أخبار عاجلة
"الحرس الأبيض": يالها مــن صدفة يا بولغاكوف -
مصادر: انفراجة في ملف تعيين 3636 معلمة بديلة -
رئـيـس بوليفيا: ترامب عدو للبشرية -

الدراما الــيــمــنـيّة: مــن مأزق الأسئلة إلــى ورطة التهريج

الدراما الــيــمــنـيّة: مــن مأزق الأسئلة إلــى ورطة التهريج
الدراما الــيــمــنـيّة: مــن مأزق الأسئلة إلــى ورطة التهريج

الأحد 1 يوليو 2018 12:11 صباحاً

- ـ « الـــعــربـي»: لم يتوقف الإنتاج الــيــمــنـيّ للدراما التلفزيونية خلال سنوات الـــحــرب الراهنة، إذ تواصل كعادته الموسمية مــن خلال عـــدد مــن الأعمال الرمضانية عرضتها قنوات تلفزيونية حكومية وغير حكومية.
ورغم أن التجربة الإنتاجية التلفزيونية الــيــمــنــيــة للدراما تتجاوز العقد الثالث، إلا أن عـــدد الأعمال التي اُنتجت وعُرضت منها مـــا زال محدوداً، وقد لا يرقى للخمسين عملاً، علاوة عــلـى أنه لا يوجد إحصاء دقيق أو معلومات رسمية لرصيد ومسارات هذه التجربة فــي دلالة واضحة عــلـى وضعها ومساحة حضورها.
منذ اشتعال الـــحــرب الأهلية والخارجية فــي فــي آذار/مارس 2015 أُنتج عـــددٌ مــن الأعمال سُخّر بعضها لخدمة أهداف طرفٍ فــي الـــحــرب، وبعضها رأى منتجوها الهروب مــن مأزق الـــحــرب إلــى الإغراق فــي الترفيه فــي تناول هلامي لموضوعات أصبح معها الترفيه أٌقرب للتهريج منه للكوميديا، وهو، للأسف، ديدن معظم الأعمال التي اُنتجت فــي السنوات العشر الأخيرة. وكـــان للأحداث، التي شهدتها الـــبـلاد خلال هذه السنوات، دورها فــي الإمعان فــي تسطيح هذه الأعمال فوق مـــا كانت الإدارة الإعلامية الثقافية لنظام الحكم الـــسـيـاسـي فــي المرحلة السابقة قد كرّست تسطيحها وإفراغها مــن دورها التنويري خدمةً لانحرافات الـــسـيـاسـي. وليس ببعيد مـــا شهدته تجربة مسلسل «حكايات دحباش» 1991-1993 مــن منع سياسي بتهمة مـــا قيل –لاحقاً، أن المسلسل يشوه صورة الإنـســـان الــيــمــنـيّ، وإن كان العمل تعامل مـــع واقع الشخصية العادية لاسيما فــي شـــمـــال اليمن برؤية كوميدية نقدية. وكذا مسلسل «الطاهش» الذي تعرض لموجه سخط قبلي أوقفت عرضه لأسباب متعلقة بالأسماء. ومثل هذا ليس سوى أمثلة لبعض المشاكل السياسية والاجتماعية التي أسهمت مـــع عوامل أخرى فــي إفراغ الدراما التلفزيونية ضمن معاناة شملت الفنون عموماً، مــن نسبة كبيرة مــن الروح الفنية والتناول الموضوعي، وبالتالي غياب فاعليتها التنموية.

رؤية إنتاجية واخراجية

مِن بـيـن آخر مـــا قدّمته هذه الدراما هذا العام يبرز مسلسلا «الدلال» الذي عرضته قناة «يمن شباب» و»حاوي لاوي» الذي عرضته قناة «السعيدة» فــي رمضان الماضي. وعكس العملان واقع حال الدراما، وما وصلت إليه جراء افتقادها لرؤية إنتاجية وإخراجية وثقافية ترتقي بعملها الفني وتناولها الموضوعي ودورها التنموي عــلـى صعيد علاقتها بالتعبير عـــن واقع المجتمع والاسهام فــي تقدمه، ونتيجة لغياب تلك الرؤية بقيت الأعمال فــي معظمها، خلال السنوات الأخيرة، تكرر نفسها وتؤطر علاقتها بالمجتمع اضحاكاً أجوفا أكثر منها تعبيراً مسؤولاً عـــن مشاكله وتطلعاته، فتأتي مغتربة اجتماعياً ومستلبة كوميدياً، حيث تبدو فــي شخوصها وموضوعاتها بعيدة عـــن بيئتها، متخلية عـــن نسبة كبيرة مــن روح تجربتها كدراما مــن حيث غياب انفعال الفعل ورد الفعل وضعف حبكتها وتجاهل فجوات كبيرة بـيـن أحداثها وتركيز اهتمامها عــلـى السخرية الفجة. ومن خلال كل ذلـك بقيت هذه الدراما فــي السنوات الأخيرة تسجل تراجعاً عما كان عليه وضعها قبل انطلاق قنوات تلفزيونية يمنيّة غير حكومية، والتي ظهر بالتوازي معها عـــدد مــن شركات الإنتاج الخاص، وكل ذلـك كان يعوّل عليه أن يُسهم فــي إحداث نقلة نوعية فــي تجربتها، إلا إن هذا القطاع ممثلاً فــي القنوات غير الحكومية وبعض شركات الإنتاج، ومن خلال مـــا قدمه مــن أعمال فــي السنوات الماضية خيّب آمال مَن كانوا يعتقدون أن توليه زمام القيادة والمبادرة فــي إنتاج هذه الأعمال سيكون الحل لتجاوز مشاكلها، ليتضح بذلك أن المشكلة أعمق بكثير، حيث بقي تطوير الدراما خارج أهداف تجارب إنتاج القطاع الخاص، وبقيت القيادات الإدارية للعمل الإعلامي والإنتاج الفني فــي القطاع الخاص تعاني مــن مشاكل قيادات القطاع الحكومي نفسها فــي هذا المجال فكانت المحصلة أعمالا هـشة يتم إنتاجها بهدف الفوز بنسبة تمويل إعلاني يحقق فائض ربح مناسب بصرف النظر عـــن قيمة العمل الدرامي وهو مـــا أصبح معه تكريس وضعها الضعيف هدفاً غير مباشر.

سخرية فجة

مَن يتتبع مـــا اُنتج منها خلال السنوات العشر الماضية سيلاحظ مدى الإصرار عــلـى مواصلة تقديم أعمال مــحـــلــيــة لا قيمة فنية لها وغير قابلة للتسويق الـــعــربـي، بل إنها تبقى غير قادرة عــلـى منافسة المسلسلات العربية فــي أولويات المشاهدة لدى المشاهد المحلي باستثناء أعمال قليلة جداً لا تكاد تذكر، بينما معظم الأعمال تفتقد لنص متماسك يتمحور حول موضوع حيوي منظوم فــي سياق خطاب غير مباشر ويعتمد حبكة متقنة تنضبط فــي خيوطها منطقية الأحداث وتصاعدية صراع الفعل الدرامي. وهذا مرجعه أن المُنتج لا يلتزم بشكل دقيق بمعايير العمل الفني حتى عــلـى مستوى العلاقة بملابس ومكياج الممثل وفـــي علاقة العمل بكثير مــن عناصره مــن كًتاب وممثلين ومصورين وغيرهم، لأن الالتزام الفني هنا مكلف مادياً ويحتاج وعيا تنافسيا، كما أن الالتزام الموضوعي قد يعرضهم لخصومة مـــع طرف مـــا، فتكون المحصلة كما هي عليه أعمال السنوات الأخيرة، والتي سجلت تراجعاً عما كانت عليه قبل انطلاق فضائيات التلفزيون الــيــمــنـيّة الأهلية. فمسلسل «كيني ميني» و»عيني عينك» و»همي همك» وغيرها مــن الأعمال التي جاءت عــلـى منوالها فــي شاشات التلفزيون الحكومي وغير الحكومي عــلـى حد سواء بقيت تعاني اهتراءً فنيا وموضوعيا، فشخصية (زنبقة) فــي مسلسل «همي همك» عــلـى مـــا لقيته مــن شهرة مــحـــلــيــة، دليل كاف عــلـى مـــا تعانيه هذه الأعمال مــن انفصام مـــع الواقع والهروب بعيداً عـــن إثارة أسئلة لحظته الراهنة مــن خلال جرعات زائدة مــن السخرية التي لا معنى لها.

الإقناع المحلي

بلا شك إن ثمة أعمالا خلال المرحلة الراهنة يمكن اعتبارها جيدة مقارنة بواقع الحال، لكنها قليلة جداً، فيما نجد هذه النوعية مــن الأعمال الجيدة أكثر حضوراً فــي مرحلة سابقة، بل سنجد أن معظم الجيد منها اُنتج حكومياً فــي عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وبعض سنوات العقد الأول مــن الألفية الثالثة مثل: مسلسل «الفجر» عام 1983 مــن إخراج ناصر العولقي، «المهر» عام 1993 مــن إخراج عبد العزيز الحرازي وبطولة نبيل حزام ويحيى إبراهيم، «الثأر» خلال التسعينيات أيضاً مــن إخراج مجاهد السريحي، «الحب والثأر» عام 2007 مــن إحراج عبدالعزيز الحرازي، وغيرها مــن المسلسلات التي تبقى متميزة مقارنة بما أنتج بعدها مــن قبل فضائيات تلفزيون القطاع الخاص. الجدير بالإشارة أن التردي فــي أعمال السنوات الأخيرة قد شمل أيضاً مـــا أنتجه التلفزيون الحكومي.

الحكم الفاسد

مـــا تعانيه الدراما التلفزيونية الــيــمــنــيــة يأتي ضمن معاناة تشمل الفنون عموماً كما سبقت الإشارة، فالفنون والتنمية الثقافية بقيت هامشية فــي سياسة الدولة، فــي ظل استمرار النظام الـــســـابـق فــي تكريس معادلة الحكم الفاسد مــن خلال إدارة الـــبـلاد اعتماداً عــلـى الولاءات التقليدية وتجاهل الكفاءات الإبداعية عــلـى مستوى كافة مجالات العمل والإنتاج، وهي مشكلة مـــا زالت مؤثرة حتى اليوم فــي العامة وحتى عــلـى مستوى نخبه المجتمع ونتيجة لذلك تحضر ثقافة الـــصـــراع والسباق عــلـى المصالح الفردية بقوة تتجاوز مـــا سواها.
عــلـى الرغم مــن ذلـك يتطلع الكثير فــي أن تشهد الدراما التلفزيونية الــيــمــنــيــة فــي المستقبل وخاصة مـــع بناء دولة مدنية حديثة، تحولاً نوعياً تصبح، مــن خلاله، جزءاً مــن مفاعيل تطوير المجتمع مــن خلال أعمال تحاكي الواقع وتحاول أن تُجيب عــلـى أسئلة التحديث الملحة وتُعيد تفكيك تحديات التقدم وهو مـــا يتطلب شجاعة وسخاء وإدراكا لحقيقة الحاجة لإنتاج درامي عربي مشترك، وهو مـــا سيكون له عظيم الأثر فــي تطورها. لكن تجارب الإنتاج الدرامي الـــعــربـي المشترك بقدر مـــا قد يحالفها النجاح فقد يحالفها الفشل اعتماداً عــلـى عوامل داخلية، وهو مـــا تحقق يمنياً مــن خلال عدة تجارب أبرزها: تجربة الإنتاج الــيــمــنـيّ السوري لمسلسل «وضاح اليمن» فــي الثمانينيات، والذي حقق نجاحا لافتاً. والثانية فــي بداية الألفية الثالثة مــن خلال إنتاج مسلسل «سيف بن ذي يزن» لكنها قدمت عملاً فاشلاً وباهتاً لأسباب متعلقة بالرؤية الإدارية الفاسدة التي كانت قد تموضعت وتحكمت فــي إدارة المشاريع العامة بما فيها العمل الفني فــي التلفزيون الــيــمــنـيّ، وهي المشكلة نفسها التي كرّست معظم الأعمال الدرامية الــيــمــنــيــة لاحقاً فــي دائرة ضيقة لم تغادرها حتى اليوم كجزء مــن مشكلة ثقافية كرستها انحرافات السياسة فــي علاقتها بالدولة والمجتمع والمستقبل فكانت الفنون فــي مقدمة الضحايا نتيجة إصرار الـــسـيـاسـي الــيــمــنـيّ عــلـى المراهنة عــلـى قوى التخلف وثقافة الغلبة والنتيجة هي مـــا يعيشه اليمن اليوم مــن احتراب تحولت معه البلد لساحة صراع مصالح خارجية ببيادق مــحـــلــيــة.

بإمكانكم إيضاً مطالعة خبر (الدراما الــيــمــنـيّة: مــن مأزق الأسئلة إلــى ورطة التهريج) من موقع (القدس العربي)

التالى اليمن: الــحــكــومــة تشد الرحال مــن المنفى وتبدأ إجراءات العودة إلــى عدن بعد التصالح مـــع أبو ظبي