أخبار عاجلة

المغرب.. عودة الدولة السلطوية

المغرب.. عودة الدولة السلطوية
المغرب.. عودة الدولة السلطوية

الجمعة 13 يوليو 2018 03:53 صباحاً

- تواصل الدولة فــي استعادة هيبتها التي فرّطت فيها؛ عقب هول صدمة ربيع عربي مفاجئ، لم يدخل فــي حسابات صناع القرار. فبعد معركةٍ طويلة مـــع الأحزاب السياسية، استخدمت فيها شتى الأدوات؛ منها المسموح، وأغلبها عكس ذلـك، انتهت بتنظيف المشهد الـــسـيـاسـي مــن آثار الربيع المغربي، وصناعة مشهد آخر عــلـى مقاس السلطة. جاءت فرصة تأكيد ذلـك إلــى باقي مكونات المجتمع، مــن خلال العمل عــلـى ضبط عقارب الساعة عــلـى إيقاع المخزن، والإغلاق النهائي لقوس الديمقراطية شبه المفتوح، فيما سمي ذات زمان "استثناء مغربيا".
تظهر الصور الأولى لهذه الاستعادة أنها ستكون قاسيةً جدا، وتنذر بفتح جروح عميقة فــي مغربٍ بالكاد اندملت فــي ذاكرته الجماعية جروح سنوات الجمر والرصاص. ولنا فــي جملةٍ مــن الأحداث التي وقعت فــي الآونة الأخيرة أكثر مــن شاهدٍ عــلـى رغبة السلطوية فــي الانتقام، وليس مجرد السعي إلــى استعادة التوازن، وفرض شرعية المؤسسات، كما تدّعي.
"إصرار رعاة السلطوية عــلـى الاستمرار فــي ترسيخ هيبة الدولة يقود الـــبـلاد لا محالة إلــى مرحلة خطيرة مــن التوتر"

لعل جديد تلك الصور الأحكام الصادرة فــي حق معتقلي حراك الريف شـــمـــال المغرب، حيث وُزعت أكثر مــن ثلاثمئة سنة سجنا عــلـى شبابٍ انتفضوا ضد التهميش والقهر، وطالبوا بشكل سلمي وحضاري بالحق فــي العيش الكريم. ليس هذا فحسب، بل أقرّت الدولة نفسها بوجود تقصير مــن جهتها، وبذلك تكون مطالب المحتجين مشروعة. وكـــان هذا الإقرار سببا وراء غضبةٍ ملكيةٍ أطاحت مسؤولين عديدين، بمن فيهم وزراء فــي الــحــكــومــة الحالية.
لم يدفع ذلـك كله الدولة فــي اتجاه تبني حل سياسي، يغلّب مصلحة الوطن، فــي تعاطيها مـــع ملف الريف، ويرسخ لقيم المصالحة التي شهدتها الـــبـلاد بداية العهد الجديد. وإنما فضلت الانتصار للمقاربة الأمنية، وما تلاها مــن معالجة أساسها "عدالة انتقامية"، معلنةً مــن جانبها أن تلك المقاربة تبقى الخيار الأنسب لوقف ثقافة الاحتجاج الاجتماعي التي انتشرت وترسخت فــي السنوات الأخيرة.
تُعد محاكمة الصحافي المشاكس توفيق بوعشرين صاحب الافتتاحيات المزعجة التي بلغت درجة النصح فيها إلــى الجهات العليا مستويات حادة. وكــانت يوميته "أخبار اليوم" المغربية سببا وراء تفجير أكثر مــن ملف حارق فــي وجه الدولة العميقة، تعد المحاكمة صورة أخرى لهذه الاستعادة القاسية. فالأخطاء المرتكبة (طريقة الاعتقال، تأخر صك الاتهام، التلبس فــي المحضر، تضارب الشهود..) فــي "محاكمة القرن"، كما يصفها دفاع الصحافي، تفرض حفظ الملف، أو عــلـى الأقل المتابعة القضائية للرجل فــي حالة سراح، بناءً عــلـى تهم تتناسب مـــع مـــا جاء فــي تصاريح المشتكيات، لا المبالغة فــي التكييف حد فرض تهم ثقيلة مثل "الاتجار بالبشر".
ملف الصحافي حميد المهداوي، مــــديـر تحرير الموقع الإلكتروني "بديل أنفو"، المتابع عــلـى خلفية أحداث الريف، بتهمة "عدم التبليغ عـــن جنحة زعزعة أمن الدولة"، المحكوم عليه قبل أيام بثلاث سنوات سجنا نافذة، لا يخرج هذا الملف عـــن سياق العودة القوية إلــى العقلية السلطوية فــي تدبير الدولة وإدارتها.
امتدت مظاهر هذا الاستقواء إلــى عالم الاقتصاد، حين أخرج المخزن التكنوقراطي صلاح الدين مزوار مــن عالم السياسة، وهو الوزير الذي خاض غمار التدبير الحكومي، بقبعة حزب التجمع الوطني للأحرار عدة سنوات، وأقحمه فــي التنافس الانتخابي لرئاسة الاتحاد العام للمقاولات فــي المغرب الإطار المهني، الممثل لأرباب المقاولات المغاربة.
مـــا أكثر الصور التي تكشف عـــن الرغبة الجامحة لدى الدولة العميقة لاسترداد تنازلات عام 2011، التي تعتبرها اليوم سخاء مفرطا منها، لكن هذا الطموح يأتي عــلـى حساب جوانب أخرى، عادة مـــا لا تدخل فــي حسابات أنصار مثل هذه القرارات. وقد أدخل هذا المسلسل المغرب فــي متاهاتٍ غامضة، وحالةً مــن الشك وعدم اليقين وغياب الأفق فــي المستقبل، بعد وأد الأمل الذي راود المغاربة قبل سبع سنوات، عقب استفتائهم عــلـى دستور الفاتح مــن يوليوز (1 يوليو/ تموز 2011). وضاعف مــن أعداد الغاضبين والمحبطين والمهزومين، ممن قتلتهم الانتظارية التي أحكمت سيطرتها عــلـى كل شيء فــي المغرب.
وأجهز عــلـى ذاك التراكم البسيط فــي ثقافة المؤسسات التي بدأت تقوى بعد انتخابات 2011، فقد عمد أنصار السلطوية إلــى محو هذه الثقافة، والحرص عــلـى إفراغ المؤسسات مــن أي محتوىً يعطيها مصداقيةً لدى المواطنين. لتتحول بذلك إلــى مجرد هياكل تؤثث المشهد العام مــن دون أن يكون لها أي تأثير حقيقي فيه.
وأغرق المشهد الإعلامي بمنابر مدعومة ومحمية، أسندت لها مهمة ممارسة التضليل والتشويه والكذب، وتسفيه كل صاحب رأيٍ أو موقفٍ يغرّد خارج سرب سمفونية "العام زين"، فــي استنساخٍ مؤسف للتجربة المصرية، فبدل تغطية الأحداث، أصبح الهدف هو التغطية عليها. فــي مقابل ذلـك، تخنق الصحافة المتمسّكة بفتات الحرية المتبقية التي تواجه حربا شعواء؛ وصل إلــى حد إعدام بعض رموزها معنويا، بالمتابعات القضائية، أو عبر منابر أخرى هي أقرب إلــى المقصلة منها إلــى منابر إعلامية.
"تكمن قيمة الدول الديمقراطية فــي مدى قدرتها عــلـى التحمل، وليس فــي قوة رد الفعل"

تكمن قيمة الدول الديمقراطية فــي مدى قدرتها عــلـى التحمل، وليس فــي قوة رد الفعل. حقيقة لا يدركها صناع القرار فــي دار المخزن، فبدل التعامل بحكمةٍ وذكاءٍ وتبصّرٍ مـــع مـــا يجري عــلـى مسرح الأحداث (احتجاجات سلمية، صحافة مستقلة، اقتصاد تنافسي..) واستثماره فــي تطوير النموذج المغربي وتعزيزه، وهو النموذج الذي يتم تسويقه إقليميا ودوليا. فضل هؤلاء فــي السنوات الأخيرة، وبعد هدوء موجة الربيع الـــعــربـي، تدشين مرحلة جديدة، عنوانها البارز محو آثار الفترة السابقة، و"الانتقام" مــن كل مـــا يذكر بها.
إصرار رعاة السلطوية عــلـى الاستمرار فــي ترسيخ هيبة الدولة يقود الـــبـلاد لا محالة إلــى مرحلة خطيرة مــن التوتر، أساسها سيادة لون فكري واحد، هو لون السلطوية. وخير مثال عــلـى ذلـك "الإجماع الشعبي" عــلـى رفض الأحكام الصادرة فــي حق معتقلي الريف، مـــا جعل الدولة فــي مأزق حقيقي. إذ لكل ورقةٍ مــن الأوراق المتبقية لدى الدولة ثمنٌ ينبغي لها تأديته، فقرارها إصدار عفو عـــن هؤلاء المعتقلين يضع المؤسسة القضائية موضع تساؤل، بعد مضي سنوات قليلة فقط عــلـى إصلاح العدالة.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (المغرب.. عودة الدولة السلطوية) من موقع (العربي الجديد)"

السابق الأردن يُلاحق كلمة لبرلماني لمنعها مــن الانتشار عــلـى الانترنت
التالى الـــحــرب التجارية تخيم عــلـى اجتماع قادة المال لمجموعة العشرين