أخبار عاجلة
موسكو: مستعدون لتنفيذ مخرجات قمة هلسنكي -
كيف سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الحج؟ (فيديو) -

سارة السهيل: ثقافة الاستهلاك وازماتنا الاقتصادية 

سارة السهيل: ثقافة الاستهلاك وازماتنا الاقتصادية 
سارة السهيل: ثقافة الاستهلاك وازماتنا الاقتصادية 

الأحد 1 يوليو 2018 04:30 مساءً

- سارة السهيل يعيش الـــعــالــم الـــعــربـي أزمات اقتصادية خانقة بفعل تأثيرات مـــا شهدته السنوات الماضية مــن أتون حروب وصراعات سياسية وعسكرية لا يزال بعضها مستمرا فــي وليبيا وسوريا. استمرار هذه الحروب والصراعات قد يرتبط بمخططات خارجية لتفتيت هذه الدول محل النزاع والاستفادة مما تبقي مــن ثرواتها الطبيعية، لكنه فــي المقابل أدى إلــى خنق الاقتصاديات فــي باقي الدول العربية شبه المستقرة سياسيا. غير ان الدول العربية وشعوبها لم تنتبه الي تأثير هذه النزاعات والحروب علي اقتصاداتها، ولم تقم بأية محاولات للحفاظ عــلـى مقوماتها الاقتصادية خلال السنوات القليلة الماضية حتي وجدت نفسها فــي مأزق اضطرت فيه إلــى الغاء الدعم واللجوء لفرض الضرائب والرسوم لجلب الايرادات اللازمة للانفاق الحكومي عــلـى البنيات الأساسية للدولة مــن تعليم وصحة وأمن وغيرها. فجأة شعر المواطن الـــعــربـي بان الحكومات العربية تخنقه وتحاصره بالضرائب ورفع أسعار المحروقات والغلاء الفاحش، دون ان تنتبه هذه الشعوب وحكوماتها إلــى الخطر الأكبر والمستفحل فــي المجتمعات العربية والعالمية ممثلة فــي سعار ثقافة الاستهلاك التي غرس بذور فتنتها الرأسمالية العالمية والعولمة الامريكية. فهذه الرأسمالية قد غذت النزعة الاستهلاكية لدى شعوب الـــعــالــم وبثت فيها غرائز الترفيه بكل وسيلة مستخدمة فــي ذلـك حاجة الناس إلــى التواصل الاجتماعي والانفتاح عــلـى الاخر  ومحاكاة تجارب الشعوب والتلذذ بكل مـــا هو جديد، فتحول انسان هذا العصر منذ تسعينيات القرن الماضي إلــى كائن مستهلك لكل شيء فــي الأرض والفضاء ، مستهلك للزراعة والصناعة والاعلام والفنون وغيرها. اتجه انسان العصر بفعل الرأسمالية المتوحشة إلــى التملك واستخدام اكبر عـــدد مــن السلع والخدمات بعد ان غرست فيه قيم مادية جعلته يربط سعادته ونجاحه بهذا الامتلاك والافراط فــي استخدام السلع والخدمات، وصار كثرة امتلاك السيارات الفارهة وتجديد موديلاتها وتجديد الأجهزة الكهربائية والتكنولوجية مظهرا للعصرية والتقدم ومظهرا للتفاخر الاجتماعي وبرهانا عــلـى النجاح والمكانة الاجتماعية بـيـن الاقران فــي المجتمع. وهكذا انحصرت السعادة فــي الماديات الترفية والقيم الاستهلاكية بينما اشتكت الطبيعة مــن الضغط البشري علي هوائها وسمائها وارضها، وصرخت مــن استنزاف ثرواتها  فعبرت عـــن ذلـك بثقب الأوزون بالعواصف والزلازل والباركين وارتفاع درجة حرارتها نتيجة تلوثها وتغير المناخ المنذر بالمزيد مــن الكوارث. هذه الكوارث حذر منه  تـقــريـر حالة الأرض 2010  State of the World  الصادر عـــن مؤسسة  مرصد الأرض World Watch Institute  بواشنطن، والذي أعده أكثر مــن ستين عالماً ومفكراً، يبين بالأدلة العلمية أن النظام العالمي الحالي القائم عــلـى الاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية غير قابل للاستمرار وأنه سيؤدي إلــى كوارث مدمرة، داعيا لضرورة التحول مــن ثقافة الاستهلاك الي ثقافة الاستدامة. ثقافة الاستهلاك وقد تفاعل المفهوم الاستهلاكي المفرط مـــع عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية حتى صار ثقافة يومية معاشة نمارسها كشيء طبيعي كما نشرب الماء ونتنفس الهواء، كما صار جزءا رئيسيا مــن اقتصاديات الدول وركائزها السياسية معتمدا فــي ذلـك عــلـى دور الاعلام فــي بث ثقافة الاستهلاك عبر إعادة تشكيل وعي جماهيره العريضة شرقا وغربا بحاجاته المتجددة للتغيير والتحديث. فقد غذت الرأسمالية مفهوم الحاجة المستمرة لانسان العصر، والنزوع المتجدد للاستهلاك وخلقت بداخله الدوافع لاشباع الاحتياجات الكثيرة التي لا تنتهي حتى بات الاستهلاك عنصرا رئيسيا فــي منظومة حياتنا اليومية. فلا غرابة امام عبقرية الرأسمالية المتوحشة ان تستثمر كل مناسبة فــي حياة الانسان لتحولها الي سلعة وتجارة موظفة قدراتها علي الضغط بالميديا والاعلان الجذاب، مثل الأعياد الدينية وأعياد الميلاد وطقوس الزواج والانجاب ومواسم الربيع، واستحدثت المهرجانات للاحتفال بالطبيعية واستحدثت كوسام دخول المدراس والاجازات الصيفية وغيرها لشراء المزيد مــن السلع والحصول علي كل خدمات الترفيه والتسلية. وللأسف فان العولمة الاقتصادية، قد حولت كل الكماليات فــي حياتنا الي ضروريات ولكي يحظى الانسان بالمزيد مــن المال لإشباع هذه الكماليات فقد اضطر للعمل ساعات اكبر وجهد مضاعف علي حساب صحته وراحته النفسية والعصبية لتوفير نفقات هذه الكماليات وتغطية نفقات هذه الثقافة الاستهلاكية. تطوير واستنزاف لا يكف المنتجون والمصنعون عـــن  تطوير منتجاتهم بإضافة بعض التعديلات عليها، وتدور حلقة جديدة مــن ماكينات الداعية للمنتج المطور والجديد، ولا تكف أيضا المجتمعات الاستهلاكية عـــن مواكبة التحديث وشراء السلع المطورة علما بأن المنتج نفسه فــي صورته القديمة لا يزال يعمل بكفاءة عالية. فما ان يظهر موديل لأحد ماركات السيارات حتي يسارع البعض بشرائه رغم انه يركب سيارة موديل العام الفائت، وما ان نشتري هاتف خلوي مــن احدث الموديلات حتي يظهر تحديث له فــي موديل جديد حتي نسارع أيضا بشرائه بفعل تفنن أساليب الدعاية بمميزاته وخصائصه، وهوما يسري كافة السلع والخدمات التي لا نكف عـــن شرائها ربما فــي أكثر الأوقات لا نحتاج اليها فعليا سوي للهاث وراء كل جديد والتباهي فــي المجتمع بـيـن الاقران. تأصيل النزعة أرجع الباحثون فــي علوم الاجتماع والاقتصاد جذور الثقافة الاستهلاكية إلــى أوربا فــي القرن السابع عشر حين توسع إنتاج السلع نوعاً وكماً، وبدأ البحث عـــن أسواق جديدة لفوائض الإنتاج، ومع بداية القرن العشرين صار الاستهلاك جزءاً مهما فــي تحقيق المكاسب والثروات للشركات والحكومات، وساهمت  المخترعات الجديدة فــي مجال التكنولوجيا والاتصالات كالتلفزيون والإنترنت فــي النصف الثاني مــن القرن عــلـى نشر هذه الثقافة فــي جميع أنحاء الكوكب الأرضي. ونظرت الحكومات الاوربية فــي أربعينيات القرن الماضي الي الاستهلاك بوصفه محرك رئيسي فــي تحقيق النمو الاقتصادي، فاتجهت الولايات المتحدة الأمريكية عقب خروجها مــن الـــحــرب العالمية وكسادها التجاري والاقتصادي الي رفع سقف الإنتاج لتعويض الخسائر وتعظيم الاستهلاك فحولت عملية بيع وشراء المنتجات إلــى طقس مقدس، ونشرت قيم الثقافة الاستهلاك وغزت بها الـــعــالــم. ففن الدعاية الأمريكية نجح فــي اختراق عقوق ووجدان البشر وسيطرت به علي حركة التجارة العالمية ونشأت التجارة عابرة القارات عبر عولمة زادت فيها الدول الكبرى ثراءا ونفوذا سياسيا واقتصاديا بفعل كثرة انتاجها بينما تحول باقي ســـكــان الـــعــالــم الي مجرد مستهلك لما تنتجه الدول الكبرى، وخرجت شعوبها مــن دائرة الإنتاج الي دائرة التلقي والاستيراد والاستهلاك. وصار انسان هذا العصر أمام وحش الدعاية فــي هذه القرية الكونية ضحية الاغواء بالسلع وفق نظرية الالحاح حتي يخضع الزبون لتأثيرات المنتج عاطفيا وسلوكيا، وصدق الأثر الشعبي القائل ” الزن علي الودان أمر مــن السحر ” هكاذ يفعل أساطين الدعاية فــي ممارسة التأثير بالإغواء علي الجماهير حتي يقبلوا علي شراء سلعهم التي لا تنتهي بخلق حالة مــن الشغف بالسلع وإقامة مهرجانات للتسوق شهيرة فــي الـــعــالــم ليصبح التسوق وفنونه رمزا مــن رموز العصر لا يمكن تجاهله، لكنه فــي النهاية يخلق مزيد مــن النزعة الاستهلاكية بعد اشعار الانسان بجوعه وحاجته الضرورية لاشباع هذه الجوع بتملك السلعة ليحقق مــن وراء ذلـك أيضا اشباعا موازيا لحاجة الفرد الي تعزيز مكانته الاجتماعية التي يصنعها لنفسه بهذا التملك ونظرة المجتمع اليه بقدرته علي منافسة الاخرين فــي اقتنائها حتي ولو اقترض مــن البنوك لتحقيق هذا الهدف الاستهلاكي الاجتماعي. أزمـــة التلقي لاشك ان مفهوم السوق الحر الذي اعتمدته العولمة الاقتصادية حققت ثروات هائلة  للدول الكبرى والشركات متعدية الجنسيات التي سيطرت بسلعها ومنتوجاتها علي السوق العالمي بينما أثرت سلبا علي الدول التي تعتمد علي الاستيراد، وهذا يعني ان هذه الدول ومنها عالمنا الـــعــربـي قد توقفت فيها حركة التطور الصناعي والتجاري ولم تستطع مجاراة العصر فــي تحدياته التكنولوجية ومنجزاته العلمية والاقتصادية، ناهيك عـــن تأثير ذلـك علي معدلات النمو الاقتصادي ببلدان الـــعــالــم النامي ومنه منطقتنا العربية التي تقلص انتاجها وأصابته نيران البطالة فــي صفوف شبابها  فتهاوت ميزانياتها واحتاجات للقروض الخارجية لتمول النقص فــي عجز ميزانياتها. التأثير الاجتماعي للأسف الشديد فان ثقافة الاستهلاك اثرت تأثيرات سلبية خطيرة علي المجتمعات خـــاصـــة مجتمعاتنا العربية سواء علي الاقتصادي او الاجتماعي معا، حيث تسببت ثقافة الاستهلاك الي خفض معدلات الادخار ومن ثم تقليص مساهمات افراد المجتمع فــي تحقيق المشروعات التنموية مـــع حكوماتها، كما أدي ذلـك الي تقلص حركة التجارة الــداخــلـيـة نتيجة نقص السيولة النقدية بـيـن افراد المجتمع. ونجم عـــن انخفاض الدخل المادي عجز الكثير مــن الاسر عـــن الوفاء بالتزاماتها المعيشية واعبائها اليومية مما أدي تباعا الي تعميق الخلافات الاسرية وتعرض رب الاسرة الي الملاحقات الأمنية لعدم قدرته علي سداد مديوناته مما يؤدي لتشتت أفراد أسرته. بل ان بعض الإباء قد هربوا مــن زوجاتهم وابنائهم لفشلهم فــي تغطية نفقات المعيشة، وانتشرت حالات الطلاق الناتجة عـــن هذه الازمات المالية فــي الكثير مــن البلدان العربية. وخرجت العديد مــن الدراسات التي بحثت تأثيرات الافراط فــي الانفاق وانتشار ثقافة الاستهلاك وخلصن فــي مجملها الي ان ثقافة الاستهلاك قد أدت الي انتشار الجرائم سواء بـيـن الطبقات الغنية او الفقيرة، فــي تسببت ثقافة الاستهلاك وشراء الام للعديد مــن الأجهزة الغير ضرورية لتزويج ابنتها فــي دخول الالاف منهم أروقة السجون بتهمة عدم قدراتهن علي دفع المستحقات مــن الشيكات التي وقعن عليها وهو يطلق علهين باسم ” الغارمات ” وهو مـــا حدا بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الي التكفل بسداد هذه المستحقات مــن صندوق تحيا مصر وإخراج هذه الأمهات الغارمات مــن السجون.  وحتي فــي البلدان العربية التي تمثل دخول الافراد فيها أعلي النسب عالميا مثل الامارات والسعودية وغيرهما، فان الكثير سكانها يعانون مــن الشراهة فــي الاستهلاك هو مرض العصر، ولم تفلح ارتفاع متوسطات رواتبهم فــي سد تنامي إشباع احتياجاتهم فلجأوا الي الشيكات البنكية لاستكمال دفع نفقات هذه الاحتياجات وعجز الكثيرون  عـــن الوفاء بسداد هذه الشيكات فبرزت ظاهرة الشيكات المرتجعة فــي الخليج. عجز الكوكب  كشفت الدراسات العلمية عـــن حقيقة ان الأغنياء مسؤولون عـــن جزء كــــبـيـر مــن الاستهلاك وومن ثم فإن ضررهم البيئي أكبر بكثير. تذكر الدراسة أن 500 مليون شخص غني (أي 7% مــن ســـكــان الأرض) مسؤولون عـــن إنتاج 50% مــن غازات ثاني أكسيد الكربون فــي الـــعــالــم، فــي حين أن 3 بليون الأفقر ينتجون فقط 6%. وذلك بسبب استهلاك الأغنياء ي كميات أكبر مــن الكهرباء والطعام ويشترون المزيد مــن السلع الخدمات. فــي الدول الغنية حيث الاستهلاك هو نمط السائد يعيش فقط 16% مــن ســـكــان الأرض، فنسبة الأغنياء فــي الـــعــالــم 16% مــن ســـكــان الأرض واستهلاكهم يصل إلــى 78%! مــن الاستهلاك العالمي، وتتصدرهم الولايات المتحدة بنسبة 32% مــن الاستهلاك العالمي رغم ان تعدادهم لا يتجاوز 5% مــن ســـكــان الأرض. اما الدول النامية تنظر إلــى الدول المتقدمة عــلـى أنها مثال وقدوة وتحاول أن تحذو حذوها وتتبنى نمط معيشتها، وهنا فان الدراسة تحذر مــن انه لو أتيح لجميع ســـكــان الأرض العيش بنفس نمط الحياة الأمريكي، فسنكون وقتها بحاجة إلــى خمسة أو ستة مــن كواكب الأرض لكي نلبي احتياجاتهم، وذلك لأن كوكبنا سيكون عاجزاً عـــن تأمين الموارد الكافية لجميع سكانه. تضامن انساني فــي تصوري ان ســـكــان الكرة الأرضية خـــاصـــة عالمنا الـــعــربـي فــي مـــا يعيشه مــن حروب وازمات اقتصادية خانقة مطالبون الإسراع لإنقاذ كوكبنا مــن الإفلاس ومن تقلص ثرواته وخيراته عبر الترشيد فــي استخدام هذه الثروات. وأن الحاجة هي أم الاختراع كما يقال فــي الأثر الإنجليزي، فاننا بحاجة التي تبني منهج علمي وعملي عالمي لنشر ثقافة الترشيد والاعتدال فــي كل شيء مــن مأكل وملبس وسلع وخدمات. وانني لأدعو كــبـار مفكرينا ومثقفينا لوضع برامج لتكثيف الوعي بأهمية ضبط إيقاع الاستهلاك والتحذير مــن عواقبه السياسية والأمنية والاقتصادية، وان تتكاتف كل المؤسسات العربية ومنظماتها بجانب مؤسسات المجتمع المدني فــي عالمنا الـــعــربـي وكذلك وسائط الاعلام بكل ادواتها المقروءة والمسموعة والمرئية فــي نشر الوعي بترشيد الاستهلاك وضغط النفقات وإبراز الازمات الاقتصادية التي تواجه مجتمعاتنا. وأظن انه بإمكان الدول العربية ان تضع قوانين تضبط  أساليب الدعاية والتي تكرس للاستهلاك، كما يمكن للدول العربية ان تضع ضوابط قانونية للبنوك حتي تقلص مــن القروض التي توفرها للمواطنين لشراء الكماليات غير الضرورية. ولاشك اننا فــي أشد الحاجة الي إعادة الاعتماد علي انفسنا فــي انتاج محاصيلنا الزراعية والحيوانية، وإنتاج احتياجاتنا مــن السلع الضرورية دون التسرع باستيرادها مــن الخارج مهما كانت المغريات بانخفاض أسعارها عالميا قياسا علي الأسعار المحلية. فلنرفع جميعا شعار الصناعة والإنتاج الوطني كرفعنا لعلم بلادنا شرفنا وعزنا وهنا سيجد شبابنا الاف الفرص مــن العمل ونقضي علي البطالة ونستعيد قوتنا وعافيتنا الاقتصادية والأمنية لان مــن لا يملك قوته لا يملك قراره ولا قوته.

بإمكانكم أيضاً مطالعة خبر (سارة السهيل: ثقافة الاستهلاك وازماتنا الاقتصادية ) من موقع (رأي اليوم)

السابق مسؤول يمني: وفاة 5 موظفين ب‏ميناء ‏الحديدة جراء انتهاكات الحوثيين ‏
التالى إعدام "سفاح إنماء" رميا بالرصاص فــي اليمن