أخبار عاجلة

عدن وصنعاء.. أساس الوحدة الواهي

- الجمعة 02 فبراير 2018 11:17 صباحاً
ميدل ايست اونلاين

بالوقت الذي كان فيه الجنوب يُحرم عــمــل الإخوان والسلفية كان للإسلام الـــسـيـاسـي موقع مؤثر بالشّمال أسس الزَّنداني معاهد الإيمان بصنعاء واستقر الوادعي بدماج وأخذ بالكسب المذهبي وظهرت بوادر تحزب الزيدية.

أنزل البريطانيون علمهم فــي نوفمبر (تشرين الثَّاني) 1967، بعد مئة وثمانية وعشرين عاماً، مِن السَّيطرة عــلـى ، وحكمها حكماً مباشراً، وهي المحمية التي يتبعها عـــدد غير قليل مــن السَّلطنات المستقلة عـــن بعضها بعضاً، واللاتي تشكلت منهنَّ جمهورية الجنوبية بست محافظات: عدن، ، ، ، والمهرة، أما المحافظة السابعة فهي السجن، هكذا يتندر العدنيون عليها.

كانت الوحدة الــيــمــنــيــة هاجس الثوريين، مِن قبل الاستقلال، عــلـى أن ثورة 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1963 ضد الاحتلال البريطاني بعدن هي وليدة 26 سبتمبر (أيلول) 1962 بصنعاء ضد الإمامة، أو المملكة المتوكلية هكذا كان يُكتب ويُقـــال، مـــع أن بوادر التَّفكير بالوحدة الــيــمــنــيــة ترقى إلــى الخمسينيات مــن القرن الماضي.

شغل عراب الوحدة ومُيسر أمرها جنوبياً علي سالم البيض(أمين عام الحزب الاشتراكي الــيــمــنـي، ونائب الـــرئـيـس بعد الوحدة) أول وزير دفاع فــي الدَّولة الجديدة (1967)، فــي وقت لم يكن (قُتل 2017) معروفاً أو موجوداً عــلـى قائمة القادة أو الضُّباط الكبار، غير أن الأخير بعد حوادث درامية تولى أمر مـــا كان يُعرف بالجمهورية الــيــمــنــيــة العربية، وحتى قتله عــلـى يد حلفائه السابقين قبل شهور.

اعتمدت فــي مواجهتها مـــع عدن عــلـى القوى التي فُرزت خلال الانقلابات؛ ومِن ضمنها القوى الدِّينية، والإخوان والسَّلفيون مــن ضمنهم، وذلك بعد الخطوة التَّصحيحية 22 يونيو (حزيران) 1969، هكذا كان يُعرف انقلاب التيار الماركسي والقوميين العرب الذي أوصلهم إلــى السُّلطة. أما عدن فكانت تعتمد عــلـى القوى اليسارية، والتي دخلت بعد ذلـك فــي “الحزب الاشتراكي الــيــمــنـي”، الذي تأسس عام 1978، وكــانت الـــحــرب الباردة العالمية تفصل البلدان، الشّمال مـــع والدول الغربية، والجنوب مـــع الاتحاد السُّوفيتي.

اتضح الموقف مــن حرب أفغانستان، الشّمال يبعث بالمجاهدين، وإعلامه مسخر لها، والجنوب يحتفي بالسفير الأفغاني والقادة الأفغان الاشتراكيين، وكثيراً مـــا كان يستغل الشَّمالُ الدِّين فــي إعلامه ضد الجنوب، فيأتي بالشيخ متولي الشعراوي (ت 1998) ليلقي دروساً ضد الاشتراكية عبر شاشة التلفزيون الصنعاني، ضمن حلقات لتفسير القرآن، معتبراً الرأسمالية رزقاً مــن الله، كذلك كان علي عبدالله صالح يشن الهجوم عــلـى الحزبية والتَّحزب، قبل تشكيل حزبه “المؤتمر العام”، نكاية بحزبية الجنوب، بينما -مــن جانبه- كان الجنوب يحاول تثوير الزَّيدية، وإبراز داخلها الثوري القديم الممثل بثورة زيد بن علي (قتل 122ه) ضد سلطة الشمال، وهكذا كان الدين يُدخل فــي النِّزاع بشكل جلي.

بالوقت الذي كان فيه الجنوب يُحرم عــمــل ، والقوى السلفية بشكل عام، كان للإخوان وللسلفيين موقع مؤثر بالشّمال، فقد أسس الشَّيخ عبدالمجيد الزَّنداني مـــا عُرف بـ”معاهد الإيمان” بصنعاء، واستقر الشيخ مقبل الوادعي (ت 2001)، صاحب الصلة بحركة جهيمان، بدماج قرب قلعة الزّيدية الدينية ، ومن معهده أخذ بالكسب المذهبي، بينما كانت معاهد الإيمان تُجند وتوجه الجهاديين إلــى أفغانستان، وحينها ظهرت بوادر تحزب الزيدية بظهور حزب الحق.

كان التعليم بصنعاء وتوابعها تعليماً دينياً، إلــى حدٍ بعيد، وأغلب المدرسين المستقدمين مــن الخارج، السُّودان ومصر والعراق (بينهم مراقب الإخوان المسلمين العراقيين عبدالكريم زيدان)، مِن القوى الدينية، وعلى وجه الخصوص الإخوان المسلمين، بينما التعليم بعدن وتوابعها يعتمد استقدام اليساريين مــن البلدان نفسها، كالحزب الشُّيوعي السُّوداني والحزب الشُّيوعي العراقي، والتقدميين اليساريين المصريين، وهذا يشمل الذّكور والإناث مــن المدرسين، وقد وصل عـــدد منتسبي الحزب الشُّيوعي العراقي، العاملين بالتعليم الثَّانوي والجامعي وبقية دوائر الدولة فــي النصف الأول مــن الثَّمانينيات، إلــى عـــدد كــــبـيـر، ووجود بات ملموس الكثافة بعدن والمكلا والمناطق النائية مــن اليمن الديمقراطية.

كذلك القُوى الدِّينية العدنية المسيسة اتخذت مــن صنعاء مقراً، يعاكسه أن القوى اليسارية الصَّنعانية اتخذت مــن عدن مقراً لها. أخذت المدارس بعدن، منذ أواسط السَّبعينيات مــن القرن الماضي، تُدرس الفلسفة الماركسية، المادية الديالكتيكية والتاريخية، بالمقابل تبنت صنعاء كل مـــا هو ضد الماركسية والاشتراكية فــي التَّعليم وفـــي الإعلام، ناهيك عـــن التباين فــي المواقف السياسية الخارجية، تبعاً لتقابل المحورين الأمريكي والسوفيتي.

صارت عدن ملجأ لمَن أفتى بكفره رجـــال الدِّين الدائرون بفلك الإخوان المسلمين؛ مثل الأستاذ الجامعي حمود العودي، الذي فرَّ إلــى عدن فــي الثمانينيات، وأصبح رئيساً لقسم الفلسفة فــي جامعة عدن، وأغلب المدرسين الشماليين مــن الماركسيين أو المحسوبين عــلـى القوى اليسارية، بشكل أو بآخر، تستقبلهم مؤسسات التعليم بعدن، والعكس صحيح.

لم تنته لعبة استغلال الدِّين عند هذا الحّد، فلما صارت المصلحة لكفة الشَّمال فــي شأن تحقيق الوحدة، أراد علي عبدالله صالح الإسراع بها، وتليين جانب المتشددين الماركسيين ضدها فــي الـــجــيـش الجنوبي والحزب الاشتراكي الــيــمــنـي، لإظهار نفسه عــلـى أنه محاط بأعداء الوحدة، وهم ، كي يعلن حسن النية مـــع الاشتراكيين، فسُيرت التظاهرات الإخوانية ضدها بصنعاء، عــلـى أنها مـــع نظام ماركسي كافر، نظم العلاقات الاجتماعية بقوانين وضعية ضد الشَّريعة، وهذا مـــا ظهر فــي فتاوى رجـــال الدِّين ضد عدن، خلال حرب صيف 1994، والتي انتهت فيها الوحدة وبدأ عهد الاجتياح والاحتلال.

كان الجنوب يتحين الفرصة لإقامتها زحفاً بالقوى اليسارية عــلـى الطَّريقة الثورية الفيتنامية ضد الدولة (الرَّجعية)؛ أما الشّمال فأرادها زحفاً بالقوى الدِّينية ضد الدولة (الشُّيوعية الكافرة). نجح الأخير، بعد حين، وتمت الوحدة التي يفكر بها فــي اجتياح عدن فــي صيف 1994، عندما وظف المجاهدين العائدين مــن أفغانستان كطلائع لقواته العسكرية، إلا أن تقدير الاشتراكيين كان مخلوطاً، بأنهم عبر الديمقراطية سيجتاحون الشمال سلمياً، وفقاً لتصورات رفاقهم الشماليين، الذين كانوا أعضاءً فــي الحزب الاشتراكي الــيــمــنـي.

هذا، هو أساس الوحدة الــيــمــنــيــة الواهي، وستظل الكوارث تتتابع، بعد أن استيقظ الجنوبيون ليجدوا أنفسهم فــي وادٍ ونظام صنعاء فــي وادٍ آخر، فلو أُخذ الجنوبي بنظر الاعتبار، وأعطيت عدن ومحافظاتها مجالاً بإدارة نفسها، لتجنبت تعاقب الاجتياحات، وها هي الـــحــرب تدور اليوم بـيـن الجنوبيين والحكومة، التي تريد اليمن كاملاً، والواقع المعيش، وجود (يمنات) لا يمن واحدة، لكن يبقى الجنوب واضح الملامح.

رشيد الخيُّون - باحث عراقي فــي التراث والفلسفة الإسلاميين – عضو هيئة تحرير المسبار للدراسات والبحوث

 



"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (عدن وصنعاء.. أساس الوحدة الواهي) من موقع (عدن الغد)"

التالى خلال أقل مــن أسبوع .. إسقاط ثالث طائرة استطلاع تابعة لمليشيا الحوثي ‏فــي الحديدة