أخبار عاجلة

فيلم «ملف فــي الآداب»:رعب الدولة والمجتمع

فيلم «ملف فــي الآداب»:رعب الدولة والمجتمع
فيلم «ملف فــي الآداب»:رعب الدولة والمجتمع

الجمعة 13 يوليو 2018 12:14 صباحاً

- مــن النادر أن يثير فيلم جدلا واسعا كما حدث للفيلم المصري «ملف فــي الآداب» الذي أنتج عام 1985، فقد تناول الفيلم موضوعا جريئا وجديدا فــي عالم السينما ولكن هذا الموضوع كان قديما فــي تاريخ أي مجتمع أو دولة. ونتكلم هنا عـــن أمكانية اضطهاد رجل السلطة لمواطن عادي لا حول له ولا قوة ولا ذنب أقترفه لأسباب غير سياسية.
يبدأ الفيلم بضابط الشرطة «سعيد» (صلاح السعدني) وهو يعد كمينا محكما لشبكة تقودها «علية المرموطي» (تغريد البشيشي) وتتم مداهمة الشقة التي تستعملها الشبكة والقاء القبض عــلـى أعضائها بنجاح. وكــانت العملية بأكملها دقيقة مــن الناحية القانونية، ولذلك فقد كان الضابط مطمئنا بالنسبة لإمكانية أثبات الاتهام والادانة فــي المحكمة. ولكن الأمر تطور فــي اتجاه مغاير ومفاجئ لما كان الضابط يتوقعه حيث اتصل به رئيسه (شفيق الشايب) ليأمره ليس باطلاق سراح المتهمين فورا فحسب بل بالأعتذار لزعيمة الشبكة لاتهامها بأنها قوادة. وينصدم الضابط «سعيد» بكل ذلـك، ويرفض تقديم الاعتذار، ولكنه يجد نفسه مجبرا عــلـى اطلاق سراح أعضاء الشبكة وزعيمتها فــي نهاية المطاف عــلـى الرغم مــن احتجاجه المتواصل وفـــي أثناء كل هذا كان رئـيـس الضابط يعامل زعيمة الشبكة بكل احترام ويدعوها «هانم». وتتحول هذه القضية الى عقدة نفسية لدى الضابط «سعيد» وتجعله مصمما عــلـى التعويض عنها واثبات كفاءته امام الجميع والتمتع بلذة الانتصار.
ينتقل الفيلم الى مكان آخر وهو المنطقة التجارية فــي الـــعــاصــمـة المصرية القاهرة، حيث تتكون صداقة وطيدة بـيـن ثلاث موظفات، وهن «مديحة» (مديحة كامل) و»عايدة» (ألفت الأمام) و»رجاء» (سلوى عثمان)، ويعملن فــي ثلاث شركات مختلفة واقعة فــي نفس العمارة. وكــانت مــن عادة الموظفات الثلاث قضاء الوقت بـيـن أوقات الدوام الصباحي والمسائي فــي تناول طعام الغداء فــي مطعم معين والنظر الى واجهات المحلات التجارية لاستحالة الذهاب الى المنزل والعودة الى العمل فــي تلك الفترة القصيرة خـــاصـــة انهن ينتمين الى الطبقة الفقيرة وتكاليف المواصلات مرتفعة بالنسبة لهن. وفـــي هذه الأثناء تلاحظ الموظفات أن «كمال» (أحمد بدير)، وهو أحد زملاء «مديحة»، يتبعهن فــي تلك الفترة بشكل يومي ومن الواضح انه معجب بها. ولم تكن الموظفات يشعرن بالضيق منه نظرا لكونه لا يتجاوز حدود الأدب ألا أنهن وجدنه مثيرا للضحك أيضا. ولما كانت «رجاء» تعمل فــي شركة للأنتاج السينمائي و»مديحة» تمتلك آلة طابعة فــي منزلها، فقد كانت «رجاء» تعطي «مديحة» سيناريوهات لطبعها خارج أوقات العمل لــقــاء أجر.
يقوم الضابط «سعيد» بالاتصال بنادل (وحيد سيف) يعمل فــي المطعم الذي تجتمع فيه الموظفات. ولم يكن ذلـك الاتصال عشوائيا لأن ذلـك النادل ذو سوابق فــي عالم . ولذلك هدد الضابط ذلـك النادل باشد العواقب ان لم يزوده بأية معلومات عـــن أية عضوات فــي شبكات الدعارة يرتدن المطعم. ونجح الضابط فــي بث الرعب فــي قلب النادل خـــاصـــة أن الضابط ذكره بأنه يملك له ملفا فــي شرطة الآداب، ولذلك أراد النادل ارضاء الضابط بأي شكل كان. وكـــان النادل يعمل فــي الخفاء كقواد حيث يدير شبكة دعارة مــن المطعم نفسه، ولكنه بالطبع لم يكن يريد أطلاع الضابط عــلـى ذلـك. ولذلك فقد أدعى أن الموظفات الثلاث فــي الحقيقة مــن العاملات فــي ذلـك المجال. وأثار ذلـك الضابط الذي قرر مراقبتهن بشدة وأمر»مدكور» (محمود العراقي)، وهو مــن رجـــال الشرطة، بتتبعهن وقام «مدكور» بمهمته بطريقة متحمسة وساذجة الى درجة أن الموظفات اعتقدن أنه صعلوك يحاول التحرش بهن، فكن غليظات معه.
وفـــي تلك الأثناء يتصل «كمال» بمدير «مديحة» «رشاد» (فريد شوقي) طالبا مساعدته فــي خطبتها. ووافق «رشاد» بسرور وأخذ يسدي النصيحة له للتعامل مـــع هذا الأمر بحذر وحسب التقاليد المعروفة. وكـــان رأي «رشاد» أن مــن أهم الميزات التي يتمتع بها «كمال» هي امتلاكه لشقة قريبة مــن محل العمل كان قد ورثها، وهذا كان سيقنع «مديحة» بكون «كمال» الرجل المناسب لها حسب رأي «رشاد» أيضا. ومع تطور الموقف يقترح «رشاد» عــلـى «كمال» أن يقوم بدعوة الفتيات الى شقته تلك وأن يشمله فــي الدعوة بالاضافة الى صديق له لجعل الدعوة تبدو أكثر قبولا. وفـــي تلك الأثناء كان الجميع تحت المراقبة الدقيقة مــن قبل رجـــال الضابط دون معرفتهم. ويجتمع الجميع فــي شقة «كمال» وتسير الأمور بسلاسة وإذا بباب الشقة ينفتح فجأة عــلـى مصراعيه ويندفع الضابط ورجاله داخل الشقة ملقين القبض عــلـى الجميع بتهمة استعمال الشقة لإدارة شبكة للدعارة وســـط دهشة الضحايا، ويجر الجميع الى مركز شرطة الآداب أمام الجيران والناس. وفـــي مركز الشرطة يجبر الضابط الجميع عــلـى التوقيع عــلـى اعترافات مختلقة وافادات دون السماح بقراءتها، بعد أن ضغط عليهم وهددهم بأثارة الفضائح أن لم ينصاعوا لرغباته. ولكن الفضائح هي التي كانت مــن أهداف الضابط حيث اتصل بصديقه الصحافي «» (أحمد صيام) والذي يعمل فــي احدى الصحف المهتمة بالفضائح، وطلب منه نشر تفاصيل العملية مـــع ذكر أسم الضابط ورؤسائه.
و يشك الـــرئـيـس المباشر للضابط، وهو غير الذي ظهر فــي بداية الفيلم، وأحد زملائه بجدية الاتهامات ولكن الضابط يصر عــلـى موقفه وتحال الأوراق الى المحكمة فــي نهاية المطاف. وفـــي المحكمة ينجح محامي المتهمين بدحض الأدلة الواهية التي قدمها الضابط ورد الصاع صاعين مستخفا بالمخبرين الذين تعتمد عليهم الشرطة للحصول عــلـى المعلومات واصفا إياهم بالمأجورين والقوادين. وفـــي نهاية هذه المواجهة تعلن المحكمة براءة جميع المتهمين، ولكن الموظفات يصرخن بالقاضي أنهن عــلـى الرغم مــن براءتهن فــي المحكمة فماذا عـــن المجتمع الذي لا يعرف الرحمة، وسينظر اليهن الجميع وكأنهن عاملات فــي شبكة للدعارة فعلا الى الأبد.
ولكن المشكلة لم تنته قانونيا، فلكل المتهمين الآن ملفات لدى شرطة الآداب وستبقى هذه الملفات تهديدا عــلـى رقابهم طوال حياتهم. ومهما كان قـــرار المحكمة فإن المتهمين مــن الناحية العملية مدانون مــن قبل الرأي العام الذي لا يعترف بقرار القانون مهما قــالــت السلطات والصحف، فوصمة العار ستلاحقهم الى الأبد مهما فعلوا لأثبات براءتهم، ولن يعطيهم الناس حقهم فــي حياة كريمة وعادلة. ولا تقتصر الوصمة عــلـى الموظفات الثلاث، بل شمل الأمر الرجال أيضا لأنهم جميعا يعملون فــي وظائف محترمة مـــع زملاء سينظرون اليهم دائما بنظرة الاتهام والسخرية منهم وتتوسع الدائرة لتشمل أبناءهم، وفـــي هذه الحالة أولاد «رشاد» الذي قـــال فــي المحكمة أن الجميع يسخر مــن أولاده.
كان جميع مــن مثل فــي الفيلم بارعا فــي عمله ونجح المخرج والممثلون فــي اقناع المشاهد كأنه يشاهد شخصيات حقيقية وليس ممثلين وكـــان تطور الأحداث مشوقا. وكذلك نجح الفيلم فــي أكتساب تعاطف المشاهد مـــع شخصيات الفيلم، فقد ظهروا كأناس طيبين وخفيفي الظل يصارعون ظروفهم القاهرة بكل جهد ومحاولين البقاء ضمن حدود مجتمعهم لتحسين أوضاعهم. ونحن لا نتكلم عـــن الذين يذهبون الى النوادي أو يسافرون لقضاء العطلة فــي دولة أوروبية، بل عـــن الطبقات الكادحة التي تمثل الأغلبية الساحقة مــن المجتمع المصري وغيرها مــن الدول العربية.
كان مؤلف قصة الفيلم الأديب المصري المعروف «وحيد حامد» الذي يعد أشهر مــن كتب للسينما فــي الـــعــالــم الـــعــربـي وكــانت قصصه مادة لأشهر الأفلام المصرية مثل «المنسي» و»الأرهاب والكباب» وغيرها الكثير. وأما المخرج فقد كان الراحل «عاطف الطيب» (1947 – 1995) الذي كان ينتظره مستقبل باهر لولا وفاته المفاجئة بالسكتة القلبية.
يمثل الموضوع الذي تناوله الفيلم حقيقة مخيفة فــي أي مجتمع فــي الـــعــالــم وليس فقط فــي الـــعــالــم الـــعــربـي. وإذا كان ضــــابـط شرطة صغير قادرا عــلـى فعل كل هذا، فماذا يستطيع ضــــابـط كــــبـيـر القيام به. وهناك سؤال أكثر أهمية، وهو ماذا تستطيع أية حكومة فعله إذا أرادت تحطيم مواطن عادي. وعلى عكس الأفلام السينمائية التي ينتصر فيها البطل عــلـى الأغلب ويتعاطف المشاهد معه، فالواقع مختلف تماما. وقد أثبت التاريخ استحالة نجاح المواطن فــي الـــدفـــاع عـــن نفسه، وكذلك استحالة تعاطف الناس مـــع قضيته، فما ان يعرف الناس عـــن اتهام مـــا مخل بسمعة أحدهم حتى يترسخ هذا فــي عقولهم دون التساؤل حول صدق مـــا سمعوه. وهنا يعمل الكثيرون عــلـى التنكيل بالضحية.

كاتب مــن العراق

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (فيلم «ملف فــي الآداب»:رعب الدولة والمجتمع) من موقع (القدس العربي)

السابق وفد مــن فتح فــي القاهرة قريبا لإبلاغ مصر بقراراتها حول المصالحة
التالى هل تعانين مــن تساقط الشعر؟ جربي هذه الطرق الطبيعية