أخبار عاجلة
«العدل» تُعِدُّ قضاتها لمهام المحاكم العمالية -
متى تكون الحيوانات المنوية أفضل لدى الرجال؟ -
أوكرانيا.. نصب تذكاري لمرتش ذهبي! -

لبنان الحائر والمحيّر!!

لبنان الحائر والمحيّر!!
لبنان الحائر والمحيّر!!

الخميس 12 يوليو 2018 02:48 مساءً

- عبد الحسين شعبان غريب أمر هذا البلد الصغير فــي حجمه والكبير فــي حضوره، المتوافق مـــع محيطه والمختلف عنه. وإذا كانت مساحة الحرّيات واسعة فيه لكنّ الحقوق الأساسية للإنسان ظلّت منقوصة ومستلبة و”ديمقراطيته التوافقية” عائمة ومنحوسة،  حتى وإن حافظت عــلـى التوازن فبقلق وتوتر مستمرين مـــع موجات مــن الـــعـنـف لم يكن بعيداً عنها تأثير العوامل الخارجية، ناهيك عـــن تهديدات ” إسرائيلية” حكمتها الجغرافيا السياسية بحكم التصاقه بفلسطين. وبعد أن كان يطلق عــلـى ” سويسرا الشرق” عشية الـــحــرب الأهلية 1975-1989، التي حصدت الأخضر واليابس، وإذا به ينحدر بحيث يجد التعصّب والتطرّف والعنف تربة صالحة فيه، لدرجة أن مظاهر الـــعـنـف والإرهاب والتداخلات الدولية والإقليمية تعدّدت فيه واتخذت أشكالاً مختلفة . وعلى الرغم مــن كل مـــا قدّمه لبنان للعالم الـــعــربـي مــن إبداع وحداثة وتمدّن وأدب وفن وإعلام وتعايش عــلـى مدى تاريخه البعيد والقريب، فإن هذه المظاهر تنامت فــي جوفه أيضاً، فيكفي أن تحدث مشاجرة بسبب المونديال لتنتهي بحادث قتل، ناهيك عـــن الرصاص الطائش الذي يتطاير فوق الرؤوس بمناسبة وغير مناسبة، وفـــي الأفراح والأتراح ، الأمر الذي فاقمه احتدام الوضع الاجتماعي وتردي الأوضاع الاقتصادية. وبقدر مـــا يتمسّك اللبناني بوطنه ويذود عنه فإنه يضطر للهجرة، بحيث أصبح اللبنانيون الذين يعيشون فــي الخارج أكثر مــن هم فــي الداخل بما يزيد عـــن ضعفين، ومع ذلـك فإن هذا البلد يستقبل أكثر مــن مليون لاجئ سوري، إضافة جنسيات عربية أخرى، وكـــان مــن نتائج زيادة أعداد اللاجئين ارتفاع منسوب الـــعـنـف وانتشار المخدرات والإتجار بالبشر وعمالة الأطفال، فضلاً عـــن التسوّل والجريمة المنظّمة. وإذا كان هذا أحد أوجه الوضع اللبناني، فإن هناك وجهاً آخر هو أقرب إلــى المفارقة حيث يبقى لبنان يسبح عكس التيار، فقد دفعت تلك الأوضاع جهات مدنية ورسمية للتفكير فــي مواجهة ظاهرة الـــعـنـف وللحدّ مــن تأثيراته، وقد استجاب مـــجـــلـــس الـــوزراء اللبناني بأريحية واتخذ مبادرة بتوصية مــن وزارة الثقافة حين قرّر اعتماد يوم 2 اكتوبر (تشرين الأول) يوماً وطنياً لثقافة اللّاعنف، وحسب علمي فلبنان أول بلد عربي ينحو هذا المنحى وتجري الاستعدادات للاحتفال بالمناسبة فــي السراي الحكومي . وإذا كان ذلـك ينم عـــن إدراك سليم بأن الـــعـنـف الذي عانى منه لبنان لم يترك تأثيره عــلـى البنى التحتية الأساسية والمرافق الحيوية ويحصد عشرات الآلاف مــن الأرواح فحسب، بل إنه انغرس فــي النفوس وانغمس فــي الأرواح، الأمر الذي يحتاج إلــى معالجة مــن نوع جديد ليس للآثار الضارة والخطيرة، الواقعة عــلـى الضحايا وعلى المجتمع وامتداداتها وتأثيراتها العائلية والتربوية والدينية فحسب، بل لنشر ثقافة اللّاعنف والتسامح، باعتبارها ثقافة بديلة. وكــانت وزارة التربية والتعليم العالي قد قررت إدخال مادة اللّاعنف فــي المناهج الدراسية والتربوية وعلى جميع المراحل، وتقديم البديل عـــن ثقافة الـــعـنـف السائدة والتي لفّت لبنان والمنطقة بشرنقتها، لاسيّمـــا الـــعـنـف الطائفي والديني والإثني والمجتمعي ولم يعد أمراً عابراً أو نزاعاً محلياً، بقدر مـــا أصبح جزءًا مــن صراع دولي باسم الدين أو الطائفة أو التنوّع الثقافي أو العادات والتقاليد أو غير ذلـك. هكذا يدرك هذا البلد الصغير أهمية التربية عــلـى اللّاعنف، ولا بدّ أن يكون ذلـك جزء مــن عــمــل مشترك بتوفّر الإرادة السياسية يفضي إلــى تجفيف منابع الـــعـنـف الفكرية والاجتماعية والسياسية والدينية والمالية، وتلك مهمة طويلة الأمد وتتطلب جهوداً كبيرة ومستمرة ومتراكمة لتحقيقها، مثلما تحتاج إلــى تعاون دولي وإقليمي فعّال.  إن إدخال التربية عــلـى اللّاعنف فــي المناهج الدراسية يعني مــن الناحية العملية تشجيع ثقافة التواصل والتفاعل والتبادل، وثقافة الـــســلام والتعايش بـيـن أبناء الوطن الواحد وبين البشر بغض النظر عـــن انتمائهم الديني أو الطائفي أو الإثني أو اللغوي أو الجهوي، ويفترض ذلـك أيضاً الإقرار بالمساواة التامة ومنع التمييز لأي سبب كان، مـــع الإدراك إن ذلـك لن يحصل بالقوانين وحدها وإنْ كانت ضرورية، بل مــن خلال المشتركة حيث تلعب الثقافة والأدب والفن والرياضة والتجارة والسياحة والصداقة كل فــي مجاله دورها المهم. وكــانت بلدية بيروت قد وافقت عــلـى وضع تمثال اللّاعنف “العالمي”  (المسدس المعقوف الذي صممه الفنان السويدي كارل فريدريك رويترزفارد) عــلـى قاعدة ضخمة فــي “منطقة الزيتونة”، وتتعاون المكتبة الوطنية لوضع رمز للّاعنف يمثل النموذج العالمي  فــي مدخلها الأساسي أيضاً كجزء مــن حملة تنوير بأهمية اللّاعنف. ولبنان هذا البلد الصغير أسس أول جامعة للّاعنف فــي الـــعــالــم وهي  ” الكلية الجامعية للّاعنف وحقوق الإنـســـان AUNOHR” ، فبأول تفتح لبراعمها بلورت باقة القرارات اللّاعنفية التي تمت الإشارة إليها فــي أعلاه عــلـى الصعيد الحكومي أو فــي نشر ثقافة اللّاعنف فــي الساحات والحدائق العامة وفـــي مجال الفنون والآداب ، وهكذا يغدو لبنان عــلـى الرغم مــن كل شيء مـــعْلماً ثقافياً وحضارياً فــي نشر ثقافة اللّاعنف. وبقدر كونه حائراً فإنه بلد محيّر وغريب ومتميّز بكل مـــا فيه. باحث ومفكر عربي

بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر (لبنان الحائر والمحيّر!!) من موقع (رأي اليوم)

السابق ليلة ولادة تركيا
التالى كم يبلغ تعداد القطط فــي واشنطن؟