أخبار عاجلة
مصر تغلق معبر رفح البري حتى إشعار آخر  -
غزة.. قلق مــن احتمال اندلاع حرب مـــع إسرائيل -

صالح الصماد.. التضحية بالأقل جنوناً

صالح الصماد.. التضحية بالأقل جنوناً
صالح الصماد.. التضحية بالأقل جنوناً

الثلاثاء 1 مايو 2018 03:41 صباحاً

- يأتي مـــقــتــل القيادي فــي ورئيس مجلسها الـــسـيـاسـي، صالح الصماد، تطورًا لافتا فــي سياق الـــحــرب فــي . وفـــي حين سوّق الــتــحــالــف الـــعــربـي هذه الواقعة أهم انتصار استخباراتي منذ بدء الـــحــرب، كون صالح الصماد المطلوب الثاني عــلـى لائحة الــتــحــالــف، والقيادي الحوثي الأرفع رتبة الذي نجحت فــي التخلص منه، بينما هدّدت جماعة الحوثي بحربٍ مفتوحةٍ ضد دول الــتــحــالــف، انتقاما لمقتله، وسواء صدقت الرواية الرسمية لجماعة الحوثي أنه قضى فــي غارة لطيران الــتــحــالــف الـــعــربـي فــي مـــديـنـة ، أو أن مقتله كان جزءا مــن سيناريو تنافس أجنحة جماعة الحوثي، أفضى إلــى هذه النهاية، إذ مــن الصعب ترجيح رواية حقيقية، فالأهم هو دلالة مـــقــتــل الرجل فــي سياق تطور جماعة الحوثي ومستقبلها، وانعكاس ذلـك عــلـى الوجهة التي تمضي فيها الـــحــرب فــي اليمن.
بمقتل صالح الصماد، خسرت جماعة الحوثي واجهتها السياسية البارزة عــلـى الصعيد المحلي والإقليمي، إذ فقدت مهندس الارتباط مـــع بقايا الشعبي العام بعد قتلها حليفها الـــســـابـق ، إذ يعد الصماد أحد القيادات العليا فــي جماعة الحوثي التي تحظى بقبول لدى بقايا "المؤتمر"، وذلك للدور الذي لعبه بعد مـــقــتــل صالح، إذ كبح، إلــى حد مـــا، عنف الجماعة حيال أنصار صالح. كما فقد الــتــحــالــف الـــعــربـي، ربما، أحد الشخصيات السياسية الوسطية داخل جماعة الحوثي التي قد تجنح إلــى الخيار الـــسـيـاسـي لحل الأزمـــة الــيــمــنــيــة. ومن ثم فإن مـــقــتــل الصماد كان انتصاراً للجناح المتشدد داخل جماعة الحوثي، وأجّل مقتله نوعاً مـــا جولة الـــصـــراع بـيـن أجنحتها.
"بمقتل صالح الصماد، خسرت جماعة الحوثي واجهتها السياسية البارزة عــلـى الصعيد المحلي والإقليمي"

تعكس التضحية برأس الذراع الـــسـيـاسـي لجماعة الحوثي طبيعة التحولات الــداخــلـيـة فــي هذه الجماعة، بما فيها المسارات التي أنتجت مراكز قوى جديدة، دخلت فــي تنافسٍ مـــع مراكز القوى القديمة، ثم فــي صراعٍ غير متكافئ، فبعد انقلابها عــلـى السلطة الـــشــرعــيـة، أدركت جماعة الحوثي حاجتها إلــى قوة سياسية تمثلها، وكـــان ذلـك تكيفاً مـــع تحولها إلــى سلطة أمرٍ واقع أكثر مــن كونه تحولا طبيعيا داخل الجماعة؛ فبموازة جناحها العسكري المليشيوي، حرصت الجماعة عــلـى تخليق ذراع سياسي ينسّق علاقتها مـــع حلفائها وخصومها. وكـــان صالح الصماد جزءا مــن هذه الطبقة السياسية الناشئة، إلا أن تجذّر الجناح العسكري المليشيوي لجماعة الحوثي، باعتباره ذراعا رئيسا فيها، وامتدادا لعقيدتها الدينية المقاتلة، وكذلك لاعتماد الجماعة عليه قوة باطشة لفرض وجودها عــلـى القوى السياسية الأخرى، إضافة إلــى خضوع قـــرار جماعة الحوثي الـــسـيـاسـي والعسكري للقيادة الدينية التي يمثلها زعـــيــم الجماعة، ، قد أعاق تحول الذراع الـــسـيـاسـي للجماعة إلــى قوة مؤثرة، سواء داخل الجماعة أو خارجها، إذ تمركزت سلطة جماعة الحوثي فــي اللجنة الثورية العليا التي تعد، بتركيبتها وبنيتها، ومؤهلات المنتمين إليها، وكذلك ارتباطها المباشر بزعيم الجماعة، التمثيل الحقيقي لهوية جماعة الحوثي. لذا كانت أداة الجماعة لاختراق مؤسسات الدولة، ثم آلية لإقامة هيئةٍ توازي الدولة وتحل محلها، وكـــان ذلـك أحد أوجه خلاف سلطة الـــرئـيـس عبد ربه منصور مـــع الجماعة بعد اجتياحهم ، ثم مـــع صالح إبان تحالفه مـــع الجماعة. وبالتالي نافست اللجنة الثورية الذراع الـــسـيـاسـي للجماعة الذي يمثله صالح الصماد عــلـى السلطة والنفوذ والثروة، وتحول التنافس بينهما مـــع مراكز قوى أخرى، فــي مرحلة لاحقة، إلــى صراع مكشوف.
فرض تشكيل المجلس الـــسـيـاسـي، باعتباره إطارا تنظيميا لتحالف جماعة الحوثي مـــع حزب صالح، تنامي قوة الذراع الـــسـيـاسـي للجماعة، إذ ترأسه صالح الصماد، وعمل عــلـى تجييره لصالح جماعة الحوثي، إلا أن ذلـك لم يشكل فارقاَ كبيراً فــي توجه الجماعة الذي غلب عليه المنحى العسكري فــي إدارة علاقتها مـــع حلفائها وخصومها. ومن ثم عملت قوى فاعلة داخل جماعة الحوثي عــلـى تقليص نفوذ القوى السياسية التي يمثلها الصماد، فــي مقابل تدعيم نفوذ اللجنة الثورية برئاسة محمد الحوثي. عــلـى الرغم مــن حلها بمقتضى تشكيل المجلس الـــسـيـاسـي ونقل سلطتها إليه، ظلت اللجنة الثورية تمارس أعمالها بوصفها سلطة موازية لمؤسسات الدولة، مــن خلال تكريس سلطة المُشرفين باعتبارها هيئة رقابية عــلـى الإداريين، وتحولت مـــع الوقت إلــى تنفيذية، فضلاً عـــن تجاوزها سلطة المجلس الـــسـيـاسـي الأعلى، وتعطيلها مهام حكومة الانقلاب.
حسم مـــقــتــل علي عبدالله صالح وجهة الـــصـــراع داخل جماعة الحوثي، إذ أدى اختفاء خصم لدود خاضت معه الجماعة تجاذباتٍ سياسيةً فــي تشكيلات سلطة الانقلاب أولاً، ثم معركة عسكرية لاحقاً، فــي نقل الـــصـــراع إلــى داخل جماعة الحوثي، كما أدّى تحول الجماعة إلــى سلطة وحيدة فــي المناطق الخاضعة لسيطرتها فــي تصعيد الـــصـــراع بـيـن أجنحتها، إذ جعل الجماعة فــي مواجهة بنيتها التنظيمية، ثم فــي مواجهة أذرعها المتعددة التي تمثل مراكز قوىً بزعامات عسكرية وسياسية واقتصادية متنافسة، لكن مراكز القوى داخل الجماعة، وتحديدا العسكرية منها، أجلت مواجهتها مـــع الذراع الـــسـيـاسـي، حيث كانت جماعة الحوثي بحاجة بعد مـــقــتــل صالح إلــى فرض سيطرتها السياسية عــلـى المناطق الخاضعة لها، عبر تقديم صالح الصماد رئيسا لسلطتها السياسية، وكذلك للاعتماد عليه فــي حل المشكلات المترتبة عــلـى اغتيالها علي عبدالله صالح، وعمل الصماد، عبر رئاسته مـــا يسمي المجلس الـــسـيـاسـي الأعلى، عــلـى مأسسة سلطة الانقلاب، بحيث يعكس، إلــى حد مـــا، طبيعة المؤسسة الرئاسية المشوّهة التي أوجدتها جماعة الحوثي، إلا أن محاولات الصماد مأسسة سلطة الانقلاب اصطدمت، فــي المقام الأول، وقبل رفض المجتمع الجماعة، بالأذرع الأخرى للجماعة التي عملت عــلـى شل بعضها بعضا.
"فــي مرحلة ترتيب الغابة لحربٍ طويلةٍ ومفتوحةٍ، لا بد مــن التضحية بالأقل جنوناً"

بعد استتباب الأوضاع لها فــي مناطق سيطرتها عقب قتلها صالح، بدت الرؤوس العديدة لأجنحة جماعة الحوثي تسعى لحسم الـــصـــراع بينها، عبر إزاحة بعضها بشتى الطرق، وانعكس ذلـك ليس فقط فــي افتقار الجماعة لسلطة سياسية موحدة تدير المناطق الخاضعة لها، وإنما فــي تداخل وظائف أجنحة الجماعة التي أصبحت أكثر تغوّلاً. ولم يمضِ وقتٌ حتى تكرس رئيسان لسلطة الانقلاب، يتنازعان مـــع مراكز القوى التابعة لهما عــلـى السلطة، وتمظهر الـــصـــراع فــي عدة مؤشرات، منها تنامي حوادث اغتيالات لقيادات حوثية مــن مجهولين فــي الـــعــاصــمـة صنعاء، وبعض المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة، وكذلك منازعة رئـيـس اللجنة الثورية لسلطة المجلس الـــسـيـاسـي وصلاحياته، واحتكاره الخطاب الـــسـيـاسـي للجماعة، عبر تصعيده الإعلامي ضد الـــشــرعــيـة الــيــمــنــيــة والتحالف الـــعــربـي، فيما بدا الصماد متذبذباً فــي خطاباته بـيـن قبول التسوية السياسية والتصعيد العسكري فــي عامه "الباليستي"، إلا أن تفوق اللجنة الثورية عــلـى أجنحة الجماعة، بما فيها القوة السياسية التي يمثلها الصماد، وذلك لاعتماد الجماعة عــلـى مقاتليها الذين يشكلون القوة المساعدة لبقايا الـــجــيـش الذي يخوض المعارك فــي جبهات القتال، فإن صالح الصماد، مهما حاول أن يبدو مقاتلاً شرساً لمجاراة جناح الصقور، ويتبنّى منطق جماعة الحوثي فــي أن تكون الـــحــرب وحدها، وحتى النهاية، الخيار الوحيد لها، فإنه بدا فــي الأشهر الأخيرة، وكأنه يخسر المعركة. وبالتالي كانت مسألة إزاحته أو إبعاده عـــن الواجهة السياسية للجماعة مسألة وقت لا أكثر.
فــي المطلق، لا حمائم فــي الـــحــرب، فالحيوانات الأكثر شراسةً ودمويةً هي مــن تُحدث الـــحــرب وتقودها، وتحرص عــلـى استمرارها. لذا ففي مرحلة ترتيب الغابة لحربٍ طويلةٍ ومفتوحةٍ، لا بد مــن التضحية بالأقل جنوناً.

"بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (صالح الصماد.. التضحية بالأقل جنوناً) من موقع (العربي الجديد)"

التالى الدراما الــيــمــنـيّة: مــن مأزق الأسئلة إلــى ورطة التهريج