسية فــي العلاقات الامريكية-الصينية، وكذلك عــلـى المسرح الدولي بشكل عام، تجعل مــن سياسة ترامب التصادمية مجازفة خاسرة، فــي أغلب الظن. فصحيح أن ترامب يستطيع أن يثقل كاهل الصين لو قام بفرض تعرفة جمركية بمقدار ال25% سالفة الذكر عــلـى كافة الواردات الصينية، كما يهدّد ويتوعّد، اّلا أن الصين فــي المقابل تستطيع أن تجعل الميزانية الامريكية العامة قعيدة، لو قامت بسحب، أو تسييل الاوراق المالية التي تشتريها مــن الخزينة الامريكية بحوالي 1.9 ترليون دولارا، أي مـــا يعادل 10% مــن مجموع العجز والمديونية فــي الميزانية الامريكية. فان كان ترامب يحاول أن يبطل مفاعيل العجز التجاري الذي تتمتع بفوائده الصين عـــن طريق رفعه للتعرفة الجمركية بتلك النسبة المبالغ فيها، يمكن لذلك أن يتحول الى سيف قاطع عــلـى عنق الميزانية الامريكية التي مــن الصعوبة، ان لم يكن مــن الاستحالة، بمكان أن تقف عــلـى أقدامها، لولا الدعم الصيني أولا، ومن ثم الياباني، لها. وأمّا اذا مـــا كان ترامب يحاول أن يجبر الصين عــلـى شطب مستحقاتها مــن المديونية الامريكية مقابل تفاهمات تجارية معدلة، فانه فــي الاغلب يبذل جهودا عبثية، قد لا تقود اّلا الى مزيد مــن التوتير والتأزيم.   ولكن مغامرة ترامب غير المحسوبة، رغم ادعائه بخبرات اقتصادية وتجارية فذة، يمكن أن ترتد عليه وعلى الولايات المتحدة بويلات قاسية لعدة أسباب داخلية وخارجية. فعلى المستوى الداخلي فــي الولايات المتحدة، يمكن للترامب أن يحلم بزيادة نسبة الانتاج المحلي عـــن طريق تحفيز المواطن الامريكي لشراء سلع مصنوعة أمريكيا، وذلك برفع سعر السلعة الصينية بحوالي 25%، اّلا أن تكلفة الانتاج المرتفعة فــي الولايات المتحدة، اذا مـــا قورنت مـــع الصين، سوف تؤدي الى رفع مستوى الاسعار للسلع المنتجة أمريكيا أكثر بكثير مــن مجرد 25%، عــلـى الاقل فــي المدى المتوسط والبعيد. فمثلا، يبلغ معدل مـــا يتقاضاه العامل يوميا فــي الصين حوالي 12 دولارا. بينما لا يمكن لأي عامل أن يتقاضى أقل مــن 120 دولارا يوميا فــي الولايات المتحدة. هذا يعني أن مستوى سعر السلعة فــي الولايات المتحدة يجب أن يرتفع عــلـى الاقل عشرة أضعاف مـــا هو عليه الآن، حتى يصبح الانتاج مجديا لاصحاب الشركات والمصانع الامريكيين. والسخرية فــي الامر تكمن فــي أن كثيرا مــن الشركات والمصانع العاملة فــي الصين هي مصانع وشركات أمريكية، تبحث عـــن عمالة رخيصة وعن بيئة انتاجية لا تخضع لذات القوانين والانظمة والقيود التي عليها الامتثال لها فــي الولايات المتحدة. ولذلك، فانه ومن الآن، بدأ المواطن الامريكي يتحمل عبء بعض النتائج الفورية لخطة ترامب التجارية تجاه الصين، والتي كان عـــدد كــــبـيـر مــن الخبراء والمختصين قد نصحوه بعدم الاقدام عليها. ولا شك أن المواطن الامريكي سوف ينحى باتجاه تحمّل نسبة ال25% الجديدة، بدلا مــن الاقدام عــلـى شراء سلع أمريكية ذات سعر أعلى، وربما بجودة ليست أفضل. ففي الغالب، قد نلحظ تركيزا مــن قبل الصين عــلـى تحسين جودة سلعها المصدرة أكثر مــن ذي قبل لتجعلها أكثر منافسة لأية سلع أمريكية شبيهة يمكن انتاجها. وبذلك، يكون ترامب فقط قد نجح فــي تأزيم العلاقات مـــع الصين، ليس التجارية منها فحسب، وانما عــلـى صعد اخرى أيضا. ويمكن لهذا التأزيم أن يزداد حدة اذا مـــا أقدم ترامب عــلـى تنفيذ تهديداته بالحد مــن منح تأشيرات الزيارات لرجال الاعمال والمثقفين الصينيين. أي أن حدة التوتر فــي العلاقات الصينية-الامريكية قد لا تقف عند الحدود التي يتخيلها ترامب، وذلك بحكم عدم خبرته فــي رسم السياسات الدولية.   وأمّا عــلـى المستوى الخارجي، فأيضا تقف عدة عوامل فــي وجه رغبات ترامب ومخططاته الاقتصادية فيما يتعلق بالعلاقة مـــع الصين. فمن ناحية، قد تكون مخططات ترامب تترك مفاعيلها عــلـى الصين لو كان يعمل عــلـى استقطاب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، سواء فــي الاتحاد الاوروبي، كندا أو استراليا، تلك الاطراف التي قام باغضابها بزيادة التعرفة الجمركية عــلـى صادراتهم للولايات المتحدة. وفـــي ظل توتير العلاقات مـــع الاصدقاء والحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، يمكن ببساطة للصين أن تقوم باستغلال هذه البيئة المستجدة لتنشيط علاقاتها التجارية مـــع تلك الاطراف، بهدف التعويض عما قد يلحق بها مــن خسائر فــي علاقاتها مـــع الولايات المتحدة. ومما يعمّق مــن امكانية تبلور هذا الاحتمال، قيام ترامب بمطالبة الاعضاء الآخرين فــي حلف شـــمـــال الاطلسي بزيادة نسبة مساهماتهم المالية السنوية فــي ميزانية الحلف مقابل مـــا تقدمه الولايات المتحدة لهم مــن حماية، حسب رواية ترامب. هذا أيضا سوف يغضب هؤلاء الحلفاء ويدفع بهم نحو البحث عـــن شركاء بدائل، لا سيما فــي تعاملاتهم التجارية. والطرف الاكثر ترجيحا للاستفادة مــن هذه التفاعلات هي الصين، ذات الاقتصاد الاكبر فــي الـــعــالــم. فبهذه الحالة، سوف يزرع ترامب بذور الفرقة ليس بـيـن الولايات المتحدة والصين، فحسب، وانما مـــع شركاء الولايات المتحدة التقليديين.   وبالاضافة الى ذلـك، يبدو أن ترامب لم يربط بـيـن استفزازاته للصين برفع نسبة التعرفة الجمركية عــلـى صادراتها للولايات المتحدة مـــع مـــا يزعم أنه سيتمكن مــن تحقيقه فــي علاقاته الموهومة مـــع كوريا الشمالية. واضح أن ترامب لا يربط الجوانب المتعلقة فــي السياسة الدولية مـــع بعضها البعض. فحتى لو كانت كوريا الشمالية ميالة، وذلك أمر جِدُّ مشكوك فيه، الى أن تلبي رغبات ترامب بالتخلص مــن سلاحها النووي وصواريخها العابرة، فان العلاقة المتينة التي تربطها مـــع الصين سوف تدفع بها لتعقيد مـــا يخطط له ترامب، وربما ايقاعه فــي دوامة الاوهام والسراب. فهو ليس أمرا سرّا أن للصين تأثيرا كبيرا عــلـى كوريا الشمالية، بحكم الجوار، مــن ناحية، وبسبب مـــا يربطهما مــن تعاملات تجارية، مــن ناحية ثانية. فما يضعه ترامب مــن ضغوط عــلـى الصين سوف يترك أصداءه فــي علاقته الناشئة مـــع كوريا الشمالية. فهو لم يكن مــن قبيل الصدفة أن عزف الـــرئـيـس كيم عـــن لــقــاء وزير الخارجية الامريكي، مايك بومبايو فــي زيارة الاخير لبيون بيانغ، وأن قامت وزارة خارجية كوريا الشمالية بوصف الموقف الامريكي الذي جسده بومبايو بأنه أشبه مـــا يكون بتعامل العصابات. فحتى بدون تأزيم العلاقة مـــع الصين، مـــا كان لكوريا الشمالية أن تمتثل للمخططات الامريكية التي يرسمها ترامب. ولكن، بدفع الامور نحو الهاوية مـــع حليف كوريا الشمالية الاهم، الصين، يمكن للمرء أن يتخيل حجم مـــا يمكن لترامب أن يلاقيه مــن عقبات، حيث الصين ليست بذلك اللاعب الغائب عـــن المسرح.   وعلى صعيد آخر، وذات درجة عالية مــن الاهمية والخطورة، لا يمكن لاحد أن يضمن أن آفاق تأزيم العلاقة التجارية مـــع الصين سوف تبقى محصورة فــي هذا السياق. فسجل العلاقات الصينية-الامريكية فــي السنوات الاخيرة حافل بالتوترات، حتى عــلـى الصعيد العسكري. ففي أكثر مــن مرة، اقتربت الامور مــن حافة الهاوية بـيـن طائرات عسكرية أمريكية وصينية فوق بحر الصين الجنوبي. وفـــي أكثر مــن مرة، يبدو أن الصين قد قصدت أن تبرهن عــلـى قدراتها العسكرية فــي وجه الطائرات الامريكية. ولم تخلُ التقارير الاخبارية مــن المعلومات التي تبين حدة التوتر فــي هذه العلاقات، حتى قبل مجيء ترامب الى الحكم. فحتى فــي أواخر عهد الـــرئـيـس باراك أوباما، لم يحظَ باستقبال دافئ أثناء زيارة له الى ، حيث بقيت طائرته تنتظر لوقت طويل فــي المطار دونما البساط الاحمر.   وفـــي ذات الوقت، يكاد يكون هناك اجماع واسع النطاق بـيـن المختصين أن الصين تتفوق عــلـى الولايات المتحدة فــي الـــحــرب الالكترونية، حيث صدرت عدة تقارير تبين قيام اختراق شركات وجهات صينية لانظمة الحاسوب والشبكة العنكبوتية لعدة مرافق ومؤسسات حساسة فــي الولايات المتحدة.   وعليه، وحتى لو كان ترامب يحلم بأن بامكانه تعويض العلاقة مـــع الصين بتدعيم علاقاته مـــع بسبب اعجابه بشخصية الـــرئـيـس الروسي، فلاديمير ، تبقى خططه مجتزأة غير مترابطة، وتعبر عـــن نشوة اللحظة، لا عـــن مردوداتها الاستراتيجية. فهو أيضا، لا شك يغفل مدى حنكة بوتين وعمق قدراته عــلـى التعامل مـــع الامور بما يخدم مصلحة بلاده، لا تطلعات ترامب.   فبدون مبالغة، يبدو أن ترامب قد بدأ ينبش عشا للدبابير، كما يقال، بحيث أخذ يحيط نفسه بكافة الاخطار والتحديات، ليس فقط مـــع الخصوم، كالصين وروسيا، وانما أيضا مـــع الاصدقاء. وفـــي عالم تتعاظم فيه حدة التنافسات بـيـن المتطلعين للنفوذ والسيادة، يبدو أن الصين قد تكون الطرف المستفيد الاكبر.   لكن الخطر الحقيقي يكمن فــي أن كلا البلدين يمتلكان أكثر مما يكفي للتسبب فيما يعرف بالشتاء النووي، تلك الحالة التي ستودي بالحياة الانسانية وتطيح بأية فرص لانقاذ الكون. مرد ذلـك كله يعود الى مـــا عزم ترامب عــلـى شنه مــن حرب تجارية مستعرة مـــع واحد مــن أقوى اقتصادات الـــعــالــم التي لن تقبل بتطويعها، تلك الـــحــرب التي ليس هو بقادر عــلـى قراءة مآلاتها. هذه الـــحــرب التجارية التي يشنها ترامب تنسف أسس العلاقة مـــع الصين مــن ألفها الى يائها. وهي كفيلة أن تضع الـــعــالــم كله فــي حالة مــن التوتير، بشكل أخطر بكثير مما أحدثته أحلك مراحل الـــحــرب الباردة فــي القرن الماضي.   فعملية البناء تتطلب مهارة ونظرة ثاقبة. وأما عملية الهدم، فكل مـــا تحتاجه هو رعونة وتعطش لاشباع الذات، وان كانت هي الاخرى تأتي تحت مسميات خدمة المصلحة الوطنية. د. هشام أحمد فرارجة – استاذ العلوم السياسية فــي جامعة سانت ماري فــي كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية www.hishamahmed.com

بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر (د. هشام أحمد فرارجة: عــلـى حافة الهاويةْ مآلات الـــحــرب التجارية المستعرة بـيـن ترامب والصين) من موقع (رأي اليوم)

السابق ليلة ولادة تركيا
التالى كم يبلغ تعداد القطط فــي واشنطن؟