أخبار عاجلة
فرار 10 مــن أعضاء البرلمان الخاضع للحوثيين -

فــي بلد محطم هناك مـــديـنـة تزدهر

الخميس 18 يناير 2018 06:10 مساءً

- ـ ترجمة خـــاصـــة

كريستوف رويتر/ دير شبيجل - ترجمة خـــاصـــة بـ«المصدر أونلاين»

 

لطالما كان يُنظر إلــى مـــديـنـة الــيــمــنــيــة منذ زمن طويل بصفتها أحد معاقل تنظيم القاعدة. إلا إنها تحولت إلــى مـــديـنـة مزدهرة بثقل اقتصادي وجامعة ذات صيت، بينما تغرق بقية مناطق بالحرب والفوضى، مما يضع مأرب مـــا بـيـن بارقةٍ للأمل ومصدرٍ للرعب.

 

يقول مــــديـر المستشفى «الكوليرا ليست أكبر المشاكل هنا». ويقول الدكتور محمد القباطي أن الوباء القاتل الذي انتشر عبر اليمن خلال الأشهر الثمانية الماضية، مخلفاً ألفي قتيل و800 ألف مصاب، «هو السبب الثالث أو الرابع الأكثر شيوعاً للوفاة فــي مأرب».

 

وأضـــاف أن «الوفيات فــي معظمها ناجمة عـــن الألغام الأرضية».

 

وادي مأرب الصحراوي الذي يقع عــلـى بعد 172 كيلومتراً شـــرق الـــعــاصــمـة وطوال أشهرٍ ماضية، كان أحد أشرس خطوط الاشتباك فــي الـــحــرب الأهلية القائمة.

 

ومنذ بداية العام 2015، بدأت ميليشيا بزرع عشرات الآلاف مــن الألغام الأرضية عــلـى الطرق والحقول والحدائق. حيث تمتد خطوط المواجهة اليوم بـيـن 35 و100 كيلومتر خارج الـــمــديـنـة.

 

والألغام مـــا تزال موجودة، مخلفةً ضحايا مــن المدنيين والعسكريين عــلـى حدٍ سواء. يقول الطبيب: «لدينا 120 سريراً لا تفرغ أبداً، تأكد بنفسك، فــي الطابق الثاني!».

 

«مرحبا بك فــي قسم العظام»، أقرأ الحروف الملونة فوق المدخل المؤدي إلــى ممر فــي قسم مبتوري الأطراف. أي شخص هنا ساقه محطمة، ولا تزال مثبتة بمسامير وصفائح، يعتبر نفسه محظوظاً. فقد خسر آخرون ساقاً إن لم يكن الاثنتين. وكثير منهم عسكريون، إلا أن مــن بـيـن المصابين أيضاً مزارعين وامرأة مسنة حتى.

 

جاء هؤلاء المصابون خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية، وجروحهم غالباً مـــا تكون حديثة. ويوضح القباطي أن نسبة قليلة ممن يصابون بالألغام الأرضية يصمدون عــلـى قيد حتى الوصول إلــى المستشفى، فقد تستغرق الرحلة ساعاتٍ.

 

يتم تخزين أكوام مــن السيقان والأقدام البلاستيكية، ومكعبات الاسفنج والجبائر المعدنية فــي ورشة الأطراف الاصطناعية فــي الطابق السفلي. إنها مصدر فخر وابتهاج لمدير المستشفى. فــي الغرفة المجاورة، يتم إجراء قياسات لنايف البالغ مــن العمر 13 عاماً والذي كان يلعب فــي الفناء عندما انفجر لغم أرضي وأفقده كلتا قدميه.

 

يقول قباطي، «نحن ندرب خبراء، ونصنع كل شيء بأنفسنا هذه الأيام». إنه واثق مــن أن للأطراف الاصطناعية مستقبلٌ فــي مأرب.

 

هذا المستشفى الصغير المحاذي للصحراء مكان للشدة، حيث يتقلب المزاج بـيـن الرعب والأمل.

 

وهذا يعكس الحالة العامة فــي هذا الجزء مــن البلد. حقيقة وجود المستشفى بحد ذاتها، ويعمل هنا جميع الأطباء ذوي الخبرة، والكهرباء هنا جيدة، ونسبة الإصابة بالكوليرا بقيت منخفضة بسبب إمدادات المياه النظيفة المستمرة بشكل مقبول: كل ذلـك كان بفضل الارتفاع المذهل لمأرب مــن معقلٍ للإرهاب إلــى الـــمــديـنـة الأكثر ازدهاراً فــي اليمن.

 

مــن التخلف إلــى الازدهار حيث تستقطب الشركات واللاجئين والخبراء والبنوك مــن جميع أنحاء الـــبـلاد. مأرب اليوم تنهض اقتصادياً.

 

منطقة للكوارث الإنـســانـيـة

عــلـى مدى أكثر مــن عقدين مــن الزمن، الـــمــديـنـة التي يبلغ عـــدد سكانها فــي البداية 40،000 نسمة، ومحافظة مأرب بأكملها كانت ملاذاً معروفاً لتنظيم القاعدة، ومنطقة خطرة حتى عــلـى اليمنيين، ناهيك عـــن الأجانب.

 

وكــانت الـــقــبـائل الحاكمة فيها تفجر أنابيب النفط وخطوط الكهرباء للابتزاز وجني الأموال، وكــانت أساساً معروفة كالمنطقة التي تشن فيها بانتظام غارات للطائرات بدون طيار الأمريكية عــلـى أفراد تنظيم القاعدة، المؤكدين أو المشتبه بهم.

 

ثم بدأ انحدار اليمن، ومعه، صعود مأرب. فــي عام 2011، اندفع مئات الآلاف مــن الناس إلــى شوارع اليمن، كما فعلوا فــي جميع أنحاء الـــعــالــم الـــعــربـي، داعين إلــى إنهاء الديكتاتورية. وفـــي نهاية العام، وافق الـــرئـيـس علي عبد الله صالح عــلـى التنحي بعد أكثر مــن 30 عاماً قضاها فــي السلطة.

 

وخلفه نائبه عبدربه منصور فــي انتخابات رمزية عملياً، باعتباره المرشح الوحيد، ولكنه كان مصمماً عــلـى ضمان الاستقرار خلال الفترة الانتقالية والسعي إلــى التوافق بـيـن جهتين معارضتين.

 

كان الاقتتال بـيـن الـــجــيـش والمتمردين الشيعة فــي شـــمـــال اليمن متواتراً منذ عام 2004، فــي حين دفعت الحركة الانفصالية فــي الجنوب للاستقلال مجدداً وعودة مـــا كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية فــي الجنوب، والتي خسرت لصالح الاتحاد مـــع شـــمـــال اليمن فــي عام 1990.

 

سعى هادي لدفع الحوثيين فــي الشمال لمواجهة القوات الجنوبية، لكنه لم يحسب حساب سلفه صالح، البارع فــي تغيير التحالفات، والذي كان يدير عجلات اللعبة للعودة إلــى السلطة مــن جديد.

 

وعلى الرغم مــن أوامره بقصف الحوثيين منذ سنوات، إلا أنه الآن تحالف معهم. كما بقيت وحدات النخبة مــن الـــجــيـش موالية له. وفـــي صيف عام 2014، عندما أعلن هادي، تحت ضغط مــن صندوق النقد الدولي، عـــن خفض كــــبـيـر للدعم عــلـى المحروقات، لاقت الاحتجاجات التي نظمها دعماً واسعاً.

 

وفـــي كانون الثاني / يناير 2015، سيطر تحالف الحوثيون وصالح عــلـى صنعاء بينما لاذ هادي بالفرار. ورداً عــلـى ذلـك، أطلقت المملكة العربية ودولة العربية المتحدة فــي 26 آذار/ مارس 2015 «عملية عاصفة الحسم»، التي اتخذت فــي البداية شكل ضربات جوية عــلـى القواعد العسكرية، وكذلك عــلـى المستشفيات ومواكب الجنازات والمناطق السكنية.

 

وقامت إيران بتزويد الحوثيين بالصواريخ والألغام.

 

وبعد عامين ونصف، لم يتم التوصل إلــى حسم أو اتفاق، بل انحدرت الـــبـلاد لتصبح أكبر كارثة إنسانية فــي الـــعــالــم. والآن وبعد أن قطعت المملكة العربية السعودية واردات الأغذية، أصبح ربع ســـكــان اليمن البالغ عددهم 27 مليون نسمة مهددون بالمجاعة.

 

وازداد الوضع سوءاً منذ إغلاق العديد مــن المنافذ البحرية والجوية فــي 6 نوفمبر.

 

أصبحت صنعاء والمدن الرئيسية الأخرى فــي اليمن إما تحت سيطرة القوات الحوثية التي تزداد ارتياباً وتتعرض للقصف الــســعــودي، أو تقع عــلـى خط المواجهة كتعز، أو كحال مـــديـنـة الساحلية - التي تم تحريرها مؤخراً مــن تنظيم القاعدة.

 

وبالتزامن مـــع ذلـك فــي ، أصبح حلفاء اليمن، أي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وبعد أن أخرجوا القوات الحوثية، فــي حالة حرب الآن مـــع بعضم البعض.

 

تأثير دومينو إيجابي

هذا يترك مأرب، بأطلال معبدها الشهير، وأعمدته المربعة، كالمذكور أنه قبل 3000 سنة، كانت هي عاصمة مملكة سبأ القديمة. وتعود مكانتها اليوم وفـــي الماضي، لموقعها الجغرافي القوي. حتى فــي العصور القديمة، كانت مياه سد مأرب تغذي الـــمــديـنـة والأراضي المحيطة بها. واليوم، لا تزال مستويات مياه السد مرتفعة.

 

بالرغم مــن زوال القوافل عــلـى طول الطريق البخور والتي ساعدت عــلـى ازدهار مأرب، إلا أنه وليس بعيداً عـــن الـــمــديـنـة، تنتج شركة نفط الحكومية صافر 1،900 طن مــن الغاز الطبيعي والديزل والنفط الخام يومياً لمحطات الطاقة التي تعد مصدر الكهرباء الوحيد للبلاد، مـــع 20٪ مــن العائدات مخصصة للسلطة المحلية.

 

بعد انتهاء القتال بـيـن الحوثيين ومؤيدي هادي فــي أواخر عام 2015، ظهر نوع مــن تأثير الدومينو الإيجابي هنا: فقد قدم إلــى مأرب مـــا بـيـن 1.5 و2 مليون لاجئ مــن جميع أنحاء الـــبـلاد، ولم تظهر أي علامات عــلـى انحسار المد.

 

مــن بينهم الوافدين فقراء، ورجال أعمال أيضاً، فضلاً عـــن أطباء مثل قباطي ومحامين وصحفيين وفنانين، كلهم هربوا مــن الاعتقالات التعسفية التي يقوم بها الحوثيون فــي صنعاء، والاقتتال والقاعدة والفساد، وكل مـــا يسحب بقية الـــبـلاد أعمق فــي الكارثة.

 

وعلاوة عــلـى ذلـك، بدأ يعود الأثرياء الذين غادروا مأرب منذ عقود. بما فيهم محمد زبين ذو الـ26 ربيعاً، ووريث مجموعة ZTCO، الشركة القابضة للتجارة والبناء والنشطة فــي جميع أنحاء .

 

غادر الـــمــديـنـة عندما كان فــي التاسعة، وذهب إلــى كامبردج، والجامعة الأمريكية فــي دبي. ويسأل: «لماذا كنت لأبقى؟ ماذا كانت سمعة مأرب قبل 20 عاماً، لم يكن هنا سوى ثلاثة شوارع وعصابات مــن الخاطفين».

 

حتى قبل عامين، «لم نكن حتى لنفكر بالاستثمار هنا»، عــلـى حد قوله.

 

ولكن مـــع التدفق الجماعي المفاجئ للاجئين، وارتفاع أسعار العقارات والأراضي. تم تأسيس مئات الشركات الجديدة، مــن معامل البناء إلــى مصنع تعبئة مياه الشرب، وكلها تحتاج إلــى عمال. هناك مواقع تشييد فــي كل مكان.

 

وفـــي عام 2016، فتح البنك المركزي الــيــمــنـي، الذي انتقل بالفعل مــن صنعاء إلــى عدن، فرعاً فــي مأرب، وافتتحت أربعة بنوك أخرى أيضاً فــي الـــمــديـنـة.

 

قضى والد محمد واثنان مــن أعمامه بعض الوقت يرصدون الوضع عـــن كثب فــي مسقط رأسهم الـــســـابـق. وكانوا يجنون أموالهم منذ وقت طويل كمقاول ثانوي لمجموعة هيونداي الكورية الجنوبية، بمشاريع بناء رئيسية مثل محطة الطاقة النووية فــي . وفـــي نهاية المطاف، قرر أفراد العائلة الأربعة أن مأرب كان استثمارا جيداً.

 

وقد وضعوا الآن مشروع «مـــديـنـة سبأ»، وهي منطقة جديدة تماماً تمتد عــلـى مساحة 6.5 كيلومتراً مربعاً، وتضم 1200 وحدة سكنية، وثلاثة مراكز تجارية، ومباني تجارية وصناعية. واستبعدوا استثمارات مــن أطراف ثالثة، معتزمين الاعتماد كلياً عــلـى رأس مال يبلغ ربع مليار دولار، مخصص بشكل رئيسي للتنمية.

 

يقول محمد زبين، الذي انتقل مــن دبي إلــى مأرب فــي أغسطس/ آب: «سنحتاج إلــى آلاف عمال البناء». ويعترف بأنها خطة جريئة، ويعترف أيضاً بأنهم يستفيدون مــن الـــصـــراع.

 

«حتى لو تم تحرير المدن مــن الحوثيين أو تنظيم القاعدة، فإن معظم اللاجئين لن يعود»، بحسب رأيه «لأن مـــا لن يتغير هو الفساد وضعف القوى المحلية». فــي مقابل حكومة مأرب التي تعتبر صاعدة.

 

تغيير تدريجي

رجل واحد يمكن أن تنسب له استفادة مأرب ونهوضها مــن الفوضى المحيطة بدلاً مــن الغرق بها - الرجل ذو النظارات السميكة والسلوك البسيط يوحي بانه لطالما تم الاستهانة به. إنه سلطان العرادة، ذو الـ59 عاماً، مــحــافــظ مأرب منذ عام 2012. وهو أيضاً أحد أهم زعماء الـــقــبـائل فــي المنطقة.

 

واجهت عائلته تحديات العقود الأخيرة مـــع الحفاظ عــلـى سمعتها. إلــى جانبه تقف قبائل مأرب القوية، التي لا تقبل الركوع للحوثيين أو أن تُقصف مــن الولايات المتحدة عــلـى أساس أنها تدعم القاعدة.

 

كانت الـــقــبـائل دوماً العمود الفقري للسلطة فــي جبال وصحاري اليمن. ويبدو دورهم أقل وضوحاً فــي أوقات السلم ولكن دعمهم أمر لا غنى عنه لأي حكومة.

 

العرادة عضو برلماني عريق، ومناور حذر واستراتيجي بارع. لم يكن مهتماً بالحياة السياسية فــي ظل نظام علي عبد الله صالح. وقد وطد الجيلين الأخيرين مــن عائلته علاقات وثيقة مـــع العائلة الحاكمة فــي السعودية وهو موالٍ للرئيس هادي. ولكن فــي نهاية المطاف، للعرادة دائما استراتيجيته ولعبته الخاصة.

 

كهذه الرحلة، عــلـى سبيل المثال. حيث لا يولي الـــعــالــم اهتماماً يذكر لما يحدث فــي اليمن. لا الحوثيون ولا المملكة العربية السعودية ولا الامارات العربية المتحدة يسمحون للصحفيين بدخول الـــبـلاد.

 

لكن سلطان العرادة بالتنسيق مـــع مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، وهو فريق صغير مــن الباحثين اليمنيين الذين يمتلكون علاقات وصلات مذهلة، مكنوا 12 صحفياً أجنبياً مــن دخول الـــبـلاد فــي رحلة لإعداد تـقــريـر.

 

كما أنه وبفضل العرادة، مأرب تستقطب اليوم أرقى العقول فــي اليمن. ثلثا الأساتذة الجامعيين - حيث ارتفع عـــدد الطلاب مــن 1200 إلــى 5000 - جاؤوا مــن الخارج. وهل هناك مكان آخر يذهبون إليه؟

 

نصف الطلاب مــن النساء. وقد وضعت سلطات الـــمــديـنـة حافلاتٍ تحت تصرفها كوسيلة لتشجيع الأسر المحافظة عــلـى السماح لبناتها بالالتحاق بالجامعة. وتزدحم قاعات المحاضرات، ويتعلم الرجال والنساء معاً فــي ثكنات مصنوعة مــن الحديد المموج فــي الحرم الجامعي.

 

غالبية طلاب الهندسة ذكور، فــي حين أن النساء المنقبات يهيمن عــلـى العلوم التربوية. إحداهن تبلغ مــن العمر 19 عاماً تجلس إلــى جانب أمها البالغة مــن العمر 38 عاماً، التي تريد أن تصبح فــي نهاية المطاف معلمة، حلم عقدت عليه منذ فترة طويلة.

 

وتقول: «زوجي ضده. نحن نتجادل كل ليلة، ولكن أحاول إرضائه حتى يتركنا وشأننا».

 

النساء هنا لا يخرجن مــن دون النقاب، غطاء كامل الجسم الذي يترك فقط فتحة للعيون. ولكن التغييرات الصغيرة فــي المجتمع، والتي لا تظهر إلا فــي الـــمــحـــادثـات الفردية، تقول أكثر عـــن خطط العرادة مــن التصريحات التي تدلي بها سلطته المحلية عــلـى «الفيسبوك».

 

ولقد غادر الصحافي الشاب راشد المليكي صنعاء فــي آذار/ مارس الماضي بعد أن تزايدت أعداد الصحافيين الذين اختطفهم أفراد مــن الحوثيين بلباس مدني وساقوهم إلــى السجون دون محاكمة. هو الآن أحد المستضيفين لبرنامج جديد عــلـى راديو مأرب يسمى «بيتنا». يغطي قضايا أسرية مثيرة للجدل حتماً.

 

يقول: «بدأنا الحديث عـــن مواضيع بريئة مثل كيف يغير «الفيسبوك» العلاقات الأسرية والمشاكل بـيـن الآباء والأبناء».

 

 ويكمل: «المحافظ يدعمنا ولكن علينا التقدم بخطى حذرة، ونحن نرتب لحلقة تتحدث شابة ترغب فــي الدراسة، ولكن والدها يعارض ذلـك، وسوف ندعو الضيوف والمتصلين لإبداء آرائهم، لكننا لن نتحيز لعدم إثارة حساسيات».

 

فــي اليمن، كل شيء متعلق بتحقيق التوازن الصحيح، كما يقول سلطان العرادة خلال اجتماع فــي مبنى المحافظة. ولهذا السبب التفاوض والاتفاق مـــع الحوثيين أمر صعب للغاية.

 

ويقول «إن استيلاءهم عــلـى السلطة لم يكن انقلاباً عــلـى مؤسسات الدولة الــيــمــنــيــة فحسب، بل أيضاً عــلـى هوية اليمن»، ويكمل «الحوثيون مصرون عــلـى أن سليل الإمام الحسين (المنقذ فــي الإسلام الشيعي) وحده مــن يحكم الـــبـلاد، لكن ذلـك لن ينجح أبداً».

 

إن الـــصـــراع الطويل لإخراج القاعدة مــن مأرب يشهد عــلـى صعوبة تحقيق هذا التوازن فــي ظل عدم وجود الدولة. وبالنسبة لأولئك الذين توجهوا صوب الراديكالية بسبب النقمة والفقر، فلديهم الآن بدائل.

 

مثل جار محمد الزبين الـــســـابـق الذي يقول: «عندما كنت يافعاً، كان يعيش عــلـى بعد ستة منازل مــن بيتي، كنا نلعب معاً، وأصبح فيما بعد قائداً ميدانياً فــي تنظيم القاعدة، وتقنياً بارعاً يمكنه تحويل سيارة إلــى دبابة، وتوسيع مدى إصــــابــة الصواريخ وتجهيز السيارات المفخخة للانتحاريين»، هو يقول أنه غير توجهاته ويقوم اليوم بتصفيح سيارات الدفع الرباعي لبيعها للحكومة.

 

كان مــن الصعب الوصول إلــى المقتنعين بفكر القاعدة، وفقاً لما ذكره العرادة، فقد ألقي القبض عــلـى العديد منهم وقتل بعضهم. ويقول: «مــن أكثر مـــا ساعد عــلـى ذلـك هو تبرئ عائلاتهم منهم».

 

ولكن الصواريخ التي تطلقها الطائرات بدون طيار الأمريكية لا تزال تنهال حول مأرب. فــي اليوم الثاني مــن إقامتنا هنا، قُتل أربعة رجـــال فــي سيارة شـــمـــال الـــمــديـنـة. يقول العرادة: «إن هجمات الطائرات بدون طيار تقتل المدنيين أيضاً».

 

ويضيف «استخدام القوة هذا يدفع كثيراً مــن الناس إلــى أحضان القاعدة أكثر مــن الدعاية الإعلامية الخاصة بالتنظيم ونتمنى أن يمنحنا الأمريكيون فرصة اعتقال الشخص قبل تنفيذ الغارات».

 

لكن الفصائل المتشددة فــي اليمن كانت تستخدم الرعب كأداة لسنوات. ويذكر أن شقيق العرادة خالد مدرج عــلـى اللائحة السوداء الأمريكية «كداعم مالي للقاعدة».

 

حيث أُضيف للقائمة قبل ستة سنوات مــن قبل رئـيـس جهاز المخابرات حينها، ابن شقيق الـــرئـيـس الـــســـابـق صالح. كانت كذبة تهدف إلــى تقويض مكانته، عــلـى حد كلام المحافظ. فــي هذه الأيام، يساعد الأميركيون عــلـى قصف قـــوات صالح ولكن يستمرون فــي قتل مــن أُضيف إلــى اللائحة عــلـى يد رئـيـس المخابرات الـــســـابـق. إنها حالة متناقضة.

 

ويقول سلطان العرادة: «طلبت مــن السفير الأمريكي فــي الرياض أن يرفع شقيقي مــن القائمة، ونصحني بتوكيل محامٍ».

 

ساحة معركة لمصالح المتنافسين

يلوم الناس فــي مأرب باستمرار التدخلات الخارجية، وخاصة مــن قبل الإيرانيين، ولكن أيضاً مــن جانب الأميركيين، والغرب عموماً. الحوثيون مــن جانبهم يتبنون وجهة نظر مماثلة، فهم لا يلومون إلا السعودية.

 

أما مسألة دور النخب الــيــمــنــيــة فــي تدمير الـــبـلاد نفسها، وتمهيد الطريق للتدخل الأجنبي، يتم تجاهلها عمداً.

 

يمكن ملاحظة لا مبالاة اليمنيين مــن جميع الشرائح السياسية تجاه الأزمـــة الإنـســانـيـة التي تتكشف فــي الـــبـلاد عندما تصل إلــى مأرب كل صباح فــي الساعة 9 صباحاً شاحنات مــن أرحب تقدم القات الطازج، وهو منبه معتدل ينمو عــلـى ارتفاعات عالية فــي مناطق الحوثيين.

 

ويأخذ سائقو الشاحنات طرقاً دائرية لعبور الخطوط الأمامية بـيـن أراضي العدو، لأن الجميع يمضغ القات. اليمن يتمزق والجوع والكوليرا منتشرة - ولكن الانتشاء الجماعي فــي فترة مـــا بعد الظهيرة لا يزال ممارسة موحدة.

 

ويزرع القات فــي المناطق التي تزرع فيها المحاصيل الغذائية ويستهلك المياه. نقص المياه هو أحد أسباب وباء الكوليرا، ولكن القات لا يزال يزرع لأنه مربح أكثر مــن القمح.

 

وانخفضت القوة الشرائية للشعب، ولكن لا يزال تجار الجملة الجدد يشترون أطناناً مــن القات يومياً، بما فــي ذلـك كــبـار القادة فــي جيش هادي والحوثيين. لن يكون هناك قتال بدون القات، كما يؤكد مبتوري الأطراف فــي مستشفى الدكتور قبط المكتظ بالمرضى.

 

وطالما أن الـــبـلاد تستمر فــي الانحدار، ستستمر مأرب بالازدهار. فالسلام المفاجئ يمكن أن يعيد الـــمــديـنـة إلــى التقسيم الاداري القديم. ولكن هذا ليس مرجحاً. فالسبب الرسمي مــن جانب السعودية لشن الـــحــرب هنا هو إعادة الـــرئـيـس هادي إلــى السلطة، لكنه موجود فــي الرياض تحت الاقامة الجبرية.

 

يذكر أن اليمن ساحة حرب بالوكالة بـيـن السعودية وإيران. لا أحد يهتم بإنقاذ الـــبـلاد. وكل تدخل أجنبي يهدف لتأمين قطعة منها.

 

ولم يعد يتحدث أحد عـــن نهاية وشيكة للقتال. حتى الرجل الذي يجلس عــلـى مقعد خشبي خارج قسم العظمية فــي المستشفى والذي يقول إن الـــحــرب انتهت، يعترف أنها انتهت بالنسبة له فقط. فقد استبدلت ذراعه اليمنى بطرف اصطناعي، كذلك ساقه اليمنى، ويجلس هنا فــي انتظار تعديلها.

 

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (فــي بلد محطم هناك مـــديـنـة تزدهر) من موقع (المصدر أونلاين)"

السابق وحدة اليمن.. إنجاز تاريخي يواجه مخاطر التقسيم وانتهاك السيادة
التالى مُـــراقــبـون: البخيتي يتقمص دور ”شاهد عــلـى العصر” بينما هو ”شاهد مـــا شفش حاجة”!