أخبار عاجلة
كندي ينتصر عــلـى السرطان ويفقد نصف وجهه -

بـيـن يسارهم ويسارنا

بـيـن يسارهم ويسارنا
بـيـن يسارهم ويسارنا

الجمعة 13 يوليو 2018 12:14 صباحاً

- هل يوجد يسار صهيوني تقدمي فــي إسرائيل؟ ربما، وماذا إن وجد؟
دعت جريدة «هآرتس» فــي افتتاحيتها المنشورة فــي السادس والعشرين مــن يونيو/حزيران الفائت إلــى انتخاب النائب أيمن عودة رئـيـسًا للمعارضة البرلمانية فــي الكنيست؛ كردّ مناسب، حسب رأي محرّرها، عــلـى استنهاض بنيامين نتنياهو لمنتخبيه فــي الانتخابات الأخيرة، وتحريضه السافر عــلـى العرب الذين «يتدفقون إلــى صناديق الاقتراع»؛ وما عكسه هذا التحريض مــن ارتفاع خطير فــي منسوب العنصرية وتفشيها فــي العامة الإسرائيلية، وممارساتها الاقصائية ضد المواطنين العرب، تستهدف انتزاعهم مــن «أحشائها» واعتبارهم فاقدين لشرعية الوجود فــي «الدولة اليهودية» ولحقّهم فــي مزاولة نشاطاتهم السياسية والاجتماعية فيها.
ووفقًا لجريدة «هآرتس» فإنّ هذه «المواجهة» ستكون ضرورية، ليس لأنّ أيمن عودة يمثل قيم «الـــســلام والديمقراطية والمساواة» فحسب، بل بسبب فشل زعـــيــم المعارضة المنتهية ولايته، يتسحاق هرتسوغ، الذي لم يقدّم بديلًا أيديولوجيًا أو عمليًا لحكومة اليمين ولسياسة نتنياهو.
لم يستثر هذا المقترح اللافت فضول السياسيين العرب، فهؤلاء، ومثلهم أتباعهم، يعيشون فــي عوالم مــن المفاهيم السياسية المُقوْلبة والمتخثّرة، التي لا تتأثر بأي مجازفة مشاكسة، أو فكرة جديدة، أو مبادرة «مورّدة» مــن خارج أسواق الاستهلاك الحزبية المحلية؛ ولا تعتمد عــلـى قواميس المواجهات الدارجة، بل تلتزم بفنون قتال «قبلية» موروثة ومدعمة «باشراقات» و»غزوات» جيوش «الفسابكة والتويتريين» العرب المندفعين مــن عــلـى ظهور «خيولهم» العصرية.
يحاول البعض أن يفسّر صمت القيادات العربية الواضح، وإعراضهم عـــن المقترح المذكور، بما يستبطنه هؤلاء القادة والنخب مــن مواقف عدائية تجاه أيمن عودة، رفيقهم وزميلهم فــي القائمة المشتركة، لاسيما وقد ظهرت هذه العدائية، مثلًا، بشكل أوضح، عندما اعترض هؤلاء الساسة والمعلقون عــلـى مبادرته فــي إقامة جسم/جبهة ديمقراطية عربية – يهودية واسعة لتقف فــي وجه فاشية الدولة المتنامية وضد الممارسات العنصرية للحكومة، التي لا تخفي أهدافها وما تخططه بحق المواطنين العرب ومؤسساتهم القيادية والتمثيلية فــي إسرائيل.
لم تنجح الأحزاب والحركات السياسية العربية فــي مواجهة أسباب ضعف القائمة المشتركة، ولا فــي اتخاذ مـــا يكفل استعادة أدوارها المأمولة، ولن أتطرق فــي هذه المقالة إلــى دواعي ذلـك القصور، أو إلــى أسباب فشلهم فــي إنجاز هذه المهمة المصيرية، فقد بات واضحًا، بعد هذه السنين، أن هذه القيادات ذاتها لم تستطع تطوير جوهر «المشاركة» فــي اطار سياسي جديد، وتحويله مــن مجرد جسر إنقاذ يساعدهم عــلـى عبور مرحلة طارئة وفارقة، إلــى «موديل» مستحدث فــي أنماط القيادة الجماهيرية المحلية، القادر عــلـى تصريف وضبط «شؤون الـــبـلاد ومصالح العباد» وعلى حماية المجتمع مــن أعدائه الخارجيين والداخليين.
لقد حذّرنا مــن جدية وعمق الخلافات بـيـن التيارات السياسية المختلفة، والأحزاب والحركات الدينية السياسية الناشطة بـيـن الجماهير العربية فــي إسرائيل، وأشرنا إلــى وجود كمّ مــن بذور المناكفات والعداوات الشخصية والمبدئية الموروثة، التي نمت فــي صدور القادة وعقول أتباعهم، وعششت فــي غابات مصالحهم الحزبية وفـــي دهاليزها العمياء، وعبّرنا عـــن خوفنا عــلـى مصير هذه التجربة وضياعها؛ إلا إذا تمّ تذليل أبرز العثرات البنيوية وإزالتها، بمساعدة نقاشات جوهرية وتقديم تنازلات متبادلة وبمسؤولية، وانخراط جميع الفرقاء بنوايا سليمة وبوفاء للأهداف، مــن دون تربّص و»استغفاء».
كانت محاور الخلافات بينهم وما زالت كثيرة، وأهمها برأيي، ذلـك التباين فــي الموقف مــن طبيعة الدولة وتعريف علاقتنا بها كأقلية، وكذلك اختلافاتهم المعلنة حول وسائل النضال المجدية ضد السياسات العنصرية، وتحديد سلم تحدّياتنا كمواطنين نواجه أخطارًا وجودية وحياتية عــلـى حد سواء. كان العمل مـــع «حلفاء» يهود، أو كما أسمتهم السياسة العربية «باليسار الصهيوني» محطّ خلاف فصائلي مزمن وأساسي؛ فاكثرية التيارات السياسية والإسلامية الناشطة بـيـن العرب فــي إسرائيل، باستثناء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، لم تقبل بهذا الخيار، لأسباب عقائدية ودينية وقومية، ونتيجة لنفي نجاعة تلك الشراكة عند آخرين أكدوا، كذلك، عــلـى دور بعض الشرائح مــن هذا اليسار الصهيوني فــي رسم وتنفيذ سياسة القمع ضد الفلسطينيين بشكل عام، وضدنا نحن الجماهير العربية فــي إسرائيل. لن ينتهي النقاش حول هذه المسألة مـــع نهاية هذه المقالة، وستبقى مهمة التفتيش عـــن حلفاء يهود وغيرهم ديْنًا وعهدةً عند الذين سيضطرون الى الوقوف أمام «دي ناينات» وبنادق الفاشيين الجدد مــن حكام اسرائيل الكبرى. ولكن مـــا يؤرّقني فــي هذه العجالة هو غياب مــن يمكن أن نسمّيهم بيننا باليسار الـــعــربـي، فكلما غصت أكثر فــي «تلابيب» أحزابنا وسبرت برامج حركاتنا السياسية والإسلامية، اقتنعت بخلوّ ساحاتنا الحزبية مــن تلك القوى اليسارية الحقيقية، أو أنها تكاد تكون خالية؛ وقد تكون هذه الحقيقة هي واحدة مــن أهم أسباب عدم نجاعة عــمــل القائمة المشتركة وغيرها مــن المؤسسات القيادية.
فهل يوجد يسار عربي فــي إسرائيل؟ ربما، ولكن دلّوني عليه.
لنقف عند أربعة محاور أساسية وندقق فــي مواقف العرب واليهود ازاءها ولنحكم بعدها مــن هو اليساري ومن لا. والمحاور هي: المحور القومي، المحور الاقتصادي، المحور الاجتماعي، ومحور حل المسألة الفلسطينية والصراع حولها. فمن يعرّف حزبه كحزب قومي حتى «النخاع» ويؤكد عــلـى أن قوميته هي فوق الجميع وأقدس مــن كل قيمة وشيء، لن يُعدّ يساريًا؛ ومن يمتح شرعية حزبه/حركته مــن ماء السماء ومن دمها لن يدخل البرلمان وعالم السياسة مــن يساره؛ ومن لا يؤمن بالمساواة التامة بـيـن الـ»نحن» و»هم» والنساء والرجال والسود والبيض والروس والعجم والعرب، لن يطأ «جنة» اليساريين.
هذه عينات بسيطة مــن التعريفات الأولية المقبولة فــي علم السياسة، التي لا يتردّد العرب فــي تطبيقها عــلـى المواطنين اليهود فــي إسرائيل، وبالأخص عــلـى مــن يعرّفون أنفسهم بالمتدينين القوميين وبالصهاينة؛ ولكن سيصير الأمر ًا أو مستحيلًا إذا مـــا أتينا لتطبيقها فــي ساحات العرب، فاليهودي المؤمن بأن أرض أسرائيل الكبرى هي مــن حقهم فقط، هو متطرف ولا يعدّ يساريًا؛ ومن يؤمن منهم بأن لا مكان لدولتين بـيـن «النهر والبحر» هو متعصب ولن يكون يساريًا؛ ومن يهيم ويتعلق بسياسة الأسواق المفتوحة ويعترض عــلـى حق الدولة بالتدخل فــي اقتصاد السوق، لن يكون إلا يمينيًا ويسعى وراء سوق «خنازيرية» وجني أرباح طاحنة؛ واليهودي المؤمن بأن الرب أوقف هذه الأرض مــن أجل شعبه المختار فقط، لن يكون إلا متزمتًا ويمينيًا؛ ومن يرفض تحقيق المساواة التامة بـيـن كل الناس وتأمين حريات جميع مواطني الدولة الأساسية، لن يكون الا يمينيًا وعنصريًا.
لا أسهل مــن صبّ «الغير» فــي القوالب؛ ولكن هل نستطيع فعل الأمر ذاته مـــع أحزاب العرب وحركاتهم السياسية والدينية الناشطة فــي إسرائيل؟ وإذا فعلنا فمن سيبقى منهم معدودًا عــلـى التقدميين وعلى أهل اليسار؟ جِدوا لي أولئك، وعندها سيكون بناء قائمة مشتركة معادلًا لإشادة الحصن المنيع، وستصبح بعدها إقامة جبهة مقاومة العنصرية والتزمتية والفاشية، مهمّة بدهيةً ومطلبًا شعبيًا ملحًّا وضرورة انسانية ووطنية .
فيا يساريين اتحدوا
كاتب فلسطيني

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (بـيـن يسارهم ويسارنا) من موقع (القدس العربي)

السابق روما تبحث إمداد القاهرة بـ«فاترينة تكنولوجية» لحفظ «الفرعون الذهبي»
التالى رئـيـس الأركان الجزائري: لا خوف عــلـى الـــبـلاد ولا عــلـى مستقبلها